العدد : ١٦١٣٠ - الأحد ٢٢ مايو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٣٠ - الأحد ٢٢ مايو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٣هـ

الثقافي

وهـــج الـكـتــابـة: قصة قصيرة: لا أحد!!

بقلم: عبدالحميد القائد

السبت ٢٥ ديسمبر ٢٠٢١ - 02:00

في‭ ‬مطعمٍ‭ ‬هادئ‭ ‬يطلُّ‭ ‬على‭ ‬البحر

وحيدًا‭ ‬كعادته،‭ ‬المكان‭ ‬بأجوائه‭ ‬الحالمة‭ ‬والدافئة‭ ‬يأسره‭ ‬وينسيه‭ ‬عزلته‭ ‬الاختيارية‭. ‬هنا‭ ‬الموسيقى‭ ‬سيدة‭ ‬المكان،‭ ‬الأنغام‭ ‬الهادئة‭ ‬تسلب‭ ‬الروح‭. ‬لكنه‭ ‬كان‭ ‬وحيدًا‭. ‬العشّاق‭ ‬في‭ ‬حلبة‭ ‬الرقص‭ ‬يتعانقون‭. ‬يرقصون‭. ‬يحتفلون‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬قلوبهم‭ ‬من‭ ‬اشتياق‭ ‬ولهفة‭ ‬وصبابة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المطعم‭ ‬المفتوح‭ ‬المطل‭ ‬على‭ ‬سحر‭ ‬وغموض‭ ‬الماء‭. ‬لكنه‭ ‬كان‭ ‬وحيدًا‭.‬

التفتَ‭ ‬يمينًا‭ ‬وشمالًا،‭ ‬شعر‭ ‬قليلًا‭ ‬بغربة‭ ‬وسط‭ ‬هذا‭ ‬الفرح‭ ‬النابض،‭ ‬حاول‭ ‬جاهدًا‭ ‬أن‭ ‬يتجاهلها‭. ‬كل‭ ‬روّاد‭ ‬المطعم‭ ‬يرقصون،‭ ‬هو‭ ‬الوحيد‭ ‬الجالس‭ ‬على‭ ‬طاولته‭ ‬مع‭ ‬كأسه‭ ‬وسيجارته‭ ‬سارحًا‭ ‬في‭ ‬ملكوته‭ ‬الخاص‭. ‬فجأةً‭ ‬تدخلُ‭ ‬سيدة‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬الجمال‭ ‬والأناقة،‭ ‬كل‭ ‬الطاولات‭ ‬كانت‭ ‬مشغولة،‭ ‬اعتذروا‭ ‬لها‭ ‬بأدب،‭ ‬بدأت‭ ‬تتلفت‭ ‬والحسرة‭ ‬بادية‭ ‬على‭ ‬وجهها‭. ‬انتبه‭ ‬فجأةً‭ ‬للموقف،‭ ‬فاقترح‭ ‬على‭ ‬الجرسون‭ ‬أن‭ ‬تنضم‭ ‬إلى‭ ‬طاولته‭ ‬وبدا‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تمانع‭ ‬فأقبلت‭ ‬عليه‭ ‬وهي‭ ‬تبتسم‭. ‬مدّت‭ ‬يدها‭ ‬مصافحة‭ ‬وهي‭ ‬تقدم‭ ‬نفسها،‭ ‬فهم‭ ‬منها‭ ‬شيئين‭ ‬فقط‭ ‬أن‭ ‬اسمها‭ ‬إيلينا‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬السويد‭. ‬لم‭ ‬يفهم‭ ‬منها‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭ ‬فهي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تتحدث‭ ‬غير‭ ‬اللغة‭ ‬السويدية‭.‬

جلسا‭ ‬متقابلين‭ ‬يبتسمان‭ ‬لبعضهما‭ ‬فقط‭. ‬إيلينا‭ ‬مثله‭ ‬تماما‭ ‬تدخن‭ ‬بينما‭ ‬ترتشف‭ ‬كأسها‭ ‬بعمق‭. ‬خجل‭ ‬من‭ ‬خجله‭ ‬لأنها‭ ‬كانت‭ ‬جالسة‭ ‬بثقة‭ ‬وكبرياء‭ ‬وبأناقة‭ ‬ورقيّ‭ ‬السويديين‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬شعورٍ‭ ‬بالإحراج،‭ ‬حسدها‭ ‬على‭ ‬قوتها‭ ‬وجرأتها‭. ‬دقّق‭ ‬النظر‭ ‬فيها‭ ‬وتمكّن‭ ‬من‭ ‬تقدير‭ ‬عمرها‭ ‬وافترض‭ ‬أنها‭ ‬في‭ ‬الثلاثينات‭ ‬بملامح‭ ‬تشبه‭ ‬شجرة‭ ‬ورد‭.‬

الموسيقى‭ ‬تنساب‭ ‬مثل‭ ‬حلم‭... ‬مثل‭ ‬حياة‭ ‬أخرى‭... ‬لم‭ ‬يتردد‭ ‬كثيرًا‭.. ‬نهض‭ ‬تلقائيًا‭ ‬وأمسك‭ ‬بيدها‭ ‬وقادها‭ ‬إلى‭ ‬حلبة‭ ‬الرقص‭ ‬وهي‭ ‬مستسلمة‭ ‬بل‭ ‬وارتمت‭ ‬في‭ ‬حضنه‭ ‬بكل‭ ‬جرأة،‭ ‬واضعة‭ ‬رأسها‭ ‬على‭ ‬كتفه‭. ‬جسدها‭ ‬المثير‭ ‬الطري‭ ‬وعطرها‭ ‬الفاخر‭ ‬سافرا‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬عوالم‭ ‬لا‭ ‬أسماء‭ ‬لها‭... ‬أغمض‭ ‬عينيه‭ ‬وهو‭ ‬يراقصها‭ ‬فليس‭ ‬هناك‭ ‬أي‭ ‬مجال‭ ‬للتواصل‭ ‬غير‭ ‬الابتسام‭ ‬والتلامس‭. ‬

أغمض‭ ‬عينيه‭ ‬أكثر‭ ‬وأكثر‭ ‬وغادر‭ ‬وغادر‭... ‬ربما‭ ‬إلى‭ ‬خارج‭ ‬الزمن‭... ‬رأى‭ ‬سحبًا‭ ‬ونوارس‭ ‬بيضاء‭ ‬تحلًق‭ ‬في‭ ‬مجموعات‭ ‬فوقه‭ ‬تظلّله‭ ‬بحنانها‭...‬رذاذ‭ ‬مطر‭ ‬بارد‭ ‬ينعش‭ ‬وجهه‭.. ‬أقواس‭ ‬قزحٍ‭ ‬بألوانٍ‭ ‬لم‭ ‬يرها‭ ‬من‭ ‬قبل‭.. ‬لم‭ ‬يتوقف‭ ‬عن‭ ‬الرقص‭ ‬تلك‭ ‬الليلة‭. ‬عندما‭ ‬فتح‭ ‬عينيه‭ ‬أخيرًا‭ ‬وجد‭ ‬نفسه‭ ‬وحيدًا‭ ‬في‭ ‬مكانٍ‭ ‬لا‭ ‬يشبه‭ ‬شيئًا‭.. ‬مكان‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬فيه‭...‬لا‭ ‬أحد‭!!!‬

Alqaed2@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news