العدد : ١٥٩٥٤ - السبت ٢٧ نوفمبر ٢٠٢١ م، الموافق ٢٢ ربيع الآخر ١٤٤٣هـ

العدد : ١٥٩٥٤ - السبت ٢٧ نوفمبر ٢٠٢١ م، الموافق ٢٢ ربيع الآخر ١٤٤٣هـ

الاسلامي

مع الفاتحة.. الرحمن الرحيم

الجمعة ٢٢ أكتوبر ٢٠٢١ - 02:00

بقلم‭: ‬عاطف‭ ‬الصبيحي

آية‭ ‬من‭ ‬كلمتين‭ ‬فقط‭ ‬تمركزت‭ ‬فيها‭ ‬معان‭ ‬جليلة‭ ‬وقوانين‭ ‬سرمدية،‭ ‬عليها‭ ‬تأسس‭ ‬الكون‭ ‬منذ‭ ‬النشأة‭ ‬الأولى‭ ‬وحتى‭ ‬يوم‭ ‬الحشر،‭ ‬وما‭ ‬بعد‭ ‬الحشر‭ ‬أيضًا،‭ ‬فهي‭ ‬بالمضامين‭ ‬التي‭ ‬تحملها‭ ‬ستكون‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬الأولى‭ ‬والآخرة،‭ ‬فالرحمن‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬البناء‭ ‬اللغوي‭ ‬على‭ ‬وزن‭ ‬فعلان‭ ‬من‭ ‬الرحمة،‭ ‬والرحيم‭ ‬على‭ ‬وزن‭ ‬فعيل،‭ ‬وصيغة‭ ‬فعلان‭ ‬تُفيد‭ ‬الدلالة‭ ‬على‭ ‬الحدوث‭ ‬والتجدد،‭ ‬ولا‭ ‬تُفيد‭ ‬الثبوت،‭ ‬وهنا‭ ‬لفتة‭ ‬مركزية‭ ‬ينبغي‭ ‬التركيز‭ ‬عليها،‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬الأخطاء‭ ‬الشائعة‭ ‬تلوكها‭ ‬ألسن‭ ‬بعض‭ ‬الدعاة،‭ ‬وترسخت‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الدينية‭ ‬الشعبية‭ ‬رسوخًا‭ ‬يصعب‭ ‬النيل‭ ‬منه،‭ ‬ولأن‭ ‬القضية‭ ‬في‭ ‬أصلها‭ ‬أمانة‭ ‬فلا‭ ‬مفر‭ ‬من‭ ‬تأدية‭ ‬الأمانة،‭ ‬في‭ ‬الإسهام‭ ‬بتصحيح‭ ‬ما‭ ‬يُعتقد‭ ‬أنه‭ ‬خطأ‭ ‬أو‭ ‬يشوبه‭ ‬الخطأ‭.‬

الرحمن‭ ‬من‭ ‬فعلان‭ ‬أيضًا‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬الامتلاء‭ ‬بالوصف،‭ ‬فالرحمن‭ ‬ممتلئ‭ ‬رحمة،‭ ‬وهذا‭ ‬يليق‭ ‬بجلاله،‭ ‬ولكنها‭ ‬غير‭ ‬ثابتة‭ ‬وهذا‭ ‬مرتبط‭ ‬بمدى‭ ‬انضباط‭ ‬العباد‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬المرسوم‭ ‬لهم‭ ‬الذي‭ ‬ليس‭ ‬فيه‭ ‬إلا‭ ‬الرحمة،‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬أبى،‭ ‬وهنا‭ ‬أصل‭ ‬ومحور‭ ‬تحول‭ ‬الرحمة‭ ‬إلى‭ ‬سخط‭ ‬وعذاب،‭ ‬فالرحمن‭ ‬يرحم‭ ‬وأصّل‭ ‬للرحمة،‭ ‬ولكنه‭ ‬يعذب‭ ‬أيضًا،‭ ‬ألم‭ ‬نقرأ‭ ‬قول‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬مريم‭ (‬يا‭ ‬أبتِ‭ ‬إني‭ ‬أخاف‭ ‬أن‭ ‬يمسك‭ ‬عذاب‭ ‬من‭ ‬الرحمن‭ ‬فتكون‭ ‬للشيطان‭ ‬وليًّا‭)‬،‭ ‬أما‭ ‬كلمة‭ ‬الرحيم‭ ‬التي‭ ‬على‭ ‬وزن‭ ‬فعيل‭ ‬فتدل‭ ‬على‭ ‬ثبوت‭ ‬الصفة‭.‬

