العدد : ١٦٢٦٨ - الجمعة ٠٧ أكتوبر ٢٠٢٢ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢٦٨ - الجمعة ٠٧ أكتوبر ٢٠٢٢ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٤هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

الإيمان ولوبي «حقوق الإنسان»

حين‭ ‬كتبت‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬رسالة‭ ‬عيد‭ ‬الميلاد‭ ‬التي‭ ‬اعتدت‭ ‬كتابتها‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬قلت‭ ‬إنني‭ ‬حاولت‭ ‬جاهدا‭ ‬في‭ ‬المقالات‭ ‬التي‭ ‬كتبتها‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ربع‭ ‬قرن‭ ‬أن‭ ‬أتجنب‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬قضايا‭ ‬أو‭ ‬موضوعات‭ ‬باستثناء‭ ‬موضوع‭ ‬الإيمان‭ ‬والعقائد‭ ‬البشرية‭ ‬بما‭ ‬يليق‭ ‬بهذه‭ ‬المناسبة‭.‬

للأسف‭ ‬الشديد‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬دائما‭ ‬صعبا‭. ‬كان‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬تجنب‭ ‬ما‭ ‬تواجهه‭ ‬البشرية‭ ‬وتعاني‭ ‬منه‭ ‬من‭ ‬آلام‭ ‬ومآسٍ‭. ‬ولا‭ ‬يختلف‭ ‬العام‭ ‬الحالي‭ ‬في‭ ‬شيء‭ ‬عن‭ ‬الأعوام‭ ‬السابقة‭ ‬بهذا‭ ‬الشأن‭.‬

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أننا‭ ‬نعيش‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬ترسخت‭ ‬فيه‭ ‬قيم‭ ‬التراحم‭ ‬والعطف‭ ‬والمحبة،‭ ‬وتحكم‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬أبنائه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مظاهر‭ ‬حياتهم‭ ‬ومعيشتهم،‭ ‬فإن‭ ‬العالم‭ ‬حولنا‭ ‬يعيش‭ ‬وضعا‭ ‬قاسيا‭ ‬مؤلما‭. ‬اليوم‭ ‬يواجه‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬التحدي‭ ‬الصعب‭ ‬والخيار‭ ‬المؤلم‭ ‬بأن‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يتعايش‭ ‬مع‭ ‬وباء‭ ‬كورونا‭ ‬الذي‭ ‬يرفض‭ ‬أن‭ ‬يتركنا‭ ‬ويرحل‭.‬

بعد‭ ‬خبرتنا‭ ‬المريرة‭ ‬مع‭ ‬الوباء‭ ‬وما‭ ‬شهدناه‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬بدأ‭ ‬في‭ ‬التفشي‭ ‬والانتشار‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬المرء‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يتساءل‭: ‬هل‭ ‬سيبقى‭ ‬هذا‭ ‬الوباء‭ ‬معنا‭ ‬إلى‭ ‬الأبد؟‭ ‬أم‭ ‬سيتمكن‭ ‬العلماء‭ ‬آجلا‭ ‬أو‭ ‬عاجلا‭ ‬من‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬علاج‭ ‬ناجع‭ ‬مثلما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬حين‭ ‬تم‭ ‬اكتشاف‭ ‬البنسلين‭ ‬كعلاج‭ ‬ناجع‭ ‬للالتهابات‭ ‬البكتيرية؟

في‭ ‬كل‭ ‬الأحوال،‭ ‬الواضح‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬أن‭ ‬آمالنا‭ ‬معلقة‭ ‬على‭ ‬الانتظار‭ ‬لمعجزة‭ ‬تحدث‭.‬

لكن‭ ‬الأمر‭ ‬المؤكد‭ ‬أنه‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬انتظار‭ ‬حدوث‭ ‬معجزة،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬نعلم‭ ‬إلى‭ ‬متى‭ ‬سوف‭ ‬تستمر‭ ‬وتطول،‭ ‬فإن‭ ‬علينا‭ ‬مسؤوليات‭ ‬كبرى‭ ‬جسيمة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نتحملها‭ ‬ونؤديها‭ ‬جميعا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬حماية‭ ‬أنفسنا،‭ ‬وعائلاتنا،‭ ‬وزملائنا،‭ ‬والمجتمع‭ ‬الذي‭ ‬ننتمي‭ ‬إليه‭ ‬ونعيش‭ ‬فيه‭.‬

