العدد : ١٥٩٦٤ - الثلاثاء ٠٧ ديسمبر ٢٠٢١ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٣هـ

العدد : ١٥٩٦٤ - الثلاثاء ٠٧ ديسمبر ٢٠٢١ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٣هـ

مسافات

عبدالمنعم ابراهيم

هل تتنازل الدول الصناعية عن أرباحها من أجل إنقاذ كوكب الأرض؟

قمة‭ ‬‮«‬مبادرة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الأخضر‮»‬‭ ‬التي‭ ‬افتتحها‭ ‬مؤخرا‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬سلمان‭ ‬آل‭ ‬سعود‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬السعودي‭ ‬تعتبر‭ ‬انطلاقة‭ ‬ناجحة‭ ‬للتعامل‭ ‬الجادّ‭ ‬مع‭ ‬التغيرات‭ ‬المناخية‭ ‬الخطيرة‭ ‬التي‭ ‬تجتاح‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وجاءت‭ ‬مشاركة‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القمة‭ ‬في‭ ‬الرياض‭ ‬تأكيدا‭ ‬لمشاركة‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬الأشقاء‭ ‬في‭ ‬السعودية‭ ‬السعي‭ ‬لإيجاد‭ ‬حلول‭ ‬علمية‭ ‬سليمة‭ ‬لإنقاذ‭ ‬كوكب‭ ‬الأرض‭ ‬قبل‭ ‬فوات‭ ‬الأوان،‭ ‬إذ‭ ‬أكد‭ ‬سموه‭: ‬‮«‬أن‭ ‬التغير‭ ‬المناخي‭ ‬يعتبر‭ ‬تحديا‭ ‬عالميا‭ ‬مشتركاً‭ ‬يتطلب‭ ‬تسخير‭ ‬كل‭ ‬الإمكانيات‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬حماية‭ ‬البيئة‭ ‬لتحقيق‭ ‬مستقبل‭ ‬أفضل‭ ‬للأجيال‭ ‬القادمة،‭ ‬وأن‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬تدعم‭ ‬مبادرة‭ (‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الأخضر‭) ‬وتحرص‭ ‬على‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬جزءاً‭ ‬مهمّا‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الأمن‭ ‬البيئي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬والعالم‮»‬،‭ ‬لافتاً‭ ‬سموه‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬إعلان‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬استهدافها‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الحياد‭ ‬الصفري‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2060‭ ‬بما‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬جودة‭ ‬الحياة‮»‬‭.‬

هذه‭ ‬الجهود‭ ‬الحثيثة‭ ‬التي‭ ‬تبادر‭ ‬إليها‭ ‬الشقيقة‭ ‬السعودية‭ ‬وتشاركها‭ ‬التطلعات‭ ‬والمساعي‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬وبقية‭ ‬المنطقة‭.. ‬تأتي‭ ‬وسط‭ ‬تحذيرات‭ ‬عالمية‭ ‬من‭ ‬خطورة‭ ‬التغيرات‭ ‬المناخية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬والتي‭ ‬أكدتها‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬بيان‭ ‬لها‭ ‬صدر‭ ‬مؤخراً‭ ‬أشارت‭ ‬فيه‭: ‬‮«‬إلى‭ ‬تحول‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الأمازون‭ ‬من‭ ‬بالوعة‭ ‬كربون‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬للكربون‭.. ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬مقلق‭ ‬ومرتبط‭ ‬بإزالة‭ ‬الغابات‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الأمازون،‭ ‬وانه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬للتباطؤ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الناجم‭ ‬عن‭ ‬جائحة‭ ‬كوفيد‭-‬19‭ ‬أي‭ ‬تأثير‭ ‬ملحوظ‭ ‬على‭ ‬نمو‭ ‬معدلات‭ ‬غازات‭ ‬الاحتباس‭ ‬الحراري،‭ ‬وحذرت‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬أحدث‭ ‬تقييم‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الالتزامات‭ ‬الحالية‭ ‬لخفض‭ ‬انبعاثات‭ ‬الاحتباس‭ ‬الحراري‭ ‬لما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬200‭ ‬دولة‭ ‬ستؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬حراري‭ ‬كارثي‭ ‬بمقدار‭ ‬2‭.‬7‭ ‬درجة‭ ‬مئوية،‭ ‬وتأمل‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬أن‭ ‬يتخذ‭ ‬قادة‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬المؤتمر‭ ‬القادم‭ ‬بمدينة‭ ‬جلاسكو‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬المقبل‭ ‬إجراءات‭ ‬لإبقاء‭ ‬كوكب‭ ‬الأرض‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬أضرار‭ ‬يمكن‭ ‬تحمله‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة،‭ ‬إذ‭ ‬تظهر‭ ‬البيانات‭ ‬أن‭ ‬مستويات‭ ‬ثاني‭ ‬أكسيد‭ ‬الكربون‭ ‬استمرت‭ ‬في‭ ‬الارتفاع‭ ‬عام‭ ‬2021‭.‬

