العدد : ١٦١٣٠ - الأحد ٢٢ مايو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٣٠ - الأحد ٢٢ مايو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٣هـ

الثقافي

وهـــج الـكـتــابـة: آه من فضولي!!

بقلم: عبدالحميد القائد

السبت ٠٨ يناير ٢٠٢٢ - 02:00

عندما‭ ‬كنتُ‭ ‬صبيًا،‭ ‬كان‭ ‬بيتنا‭ ‬عامرًا،‭ ‬دافئًا،‭ ‬أمي‭ ‬معي‭ ‬وأبي،‭ ‬إخواني‭ ‬وأخواتي‭ ‬ما‭ ‬عدا‭ ‬أخي‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬طواه‭ ‬المنفى‭. ‬وُلدت‭ ‬فضوليًا‭ ‬ممتلئًا‭ ‬برغبة‭ ‬اكتشاف‭ ‬غير‭ ‬عادية،‭ ‬لا‭ ‬أدري‭ ‬سبب‭ ‬ذلك‭ ‬ولكنني‭ ‬وجدت‭ ‬نفسي‭ ‬كذلك‭. ‬كان‭ ‬أخي‭ ‬الأوسط‭ ‬يمتلك‭ ‬مكتبة‭ ‬بسيطة‭ ‬تتألف‭ ‬من‭ ‬عدة‭ ‬كتب‭ ‬ربما‭ ‬أغلبها‭ ‬لا‭ ‬يناسب‭ ‬عمري‭. ‬كانت‭ ‬لديه‭ ‬قصة‭ ‬للأطفال‭ ‬اسمها‭ ‬‮«‬سكة‭ ‬الجان‮»‬‭ ‬لمحمد‭ ‬سعيد‭ ‬العريان‭. ‬قرأتها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭. ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬ربما‭ ‬ضاعفت‭ ‬من‭ ‬فضولي‭ ‬فهي‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬طفل‭ ‬يدخل‭ ‬بئرًا‭ ‬يأخذه‭ ‬إلى‭ ‬سكة‭ ‬الجن‭ ‬والعوالم‭ ‬الغريبة،‭ ‬ما‭ ‬زرع‭ ‬داخلي‭ ‬اهتمامًا‭ ‬غير‭ ‬عادي‭ ‬بالعالم‭ ‬الآخر،‭ ‬كما‭ ‬يسمونه،‭ ‬عالم‭ ‬الغرائب‭ ‬غير‭ ‬المفهومة‭ ‬وربما‭ ‬العصية‭ ‬على‭ ‬المنطق‭ ‬أحيانًا‭.‬

كانت‭ ‬هناك‭ ‬عدة‭ ‬قصص‭ ‬أخرى‭ ‬للأطفال‭ ‬قرأتها‭ ‬ولا‭ ‬أتذكر‭ ‬أسماءها‭. ‬في‭ ‬المكتبة‭ ‬وجدت‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬في‭ ‬بيتنا‭ ‬رجل‮»‬‭ ‬لإحسان‭ ‬عبدالقدوس‭ ‬التي‭ ‬التهمتها‭ ‬التهامًا‭ ‬وقرأتها‭ ‬مرات‭ ‬لا‭ ‬أذكر‭ ‬عددها‭. ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬تأثرتُ‭ ‬بها‭ ‬كثيرًا،‭ ‬وربما‭ ‬رسمت‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬خارطة‭ ‬طريقي‭ ‬القادم‭ ‬وخاصة‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬أوج‭ ‬العصر‭ ‬الناصري‭ ‬وفترة‭ ‬ازدهار‭ ‬وامتداد‭ ‬الفكر‭ ‬القومي‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬الاستعمار‭. ‬كتاب‭ ‬آخر‭ ‬أتذكر‭ ‬أنني‭ ‬وجدته‭ ‬في‭ ‬مكتبة‭ ‬أخي‭ ‬هو‭ ‬‮«‬الفضيلة‭ ‬أو‭ ‬بول‭ ‬وفرجيني‮»‬‭ ‬وهي‭ ‬رواية‭ ‬للكاتب‭ ‬الفرنسي‭ ‬برناردين‭ ‬دي‭ ‬سان‭ ‬بيير،‭ ‬ترجمها‭ ‬الكاتب‭ ‬المصري‭ ‬مصطفى‭ ‬لطفي‭ ‬المنفلوطي‭.. ‬رواية‭ ‬أبكتني‭ ‬نهايتها‭ ‬الدرامية‭.‬