هذا‭ ‬الحال‭ ‬الاستثنائي‭ ‬الذي‭ ‬وصلنا‭ ‬إليه‭ ‬وهذا‭ ‬الوضع‭ ‬الصعب‭ ‬الذي‭ ‬نعيش‭ ‬فيه‭ ‬يدفع‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يفكر‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬معقدة‭ ‬لها‭ ‬طابع‭ ‬فكري‭ ‬وفلسفي‭ ‬عميق‭. ‬المرء‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬مثلا‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يفكر‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬هذا‭ ‬الإنسان‭ ‬بكل‭ ‬قوته‭ ‬وضعفه،‭ ‬إنجازاته‭ ‬وإخفاقاته،‭ ‬إنسانيته‭ ‬ولا‭ ‬إنسانيته‭.‬

المرء‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يفكر‭ ‬مثلا‭ ‬في‭ ‬الإنجازات‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬حققها‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مجالات‭ ‬العلم‭ ‬والمعرفة‭ ‬وعبر‭ ‬عهود‭ ‬كل‭ ‬الحضارات‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬ورغم‭ ‬هذا،‭ ‬فإننا‭ ‬لم‭ ‬نتوصل‭ ‬إلى‭ ‬علاج‭ ‬لآفات‭ ‬كبرى‭ ‬مثل‭ ‬الشر‭ ‬ومثل‭ ‬الجهل‭.‬

حين‭ ‬نتأمل‭ ‬كل‭ ‬هذا،‭ ‬ونتأمل‭ ‬الحال‭ ‬الصعب‭ ‬المؤلم‭ ‬الذي‭ ‬يعيشه‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬وما‭ ‬ينتابه‭ ‬من‭ ‬حيرة‭ ‬وخوف‭ ‬من‭ ‬المستقبل،‭ ‬ندرك‭ ‬أن‭ ‬عالمنا‭ ‬اليوم‭ ‬أحوج‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬إلى‭ ‬قادة‭ ‬عظماء‭.. ‬نساءٍ‭ ‬ورجالٍ‭.‬

العالم‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬قادة‭ ‬عظماء‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬الحكم‭ ‬والسلطة‭ ‬يكون‭ ‬بمقدورهم‭ ‬أن‭ ‬يتعاملوا‭ ‬بكفاءة‭ ‬ومقدرة‭ ‬مع‭ ‬التحدي‭ ‬الذي‭ ‬نواجهه‭. ‬والعجيب‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬نفسها‭ ‬متقدمة‭ ‬هي‭ ‬اليوم‭ ‬الأكثر‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬مثل‭ ‬هؤلاء‭ ‬القادة‭. ‬لماذا؟

بالنسبة‭ ‬لك‭ ‬عزيزي‭ ‬القارئ‭ ‬ولي‭ ‬ولكل‭ ‬البشر‭ ‬الأسوياء‭ ‬العاديين‭ ‬نعرف‭ ‬أننا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نستمع‭ ‬الى‭ ‬آراء‭ ‬ونصائح‭ ‬الخبراء‭ ‬والمختصين‭ ‬وننفذ‭ ‬توصياتهم‭ ‬العلمية‭. ‬نعرف‭ ‬أننا‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬ننساق‭ ‬وراء‭ ‬الدجالين‭ ‬الذين‭ ‬يحاولون‭ ‬إقناع‭ ‬الناس‭ ‬برفض‭ ‬تلقي‭ ‬اللقاحات‭ ‬وعدم‭ ‬الالتزام‭ ‬بالإجراءات‭ ‬الوقائية‭ ‬مثل‭ ‬ارتداء‭ ‬الكمامات‭.‬