الرحمن‭ ‬يمثل‭ ‬قوانين‭ ‬الربوبية‭ ‬‮«‬السيطرة‭ ‬والإحكام‭ ‬والعناية‭ ‬والحفظ‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬بشكل‭ ‬موضوعي‭ ‬مادي‭ ‬صارم،‭ ‬فبُعد‭ ‬الشمس‭ ‬عن‭ ‬الأرض،‭ ‬ودوران‭ ‬الأرض‭ ‬حولها،‭ ‬ودوران‭ ‬الأرض‭ ‬حول‭ ‬نفسها،‭ ‬والجاذبية،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬القوانين‭ ‬أبدعها‭ ‬الرحمن‭ ‬لحفظ‭ ‬الحياة‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬وتعهد‭ ‬بحفظها‭ ‬وهذا‭ ‬الأصل‭ ‬في‭ ‬الرحمة،‭ ‬وترك‭ ‬الباب‭ ‬مفتوحًا‭ ‬للناس‭ ‬لاكتشاف‭ ‬هذه‭ ‬القوانين‭ ‬ودراستها،‭ ‬ضمن‭ ‬السيرورة‭ ‬التاريخية،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭. ‬وما‭ ‬نلمسه‭ ‬من‭ ‬تطور‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إلا‭ ‬الدليل‭ ‬الساطع‭ ‬على‭ ‬الحركة‭ ‬ضمن‭ ‬قوانين‭ ‬الربوبية‭ ‬قوانين‭ ‬الرحمة،‭ ‬وقوله‭ ‬تعالى‭ (‬الرحمن،‭ ‬علّم‭ ‬القرآن‭) ‬تؤيد‭ ‬ذلك،‭ ‬وتستوقف‭ ‬القارئ‭ ‬انتقاء‭ ‬كلمات‭ ‬هذه‭ ‬الآية‭ ‬‮«‬رحمن‭ ‬وعلم‭ ‬وقرآن‮»‬‭ ‬ولكن‭ ‬منعًا‭ ‬للتفريع‭ ‬نقول‭ ‬هذه‭ ‬الآية‭ ‬لها‭ ‬موضع‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭.‬

