العدد : ١٦٣٢٥ - السبت ٠٣ ديسمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٩ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٢٥ - السبت ٠٣ ديسمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٩ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

بالشمع الاحمر

د. محـمـــــد مـبــــارك

mubarak_bh@yahoo.com

الحرية الاجتماعية.. وحرية الهلاك!

مع‭ ‬كل‭ ‬انحسار‭ ‬عالمي‭ ‬في‭ ‬الإصابات‭ ‬بفيروس‭ ‬كورونا‭ ‬‮«‬كوفيد‭-‬19‮»‬،‭ ‬ينشأ‭ ‬فيروس‭ ‬‮«‬متحور‮»‬‭ ‬ويضرب‭ ‬في‭ ‬أطناب‭ ‬الأرض،‭ ‬فتعود‭ ‬حالة‭ ‬الطوارئ‭ ‬مجددًا،‭ ‬وتتدفق‭ ‬التحذيرات‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتوقف‭ ‬أساسًا‭ ‬من‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬منظمات‭ ‬صحية‭ ‬دولية،‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬يحمله‭ ‬هذا‭ ‬المتحور‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬من‭ ‬خطورة‭ ‬القابلية‭ ‬للانتشار‭ ‬السريع،‭ ‬بما‭ ‬يعيد‭ ‬المشهد‭ ‬إلى‭ ‬المربع‭ ‬الأول‭ ‬عالميًّا،‭ ‬من‭ ‬المتحور‭ ‬الهندي‭ ‬إلى‭ ‬المتحورات‭ ‬التي‭ ‬تبعت‭ ‬ذلك‭ ‬حتى‭ ‬وصلنا‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬أوميكرون‮»‬‭ ‬الجنوب‭ ‬إفريقي‭. ‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬التي‭ ‬تكافح‭ ‬انتشار‭ ‬هذا‭ ‬الفيروس‭ ‬ومتحوراته،‭ ‬يبدو‭ ‬واضحًا‭ ‬أن‭ ‬الغرب‭ ‬الأوروبي‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬حتى‭ ‬اللحظة‭ ‬على‭ ‬ضبط‭ ‬السلوك‭ ‬الإنساني‭ ‬الاجتماعي‭ ‬داخليًّا‭ ‬بشكل‭ ‬مستمر،‭ ‬بحيث‭ ‬يسهم‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬مكافحة‭ ‬أي‭ ‬متحور‭ ‬أو‭ ‬انتشار‭ ‬للفيروس‭. ‬من‭ ‬بريطانيا‭ ‬إلى‭ ‬فرنسا‭ ‬إلى‭ ‬ألمانيا،‭ ‬وسائر‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬تتزايد‭ ‬الإصابات‭ ‬بعشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬بشكل‭ ‬يومي،‭ ‬والسبب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬المواطن‭ ‬هناك،‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬الأوروبي،‭ ‬غير‭ ‬مستعد‭ ‬للتضحية‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬وقته‭ ‬الذي‭ ‬يقضيه‭ ‬في‭ ‬المتعة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لمصلحة‭ ‬صحته‭ ‬وصحة‭ ‬مجتمعه‭. ‬فالخروج‭ ‬من‭ ‬المنزل‭ ‬والتوجه‭ ‬إلى‭ ‬الحانة‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬المطعم‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬الملهى‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭ ‬ليختلط‭ ‬فيه‭ ‬بعشرات‭ ‬بل‭ ‬مئات‭ ‬البشر‭ ‬بشكل‭ ‬لصيق،‭ ‬هو‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنه‭ ‬ولا‭ ‬مساومة‭ ‬فيه‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬المواطن‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬الغرب؛‭ ‬ومعه‭ ‬ينتشر‭ ‬الوباء‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬طفرة‭ ‬أو‭ ‬متحور‭ ‬جديد،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬انحسار‭ ‬يبعث‭ ‬على‭ ‬بصيص‭ ‬أمل‭ ‬ما‭ ‬يلبث‭ ‬أن‭ ‬يتبدد‭ ‬مع‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬المربع‭ ‬الأول‭.‬

الحكومات‭ ‬الغربية‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬الاستمرار‭ ‬المنضبط‭ ‬في‭ ‬فرض‭ ‬عمليات‭ ‬الإغلاق،‭ ‬وعن‭ ‬تنفيذ‭ ‬التعليمات‭ ‬الملزمة‭ ‬للسلوك‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وقد‭ ‬نجم‭ ‬عن‭ ‬المحاولات‭ ‬لفعل‭ ‬ذلك‭ ‬عمليات‭ ‬تمرد‭ ‬اجتماعي‭ ‬متصاعدة‭ ‬بل‭ ‬وعنيفة،‭ ‬ضربت‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني‭ ‬لهذه‭ ‬الدول،‭ ‬مثل‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬التي‭ ‬خرج‭ ‬فيها‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬رافضين‭ ‬الإغلاق‭ ‬أو‭ ‬المنع‭ ‬أو‭ ‬التشديد‭. ‬إن‭ ‬الحكومات‭ ‬الغربية‭ ‬تخشى‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬تخشاه‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬المواطن‭ ‬فيها‭ ‬بالتضييق‭ ‬على‭ ‬حريته،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬لمصلحته‭ ‬الصحية،‭ ‬ولسلامة‭ ‬المجتمع،‭ ‬فسرعان‭ ‬ما‭ ‬ينتهي‭ ‬كل‭ ‬إغلاق‭ ‬وتشديد‭ ‬بعودة‭ ‬انتكاسية‭ ‬إلى‭ ‬التمادي‭ ‬في‭ ‬الالتحام‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭ ‬في‭ ‬المنازل‭ ‬والفنادق‭ ‬والمتاجر‭ ‬والمطاعم‭ ‬وفي‭ ‬وسائل‭ ‬المواصلات‭ ‬من‭ ‬قطارات‭ ‬وخطوط‭ ‬مترو‭ ‬وحافلات‭ ‬وفي‭ ‬ملاعب‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬وغيرها،‭ ‬وعلى‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭ ‬في‭ ‬الحانات‭ ‬والملاهي‭ ‬الليلية‭.‬

النظام‭ ‬الغربي‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬الاقتراب‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحريات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وإذا‭ ‬اقترب‭ ‬منها‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬الاستمرار‭ ‬طويلا،‭ ‬فالمواطن‭ ‬هناك‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬كتلة‭ ‬من‭ ‬الغضب‭ ‬إذا‭ ‬شعر‭ ‬بأن‭ ‬الحكومة‭ ‬تعمد‭ ‬إلى‭ ‬التضييق‭ ‬على‭ ‬حرياته‭ ‬الشخصية‭. ‬

وبالمقابل،‭ ‬فإنه‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الخليجية‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص،‭ ‬كانت‭ ‬الحكومات‭ ‬والشعوب،‭ ‬وما‭ ‬زالت،‭ ‬يدًا‭ ‬بيد‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬هذا‭ ‬الوباء،‭ ‬ونحو‭ ‬مكافحته،‭ ‬بالصبر‭ ‬والالتزام،‭ ‬مع‭ ‬قدر‭ ‬عال‭ ‬من‭ ‬الرعاية‭ ‬الحكومية‭ ‬والتفهم‭ ‬لمتطلبات‭ ‬المواطنين‭ ‬والمقيمين،‭ ‬والإنفاق‭ ‬السخي‭ ‬للتعويض‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬الخسائر،‭ ‬أو‭ ‬لمنع‭ ‬الإضرار‭ ‬بلقمة‭ ‬العيش‭ ‬والرزق‭.‬

إقرأ أيضا لـ"د. محـمـــــد مـبــــارك"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//