العدد : ١٦١٣٠ - الأحد ٢٢ مايو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٣٠ - الأحد ٢٢ مايو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٣هـ

الثقافي

سـرديـات: في الثقافات المتوازية.. طقوس العزلة والطقوس الاحتفـالـية الاحـتفائية!

بقلم: د. ضياء الكعبي

السبت ١٨ ديسمبر ٢٠٢١ - 10:06

ثقافة‭ ‬الشاي‭ (‬Tea‭ ‬Culture‭) ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬الثقافة‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬التمثيلات‭ ‬الثقافيّة‭ ‬الإنسانية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بصناعته،‭ ‬وطقوس‭ ‬شربه،‭ ‬وثقافاته‭ ‬المتوازية‭ ‬من‭ ‬طقوس‭ ‬العزلة‭ ‬والطقوس‭ ‬الاحتفالية‭ ‬الاحتفائية‭ ‬منذ‭ ‬آلاف‭ ‬السنين،‭ ‬وكذلك‭ ‬مروياته‭ ‬الشفاهية‭ ‬ومدوناته‭ ‬الكتابية،‭ ‬وفنونه،‭ ‬وموسيقاه‭!  ‬ويمكننا‭ ‬العثور‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬واليابان‭ ‬على‭ ‬بيوت‭ ‬الشاي،‭ ‬ويمكننا‭ ‬العثور‭ ‬كذلك‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المناطق‭ ‬الشاسعة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تشملها‭ ‬طريق‭ ‬الحرير‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬التبادلات‭ ‬الثقافيّة‭ ‬بين‭ ‬الموانئ‭ ‬الأوروبية‭ ‬ومناطق‭ ‬الشرق‭ ‬الأقصى‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬الميلادي‭ ‬وما‭ ‬تلاه‭. ‬لقد‭ ‬عُدَّ‭ ‬الشاي‭ ‬بطقوسه‭ ‬رمزًا‭ ‬لهيمنة‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬الصينية،‭ ‬ومن‭ ‬ثمَّ‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬البريطانية‭ ‬التي‭ ‬نقلت‭ ‬طقوس‭ ‬الشاي‭ ‬واحتفالياته‭ ‬إلى‭ ‬مستعمراتها‭ ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬آنذاك‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬إلى‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭.‬

‮«‬ينطوي‭ ‬الشاي‭ ‬على‭ ‬سحرٍ‭ ‬خفيٍّ‭ ‬يجعله‭ ‬لا‭ ‬يُقاوم‭ ‬ويمنحه‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إسباغ‭ ‬الإحساس‭ ‬بالمثالية‭. ‬فالشاي‭ ‬ينأى‭ ‬بنفسه‭ ‬عن‭ ‬غطرسة‭ ‬النبيذ،‭ ‬وعن‭ ‬غرور‭ ‬القهوة،‭ ‬وعن‭ ‬البراءة‭ ‬المتكلّفة‭ ‬في‭ ‬نبتة‭ ‬الكاكاو‮»‬‭.. ‬هكذا‭ ‬كتب‭ ‬أوكاكورا‭ ‬كاكوزو‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬الشاي‮»‬‭. ‬وينتمي‭ ‬الياباني‭ ‬أوكاكورا‭ ‬كاكوزو‭ (‬1862-1913‭) ‬إلى‭ ‬عائلة‭ ‬من‭ ‬المحاربين‭ ‬الساموراي،‭ ‬وقد‭ ‬انتقل‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وهناك‭ ‬انضم‭ ‬إلى‭ ‬الأوساط‭ ‬الفنية‭ ‬وأصبح‭ ‬قيّمًا‭ ‬مساعدًا‭ ‬للقسم‭ ‬الصيني‭ ‬والياباني‭ ‬في‭ ‬متحف‭ ‬بوسطن‭ ‬للفنون‭ ‬الجميلة‭. ‬وقد‭ ‬ألَّف‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬الشاي‮»‬‭ ‬باللغة‭ ‬الإنجليزية‭ ‬عام‭ ‬1905،‭ ‬ورغم‭ ‬مضي‭ ‬قرن‭ ‬كامل‭ ‬على‭ ‬تأليفه‭ ‬إلا‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬مترجمه‭ ‬إلى‭ ‬العربية‭ ‬سامر‭ ‬أبو‭ ‬هوَّاش‭ ‬يُعد‭ ‬أعظم‭ ‬كتاب‭ ‬أُلِفَ‭ ‬عن‭ ‬الشاي‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬العالم‭ ‬والبشرية‭.‬