وأوضح‭ ‬بيان‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬‮«‬أن‭ ‬ثاني‭ ‬أكسيد‭ ‬الكربون‭ ‬الناتج‭ ‬أساساً‭ ‬من‭ ‬احتراق‭ ‬الوقود‭ ‬الاحفوري‭ ‬وإنتاج‭ ‬الأسمنت‭ ‬هو‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬بعيد‭ ‬السبب‭ ‬الرئيسي‭ ‬لهذا‭ ‬الاحترار،‭ ‬واذا‭ ‬واصلنا‭ ‬استخدام‭ ‬الوقود‭ ‬الاحفوري‭ ‬بطريقة‭ ‬غير‭ ‬محدودة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحصل‭ ‬ارتفاع‭ ‬في‭ ‬درجة‭ ‬الحرارة‭ ‬بنحو‭ ‬4‭ ‬درجات‭ ‬بحلول‭ ‬نهاية‭ ‬القرن،‭ ‬كما‭ ‬وصل‭ ‬غاز‭ ‬الميثان‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬ذروة‭ ‬التركيز‭ ‬عام‭ ‬2020،‭ ‬و60‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬انبعاثاته‭ ‬في‭ ‬الغلاف‭ ‬الجوي‭ ‬منشأها‭ ‬بشري‭ (‬تربية‭ ‬الحيوانات‭ ‬المجترة‭ ‬وزراعة‭ ‬الأرز،‭ ‬ومقالب‭ ‬القمامة‭ ‬وغيرها‭)‬،‭ ‬وكذلك‭ ‬أكسيد‭ ‬النيتروجين‭ ‬الذي‭ ‬يأتي‭ ‬نحو‭ ‬40‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬انبعاثاته‭ ‬في‭ ‬الغلاف‭ ‬الجوي‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬بشري‭ (‬المخصبات‭ ‬والسماد‭ ‬الطبيعي‭).‬

طبعاً‭ ‬هذه‭ ‬معلومات‭ ‬مخيفة‭ ‬حقا،‭ ‬لأنها‭ ‬تتسبب‭ ‬في‭ ‬حدوث‭ ‬كوارث‭ ‬طبيعية‭ ‬هائلة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬وقد‭ ‬لاحظنا‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬انها‭ ‬صارت‭ ‬تضرب‭ ‬كل‭ ‬بقاع‭ ‬الأرض،‭ ‬وليس‭ ‬الدول‭ ‬الفقيرة‭ ‬فقط،‭ ‬وقد‭ ‬اجتاحت‭ ‬الفيضانات‭ ‬والأمطار‭ ‬الغزيرة‭ ‬دولاً‭ ‬أوروبية‭ ‬متقدمة‭ ‬مثل‭ ‬ألمانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬وإيطاليا‭ ‬وبريطانيا‭ ‬وضربت‭ ‬بقوة‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬مدن‭ ‬وولايات‭ ‬أمريكية،‭ ‬تماماً‭ ‬مثلما‭ ‬كان‭ ‬يحدث‭ ‬سنوياً‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬بدول‭ ‬فقيرة‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬وإفريقيا‭ ‬وأمريكا‭ ‬اللاتينية‭.‬