أذكر‭ ‬أنني‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أنهيت‭ ‬مكتبة‭ ‬أخي‭ ‬بالكامل‭ ‬لم‭ ‬يتبق‭ ‬إلا‭ ‬كتاب‭ ‬واحد‭ ‬كنتُ‭ ‬مترددًا‭ ‬في‭ ‬قراءته‭ ‬لأنه‭ ‬ليس‭ ‬قصة‭ ‬أو‭ ‬رواية‭ ‬ولكنني‭ ‬تجرأت‭ ‬وقرأته‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬غير‭ ‬مناسب‭ ‬تمامًا‭ ‬لصبي‭ ‬مثلي‭. ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬ليلة‭ ‬الزفاف‮»‬‭. ‬طبعًا‭ ‬كنت‭ ‬أقرأ‭ ‬الكتب‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬أخي‭ ‬يتوجّه‭ ‬إلى‭ ‬مقر‭ ‬عمله‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬النفط‭ ‬ولا‭ ‬يعود‭ ‬إلا‭ ‬عصرًا‭. ‬ذلك‭ ‬الفضول‭ ‬وحب‭ ‬الاكتشاف‭ ‬دفعني‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أتمادى‭ ‬في‭ ‬الجنون‭ ‬وبدأت‭ ‬أقرأ‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يدوّنه‭ ‬أخي‭ ‬كل‭ ‬ليلة‭ ‬في‭ ‬مذكرته‭ ‬عن‭ ‬يومياته‭. ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أنهيت‭ ‬كل‭ ‬الكتب‭ ‬في‭ ‬المكتبة‭ ‬وجدت‭ ‬نفسي‭ ‬أبحث‭ ‬عما‭ ‬أقرأه‭ ‬أو‭ ‬اشحذ‭ ‬ما‭ ‬أقرأه‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬وهناك،‭ ‬ما‭ ‬اضطرني‭ ‬أحيانًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أسرق‭ ‬من‭ ‬والديّ‭ ‬لكي‭ ‬أشبع‭ ‬نهمي‭ ‬وأقتني‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مصروفي‭ ‬البسيط‭ ‬يكفي‭ ‬لشرائها‭.‬

أذكر‭ ‬أنني‭ ‬عندما‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬حوالي‭ ‬الثانية‭ ‬عشرة‭ ‬من‭ ‬عمري‭ ‬توجّهت‭ ‬مرة‭ ‬إلى‭ ‬المكتبة‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬موقعها‭ ‬آنذاك‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬تقاطع‭ ‬شارع‭ ‬باب‭ ‬البحرين‭ ‬وشارع‭ ‬الشيخ‭ ‬عبدالله‭ ‬وسألتُ‭ ‬عن‭ ‬ثمن‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬فن‭ ‬القصة‮»‬‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬معي‭ ‬المبلغ‭ ‬فسألني‭ ‬صاحب‭ ‬المكتبة‭ ‬المرحوم‭ ‬إبراهيم‭ ‬عبيد‭ ‬عن‭ ‬سر‭ ‬اهتمامي‭ ‬بالكتاب‭ ‬فأجبته‭ ‬بأنني‭ ‬‮«‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أتعلم‭ ‬كتابة‭ ‬القصة‮»‬،‭ ‬فأخذ‭ ‬الكتاب‭ ‬ووضعه‭ ‬بين‭ ‬يدي‭ ‬فقلت‭ ‬له‭ ‬سوف‭ ‬أعود‭ ‬لشرائه‭ ‬عندما‭ ‬يتوفر‭ ‬لديّ‭ ‬المبلغ،‭ ‬لكنه‭ ‬أصرّ‭ ‬أن‭ ‬آخذ‭ ‬الكتاب‭ ‬وأدفع‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬وقت‭. ‬موقف‭ ‬لا‭ ‬أنساه‭ ‬طول‭ ‬عمري‭ ‬من‭ ‬رجل‭ ‬كان‭ ‬يعرف‭ ‬قيمة‭ ‬الثقافة‭ ‬ومحبي‭ ‬الثقافة‭.‬

الشغف‭ ‬بالقراءة‭ ‬منذ‭ ‬الطفولة‭ ‬كان‭ ‬بداية‭ ‬الطريق‭.. ‬طريق‭ ‬طويل‭.. ‬ممتلئ‭ ‬بالمعاناة‭ ‬والاغتراب‭ ‬فالمعرفة‭ ‬أحيانًا‭ ‬تُشقي‭ ‬المرء،‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬جان‭ ‬بول‭ ‬سارتر‭ ‬‮«‬المعرفة‭ ‬هي‭ ‬الجحيم‮»‬‭.‬

Alqaed2@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news