إنَّ‭ ‬كاكوزو‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬قريب‭ ‬العهد‭ ‬زمنيًا‭ ‬من‭ ‬نهضة‭ ‬الإمبراطور‭ ‬المايجي‭ ‬في‭ ‬اتصاله‭ ‬بالحضارة‭ ‬الغربية‭ ‬كان‭ ‬حريصًا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يجعله‭ ‬بمثابة‭ ‬منصة‭ ‬فكرية‭ ‬وثقافية‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬الحضارة‭ ‬والثقافة‭ ‬اليابانية‭ ‬أمام‭ ‬المتلقي‭ ‬الغربي،‭ ‬وهكذا‭ ‬يبدو‭ ‬خطابه‭ ‬دفاعيًا‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭. ‬يقول‭ ‬كاكوزو‭ ‬‮«‬إنَّ‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬لايحسون‭ ‬بضآلة‭ ‬الأشياء‭ ‬العظيمة‭ ‬في‭ ‬ذواتهم،‭ ‬ميَّالون‭ ‬إلى‭ ‬إهمال‭ ‬العظمة‭ ‬الكائنة‭ ‬في‭ ‬الأشياء‭ ‬الصغيرة‭ ‬لدى‭ ‬الآخرين‭. ‬إنَّ‭ ‬الغربي‭ ‬العادي،‭ ‬الغارق‭ ‬في‭ ‬الاكتفاء‭ ‬الذاتي،‭ ‬لا‭ ‬يسعه‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬حفل‭ ‬الشاي‭ ‬إلا‭ ‬دليلاً‭ ‬آخر‭ ‬على‭ ‬الغرائب‭ ‬الكثيرة‭ ‬التي‭ ‬تشكّل‭ ‬سحر‭ ‬الشرق‭ ‬وطفوليته‭. ‬وكان‭ ‬يعتبر‭ ‬اليابان‭ ‬بلدًا‭ ‬بربرياً،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬انغمست‭ ‬فيه‭ ‬في‭ ‬فنون‭ ‬السلام‭ ‬الرقيقة؛‭ ‬وبدأ‭ ‬يعتبرها‭ ‬متحضرة‭ ‬حين‭ ‬بدأت‭ ‬ترتكب‭ ‬المجازر‭ ‬بالجملة‭ ‬في‭ ‬ميادين‭ ‬القتال‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬منشوريا‭. ‬وقد‭ ‬تعرَّض‭ ‬‮«‬قانون‭ ‬الساموراي‮»‬،‭ ‬فن‭ ‬الموت‭ ‬ذاك‭ ‬الذي‭ ‬يدفع‭ ‬جنودنا‭ ‬إلى‭ ‬التضحية‭ ‬بأرواحهم‭ ‬بكل‭ ‬سرور‭ ‬إلى‭ ‬النقد‭ ‬الكثير‭ ‬أخيرًا،‭ ‬لكن‭ ‬بالكاد‭ ‬يبدي‭ ‬هذا‭ ‬الغرب‭ ‬أي‭ ‬اهتمام‭ ‬بـ«الشاييه‮»‬‭. ‬ولذلك‭ ‬فإنَّ‭ ‬كتاب‭ ‬الشاي‭ ‬كما‭ ‬ألفه‭ ‬كاكوزو‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬طقوس‭ ‬له‭ ‬وبيان‭ ‬طرائق‭ ‬إعداده‭ ‬إنه‭ ‬كتاب‭ ‬يغوص‭ ‬عميقًا‭ ‬في‭ ‬تمثيلات‭ ‬الشاي‭ ‬الروحية‭ ‬العميقة‭ ‬وصدور‭ ‬معلمي‭ ‬الشاي‭ ‬عن‭ ‬فلسفات‭ ‬مثل‭ ‬التاو‭ ‬والزن‭.‬