إذن،‭ ‬نتائج‭ ‬المتغيرات‭ ‬المناخية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬محصورة‭ ‬تأثيراتها‭ ‬السلبية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الفقيرة،‭ ‬بل‭ ‬تطول‭ ‬حالياً‭ ‬دولاً‭ ‬صناعية‭ ‬متقدمة،‭ ‬ويعاني‭ ‬شعوبها‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الكوارث‭ ‬تماماً‭ ‬مثلما‭ ‬تعاني‭ ‬الشعوب‭ ‬في‭ ‬الهند‭ ‬وباكستان‭ ‬وبنغلاديش‭ ‬وسيرلانكا‭ ‬وفيتنام‭ ‬ودول‭ ‬آسيوية‭ ‬أخرى‭.. ‬لكن‭ ‬يبقى‭ ‬السؤال‭: ‬هل‭ ‬إن‭ ‬حكومات‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭ ‬المتقدمة‭ ‬مستعدة‭ ‬للتضحية‭ ‬بجزء‭ ‬من‭ ‬أرباحها‭ ‬وثرواتها‭ ‬التي‭ ‬تجنيها‭ ‬من‭ ‬الصناعات‭ ‬المسببة‭ ‬للتغير‭ ‬المناخي‭ ‬لصالح‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬مسببات‭ ‬هذه‭ ‬الكوارث؟‭.. ‬ففي‭ ‬السابق،‭ ‬وربما‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬حالياً‭ ‬أيضاً،‭ ‬كانت‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭ ‬تصدر‭ ‬نفاياتها‭ ‬النووية‭ ‬ومخلفاتها‭ ‬الصناعية‭ ‬من‭ ‬البلاستيك‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الثالث،‭ ‬ودول‭ ‬أخرى‭ ‬فقيرة‭ ‬فيها‭ ‬فساد‭ ‬حكومي‭ ‬نظير‭ ‬عمولات‭ ‬مالية‭ ‬لاستقبال‭ ‬هذه‭ ‬المكبات‭ ‬السامة‭ ‬في‭ ‬أراضها‭! ‬ولكن‭ ‬اتضح‭ ‬ان‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬الجائرة‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬الآخرين‭ ‬لا‭ ‬تجعل‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬والصناعية‭ ‬المتقدمة‭ ‬في‭ ‬ملاذ‭ ‬آمن‭ ‬من‭ ‬التلوث‭ ‬المناخي‭ ‬العالمي،‭ ‬لأن‭ ‬هذه‭ ‬الملوثات‭ ‬لا‭ ‬تبقى‭ ‬محصورة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬الفقيرة،‭ ‬بل‭ ‬تنتقل‭ ‬إلى‭ ‬الغلاف‭ ‬الجوي‭ ‬لكوكب‭ ‬الأرض،‭ ‬ولا‭ ‬يوجد‭ ‬‮«‬سياج‭ ‬جوي‮»‬‭ ‬يفصل‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬وباء‭ ‬كورونا‭ ‬قد‭ ‬انتشر‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬بدايته‭ ‬رغم‭ ‬إغلاق‭ ‬المطارات‭.. ‬فكيف‭ ‬للدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬أن‭ ‬تمنع‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬المتغيرات‭ ‬المناخية‭ ‬والملوثات‭ ‬وغاز‭ ‬الميثان‭ ‬وثاني‭ ‬أكسيد‭ ‬الكربون‭ ‬بينما‭ ‬هي‭ ‬تسبح‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬واحد‭ ‬لكوكب‭ ‬الأرض؟‭!‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالمنعم ابراهيم"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news