أصوات‭ ‬مثل‭ ‬هؤلاء‭ ‬الدجالين‭ ‬مرتفعة‭ ‬جدا‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬اليوم‭ ‬وينساق‭ ‬للأسف‭ ‬وراءها‭ ‬كثيرون‭. ‬والغريب‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬هؤلاء‭ ‬الدجالين‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يتشدقون‭ ‬بشعارات‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬ويستخدمونها‭ ‬ذريعة‭ ‬لرفض‭ ‬الالتزام‭ ‬بالإجراءات‭ ‬الضرورية‭ ‬لمحاربة‭ ‬الوباء‭.‬

أقول‭ ‬مباشرة‭ ‬لهؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬يتشدقون‭ ‬بحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والديمقراطية‭: ‬أنتم‭ ‬بموقفكم‭ ‬هذا‭ ‬وما‭ ‬تدعون‭ ‬إليه‭ ‬تضللون‭ ‬الناس‭ ‬وتزيفون‭ ‬وعيهم‭. ‬ليس‭ ‬هذا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬إنكم‭ ‬تلحقون‭ ‬الأذى‭ ‬بالمجتمع‭ ‬كله‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬كارثة‭ ‬مثل‭ ‬وباء‭ ‬كورونا‭.‬

إنني‭ ‬أنتمي‭ ‬إلى‭ ‬بلد‭ ‬يتسم‭ ‬بالتسامح‭ ‬والتعايش‭ ‬واحترام‭ ‬كل‭ ‬البشر‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬اللون‭ ‬أو‭ ‬العقيدة‭ ‬أو‭ ‬الدين‭. ‬لسنا‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬أدلة‭ ‬على‭ ‬هذا‭. ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬مؤخرا‭ ‬من‭ ‬افتتاح‭ ‬أكبر‭ ‬كنيسة‭ ‬كاثوليكية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬البحرين‭.‬

لهذا‭ ‬نحن‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬مؤهلون‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرنا‭ ‬لإدراك‭ ‬معاناة‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬والمجتمعات‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مشاعرنا‭ ‬الإنسانية‭ ‬ومعتقداتنا،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المنظور‭ ‬المضلل‭ ‬الزائف‭ ‬للديمقراطية‭.‬

من‭ ‬الواضح‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬والنظام‭ ‬العام‭ ‬والمصلحة‭ ‬العامة‭ ‬تحت‭ ‬رحمة‭ ‬‮«‬لوبي‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‮»‬‭. ‬لهذا‭ ‬فإن‭ ‬الغالبية‭ ‬الساحقة‭ ‬من‭ ‬شعوب‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬تبدو‭ ‬مهتمة‭ ‬بحرياتها‭ ‬الشخصية‭ ‬أكثر‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬مصلحة‭ ‬المجتمع‭ ‬والدولة‭.‬

هذا‭ ‬وضع‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬إلا‭ ‬بالأنانية‭ ‬وانعدام‭ ‬الإحساس‭ ‬بالمسؤولية‭.‬

على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬هذا،‭ ‬فإننا‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬نحترم‭ ‬جميع‭ ‬العقائد‭ ‬والأديان،‭ ‬وخصوصا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬التي‭ ‬نحتفل‭ ‬فيها‭ ‬بميلاد‭ ‬المسيح‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬الذي‭ ‬قال‭: ‬‮«‬هذه‭ ‬هي‭ ‬وصيتي‭ ‬أن‭ ‬تُحبوا‭ ‬بعضكُم‭ ‬بعضًا‭ ‬كما‭ ‬أحببتُكُم‮»‬‭.‬

‭ ‬يبقى‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬لكل‭ ‬أخواتنا‭ ‬وإخوتنا‭ ‬المسيحيين‭: ‬أتمنى‭ ‬لكم‭ ‬جميعا‭ ‬عيد‭ ‬ميلاد‭ ‬سعيدا،‭ ‬وأدعو‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬ينعم‭ ‬العالم‭ ‬كله‭ ‬بالسعادة‭ ‬والسلام‭.‬

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news