في‭ ‬الفصل‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬الذي‭ ‬أسماه‭ ‬كاكوزو«كوب‭ ‬الإنسانية‮»‬‭ ‬ينبري‭ ‬بخطاب‭  ‬سجالي‭ ‬طويل‭ ‬ضد‭ ‬خطاب‭ ‬الغرب‭ ‬الاستعلائي‭ ‬المشوّه‭ ‬لليابان‭ ‬آنذاك،‭ ‬وهو‭ ‬الخطاب‭ ‬الذي‭ ‬اختزل‭ ‬اليابان‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العسكرية‭ ‬‮«‬ثقافة‭ ‬المحاربين‭ ‬الساموراي‮»‬،‭ ‬ولم‭ ‬يتناول‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الثقافة‭ ‬سوى‭ ‬ثقافة‭ ‬العنف‭. ‬في‭ ‬الحين‭ ‬الذي‭ ‬غيّب‭ ‬فيه‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬الغربي‭ ‬الاستعلائي‭  ‬التمثيلات‭ ‬الثقافية‭ ‬الحضارية‭ ‬المرهفة‭ ‬الحس‭ ‬للياباني‭ ‬ومنها‭ ‬تقاليد‭ ‬‮«‬الشايية‮»‬‭ ‬في‭ ‬جمالياتها‭ ‬أي‭  ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يتصل‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬طقوس‭ ‬حضارية‭ ‬ثقافية‭.‬

إنَّ‭ ‬ارتباط‭ ‬طقوس‭ ‬الشاي‭ ‬اليابانية‭ ‬بفلسفتي‭ ‬التاو‭ ‬والزن‭ ‬كان‭ ‬يعني‭ ‬النزعة‭ ‬الفردية‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬الصينية‭ ‬الجنوبية‭ ‬بالتعارض‭ ‬مع‭ ‬الحس‭ ‬الجماعي‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬الصينية‭ ‬الشمالية‭ ‬الذي‭ ‬عبَّر‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬الكونفوشيوسية‭. ‬يقول‭ ‬كاكوزو‭ ‬زعم‭ ‬التاويون‭ ‬أنه‭ ‬يمكن‭ ‬تحويل‭ ‬ملهاة‭ ‬الحياة‭ ‬إلى‭  ‬شيء‭ ‬شيق‭ ‬أكثر‭ ‬لو‭ ‬حافظ‭ ‬الجميع‭ ‬على‭ ‬الانسجام‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الوحدات‭ ‬فالاحتفاظ‭ ‬بتناسب‭ ‬الأشياء‭ ‬والإفساح‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬للآخرين‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬المرء‭ ‬موقعه‭ ‬الخاص‭ ‬هو‭ ‬سر‭ ‬النجاح‭ ‬في‭ ‬الدراما‭ ‬الدنيوية‭. ‬علينا‭ ‬الإلمام‭ ‬بالمسرحية‭ ‬كلها،‭ ‬لكي‭ ‬نلعب‭ ‬دورنا‭ ‬بطريقة‭ ‬صحيحة؛‭ ‬مفهوم‭ ‬الكلية‭ ‬لاينبغي‭ ‬أن‭ ‬يضيع‭ ‬البتة‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬الفردية‭. ‬وهكذا‭ ‬فإنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬الكتاب‭ ‬الأهم‭ ‬عن‭ ‬الشاي‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الإنساني‭ ‬يعد‭ ‬بالفعل‭ ‬كتابًا‭ ‬ثقافيًا‭ ‬مهمًا‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬التواصل‭ ‬الثقافي‭ ‬والحضاري‭ ‬مع‭ ‬الآخر‭ ‬ويعد‭ ‬كذلك‭ ‬كتابًا‭ ‬جماليًا‭ ‬روحانيًا‭ ‬فلسفيًا‭ ‬عميقًا‭. ‬إنه‭ ‬كتاب‭ ‬استطاع‭ ‬اختزال‭ ‬الثقافة‭ ‬اليابانية‭ ‬كلها‭ ‬في‭ ‬طقوس‭ ‬الشاي‭.‬

{ أستاذة‭ ‬السرديات‭ ‬والنقد‭ ‬الأدبي‭ ‬الحديث‭ ‬المشارك

كلية‭ ‬الآداب،‭ ‬جامعة‭ ‬البحرين‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news