الحمد‭ ‬لله‭ ‬رب‭ ‬العالمين،‭ ‬الرحمن‭ ‬الرحيم،‭ ‬وقوع‭ ‬لفظ‭ ‬الرحمن‭ ‬بعد‭ ‬لفظة‭ ‬الرب،‭ ‬له‭ ‬ارتباط‭ ‬بما‭ ‬قلناه‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬اسم‭ ‬الرحمن‭ ‬يمثل‭ ‬ربوبية‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬الذي‭ ‬هيأ‭ ‬الكون‭ ‬وصممه‭ ‬محكومًا‭ ‬بقوانين‭ ‬رحمانية‭ ‬علمية،‭ ‬لهذا‭ ‬جاء‭ ‬الحمد‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬والعلم‭ ‬والرحمة‭ ‬على‭ ‬ذاتية‭ ‬الصفات،‭ ‬والعطاء‭ ‬منقطع‭ ‬النظير،‭ ‬وبقراءة‭ ‬تكاملية‭ ‬لآيات‭ ‬الكتاب‭ ‬الحكيم‭ ‬نجد‭ ‬بأنه‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ذكر‭ ‬بعض‭ ‬الظواهر‭ ‬الكونية‭ ‬أعقب‭ ‬ذلك‭ ‬بقوله‭ ‬‮«‬تلك‭ ‬آيات‭ ‬الله‮»‬‭ ‬ففي‭ ‬الآية‭ ‬الخامسة‭ ‬من‭ ‬الجاثية‭ (‬واختلاف‭ ‬الليل‭ ‬والنهار‭ ‬وما‭ ‬أنزل‭ ‬من‭ ‬السماء‭ ‬من‭ ‬رزق‭ ‬فأحيا‭ ‬به‭ ‬الأرض‭ ‬بعد‭ ‬موتها،‭ ‬وتصريف‭ ‬الريح‭ ‬آيات‭ ‬لقوم‭ ‬يعقلون‭) ‬والآية‭ ‬التي‭ ‬تليها‭ (‬تلك‭ ‬آيات‭ ‬الله‭ ‬نتلوها‭ ‬عليك‭ ‬بالحق‭ ‬فبأي‭ ‬حديث‭ ‬بعد‭ ‬الله‭ ‬وآياته‭ ‬يؤمنون‭) ‬وهذا‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الرحمة‭ ‬الربانية‭ ‬بالناس‭ ‬كل‭ ‬الناس‭ ‬وبقية‭ ‬المخلوقات،‭ ‬والآية‭ ‬التالية‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬السورة‭ ‬تقول‭ (‬ويل‭ ‬لكل‭ ‬أفّاك‭ ‬أثيم‭) ‬فالرحمن‭ ‬الذي‭ ‬مَنّ‭ ‬علينا‭ ‬بكل‭ ‬تلك‭ ‬النِعم‭ ‬يتوّعد‭ ‬بالويل‭ ‬والعذاب،‭ ‬لمن‭ ‬شذّ‭ ‬عن‭ ‬الخط‭ ‬المرسوم،‭ ‬ونلاحظ‭ ‬كذلك‭ ‬أن‭ ‬الآيات‭ ‬التي‭ ‬تقول‭ ‬‮«‬ومن‭ ‬آياته‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬تلك‭ ‬آيات‭ ‬الله‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬آيات‭ ‬بينات‮»‬‭ ‬إنما‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬الظواهر‭ ‬الكونية‭ ‬المنضبطة‭ ‬بقوانين‭ ‬ربانية‭ ‬رحمانية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نقرأ‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬آية‭ ‬من‭ ‬آيات‭ ‬العبادات‭ ‬أو‭ ‬الأحكام‭ ‬أنها‭ ‬من‭ ‬آيات‭ ‬الله،‭ ‬ولهذا‭ ‬دلالة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التجاوز‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬التفرقة‭ ‬بين‭ ‬آيات‭ ‬الكون‭ ‬والوجود‭ ‬والخلق،‭ ‬وآيات‭ ‬العبادات‭ ‬والحدود‭ ‬والتشريع،‭ ‬وهنا‭ ‬دور‭ ‬قارئ‭ ‬القرآن‭ ‬في‭ ‬التقاط‭ ‬هذه‭ ‬الإشارات‭ ‬غير‭ ‬المنطوقة‭ ‬أو‭ ‬المُصرح‭ ‬بها‭ ‬لفظًا‭.‬

وأخيرًا‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬سورة‭ ‬الفاتحة‭ ‬ثلاثة‭ ‬أصناف‭ ‬من‭ ‬الناس‭: ‬صنف‭ ‬استحق‭ ‬الرحمة‭ ‬من‭ ‬الرحمن‭ ‬والبقية‭ ‬استوجبت‭ ‬العذاب‭ ‬من‭ ‬الرحمن‭ ‬أيضًا،‭ ‬ونعتذر‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬اسم‭ ‬الرحمن‭ ‬قد‭ ‬استغرق‭ ‬المقال‭ ‬كله،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬اسم‭ ‬الرحيم،‭ ‬الذي‭ ‬سيكون‭ ‬له‭ ‬بإذن‭ ‬الله‭ ‬حديث‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لاحق‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news