العدد : ١٥٩٥٤ - السبت ٢٧ نوفمبر ٢٠٢١ م، الموافق ٢٢ ربيع الآخر ١٤٤٣هـ

العدد : ١٥٩٥٤ - السبت ٢٧ نوفمبر ٢٠٢١ م، الموافق ٢٢ ربيع الآخر ١٤٤٣هـ

الاسلامي

الأنبياء ورسالاتهم الخاصة

الجمعة ٢٢ أكتوبر ٢٠٢١ - 02:00

السفير‭ ‬د‭. ‬عبدالله‭ ‬الأشعل

بدأت‭ ‬الرسالة‭ ‬بآدم‭ ‬وهي‭ ‬رسالة‭ ‬التوحيد‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تفصيل‭ ‬أو‭ ‬طقوس‭ ‬ثم‭ ‬امتد‭ ‬عصر‭ ‬الأنبياء‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬عصر‭ ‬الرسالات‭ ‬وهي‭ ‬ثلاث‭ ‬وهذه‭ ‬الرسالات‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬سجلت‭ ‬تفاصيل‭ ‬العبادات‭ ‬ولذلك‭ ‬نلحظ‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬عدم‭ ‬التفرقة‭ ‬بين‭ ‬النبي‭ ‬والرسول‭ ‬لأنهم‭ ‬جميعا‭ ‬مبعوثون‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬إما‭ ‬للتذكير‭ ‬بأصل‭ ‬الرسالة‭ ‬وهو‭ ‬التوحيد‭ ‬وإما‭ ‬بتفصيل‭ ‬العبادات‭ ‬مثلما‭ ‬جاء‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬مفصلا‭ ‬للمعاملات‭ ‬والعبادات‭ ‬ووضع‭ ‬النقطة‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬رحلة‭ ‬الأنبياء‭ ‬والرسل‭.‬

وقد‭ ‬صادفنا‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الأنبياء‭ ‬بعضا‭ ‬منهم‭. ‬نلقي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المقالة‭ ‬الأضواء‭ ‬على‭ ‬مهمتهم‭ ‬فهم‭ ‬لم‭ ‬يدعون‭ ‬إلى‭ ‬التوحيد‭ ‬ولكنهم‭ ‬احتكوا‭ ‬بأقوامهم‭ ‬وعانوا‭ ‬من‭ ‬أقوامهم‭ ‬ونقصد‭ ‬بهم‭ ‬لوطا‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬ويوسف‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬وأيوب‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬ويونس‭ ‬فما‭ ‬هي‭ ‬دلالة‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬بعثوا‭ ‬أصلا‭ ‬لتجسيدها‭ ‬غير‭ ‬التوحيد‭.‬

نعتقد‭ ‬أن‭ ‬المهام‭ ‬الأربعة‭ ‬التي‭ ‬بعث‭ ‬من‭ ‬أجلها‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأنبياء‭ ‬الكرام‭ ‬تعالج‭ ‬جوانب‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬رسالة‭ ‬التوحيد‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬مهمة‭ ‬لوط‭ ‬هي‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬أصل‭ ‬الخلق‭ ‬فالشذوذ‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬الجنسية‭ ‬ينحرف‭ ‬بالطبيعة‭ ‬البشرية‭ ‬عما‭ ‬خصصت‭ ‬له‭ ‬وينسف‭ ‬معنى‭ ‬الوجود‭ ‬الإنساني‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬رسالة‭ ‬لوط‭ ‬هي‭ ‬تأكيد‭ ‬للمعاني‭ ‬التي‭ ‬كرسها‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬موضع‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭ (‬يا‭ ‬أيها‭ ‬الناس‭ ‬اتقوا‭ ‬ربكم‭ ‬الذى‭ ‬خلقكم‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬واحدة‭ ‬وخلق‭ ‬منها‭ ‬زوجها‭ ‬وبث‭ ‬منهما‭ ‬رجالا‭ ‬كثيرا‭ ‬ونساء‭) ‬وقوله‭ ‬تعالى‭ (‬ومن‭ ‬آياته‭ ‬أن‭ ‬خلق‭ ‬لكم‭ ‬من‭ ‬أنفسكم‭ ‬أزواجا‭ ‬لتسكنوا‭ ‬إليها‭) ‬وقد‭ ‬أكدت‭ ‬الشريعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬أن‭ ‬التقاء‭ ‬الأزواج‭ ‬بهدف‭ ‬الزواج‭ ‬هو‭ ‬الصورة‭ ‬الطبيعية‭ ‬لتكاثر‭ ‬البشر‭ ‬وأن‭ ‬الانحراف‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الطريق‭ ‬يدمر‭ ‬البشرية‭ ‬وينهيها‭ ‬ولذلك‭ ‬حثت‭ ‬جميع‭ ‬الرسالات‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬وعدم‭ ‬المساس‭ ‬بها‭ ‬وقدمت‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬عشرات‭ ‬القيم‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الانحراف‭ ‬عنها‭ ‬يوجب‭ ‬الحد‭ ‬وهي‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬حدود‭ ‬الله‭ ‬فلا‭ ‬نجترئ‭ ‬عليها‭.‬

ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬إطلاق‭ ‬الشهوات‭ ‬تحت‭ ‬ستار‭ ‬الحرية‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬يعارض‭ ‬الطبيعة‭ ‬البشرية‭ ‬ويتناقض‭ ‬مع‭ ‬أصل‭ ‬الوجود‭ ‬ولذلك‭ ‬فهمنا‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬أرسل‭ ‬نبيا‭ ‬لكي‭ ‬ينهى‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الانحرافات‭ ‬التي‭ ‬توقف‭ ‬طريق‭ ‬الوجود‭ ‬البشرى‭ ‬وهو‭ ‬لوط‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬ونكل‭ ‬بقومه‭ ‬الذين‭ ‬رفضوا‭ ‬دعوته‭ ‬بل‭ ‬وهددوه‭ ‬بالطرد‭ ‬من‭ ‬البلاد‭ (‬إنهم‭ ‬أناس‭ ‬يتطهرون‭).‬

أما‭ ‬يوسف‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬فلا‭ ‬نكاد‭ ‬نلمح‭ ‬من‭ ‬سيرته‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التوحيد‭ ‬إلا‭ ‬لفته‭ ‬سريعة‭ ‬حينما‭ ‬كان‭ ‬يفسر‭ ‬الرؤى‭ ‬والأحلام‭ ‬لصاحبيه‭ ‬في‭ ‬السجن‭ ‬فقال‭ ‬عرضا‭ (‬يا‭ ‬صاحبي‭ ‬السجن‭ ‬أأرباب‭ ‬متفرقون‭ ‬خير‭ ‬أم‭ ‬الله‭ ‬الواحد‭ ‬القهار‭). ‬أما‭ ‬دلالة‭ ‬مهمة‭ ‬يوسف‭ ‬فهي‭ ‬العفاف‭ ‬أمام‭ ‬وضع‭ ‬يتسم‭ ‬بالإغراء‭ ‬والانحراف‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬علاقة‭ ‬يوسف‭ ‬بامرأة‭ ‬العزيز‭ ‬كانت‭ ‬مؤمنة‭ ‬اجتماعيا‭ ‬ولكن‭ ‬الله‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يختبر‭ ‬يوسف‭ ‬فلما‭ ‬استنفد‭ ‬بشريته‭ ‬ذكره‭ ‬الله‭ ‬بأنه‭ ‬ليس‭ ‬بشرا‭ ‬عاديا‭ ‬ونلمح‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: (‬ولقد‭ ‬همت‭ ‬به‭ ‬وهم‭ ‬بها‭ ‬لولا‭ ‬أن‭ ‬رأى‭ ‬برهان‭ ‬ربه‭) ‬ولو‭ ‬كانت‭ ‬بشريته‭ ‬قد‭ ‬غلبت‭ ‬نبوته‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬للقصة‭ ‬أصلا‭ ‬أن‭ ‬تنشأ‭ ‬وتتطور‭ ‬لأن‭ ‬الله‭ ‬يعلم‭ ‬حيث‭ ‬يضع‭ ‬رسالته‭ ‬ولم‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الأنبياء‭ ‬والرسل‭ ‬أن‭ ‬بشرية‭ ‬الأنبياء‭ ‬والرسل‭ ‬قد‭ ‬غلبت‭ ‬على‭ ‬نبوتهم‭ ‬ولكن‭ ‬يتضح‭ ‬من‭ ‬آيات‭ ‬الذكر‭ ‬الحكيم‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الأنبياء‭ ‬استغرقوا‭ ‬بحكم‭ ‬النشأة‭ ‬والانفعال‭ ‬في‭ ‬بشريتهم‭ ‬ونسوا‭ ‬للحظات‭ ‬ما‭ ‬وعد‭ ‬الله‭ ‬رسوله‭ ‬يقينا‭ ‬بنصره‭ (‬وإن‭ ‬رسلنا‭ ‬لهم‭ ‬الغالبون‭) ‬كما‭ ‬تعهد‭ ‬الله‭ ‬بنصرة‭ ‬أنبيائه‭ ‬وغلبتهم‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬الذين‭ ‬استحضروا‭ ‬نبوتهم‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الشدة‭ ‬عندما‭ ‬خانتهم‭ ‬بشريتهم‭ ‬عدد‭ ‬قليل‭ ‬وليس‭ ‬هنا‭ ‬مجال‭ ‬تفصيل‭ ‬هذه‭ ‬النقطة‭ ‬ولكننا‭ ‬نحيل‭ ‬إلى‭ ‬فصل‭ ‬كامل‭ ‬سطرناه‭ ‬في‭ ‬كتابنا‭ ‬بعنوان‭ ‬الفكر‭ ‬السياسي‭ ‬والقانوني‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬وكان‭ ‬الفصل‭ ‬بعنوان‭ ‬اللحظات‭ ‬الحرجة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الأنبياء‭ ‬والرسل‭ ‬‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬الشروق‭ ‬عام‭ ‬2009‭. ‬ومن‭ ‬الواضح‭ ‬من‭ ‬سيرة‭ ‬يوسف‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬أنه‭ ‬تعرض‭ ‬لاختبارات‭ ‬ومحن‭ ‬ولكن‭ ‬أكبر‭ ‬المحن‭ ‬كانت‭ ‬إصرار‭ ‬نساء‭ ‬المدينة‭ ‬على‭ ‬النيل‭ ‬منه‭ ‬ولذلك‭ ‬دعا‭ ‬ربه‭ ‬قائلا‭ (‬وإلا‭ ‬تصرف‭ ‬عني‭ ‬كيدهن‭ ‬أصب‭ ‬إليهن‭). ‬فصرف‭ ‬الله‭ ‬عنه‭ ‬كيدهن‭ ‬لأنه‭ ‬صمد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاختبار‭ ‬العسير‭.‬

وأما‭ ‬قيمة‭ ‬الصبر‭ ‬التي‭ ‬امتدحها‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬في‭ ‬المؤمنين‭ ‬تجسدت‭ ‬في‭ ‬أيوب‭ ‬الذى‭ ‬بلي‭ ‬جسمه‭ ‬ولكن‭ ‬تحرجه‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬منعه‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يشكو‭ ‬إليه‭ ‬وعندما‭ ‬أراد‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يصرف‭ ‬عنه‭ ‬السوء‭ ‬والبأساء‭ ‬والضراء‭ ‬قال‭ ‬ربى‭ ‬إني‭ ‬مسني‭ ‬الضر‭ ‬وأنت‭ ‬أرحم‭ ‬الراحمين‭ ‬فأغدق‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬بركات‭ ‬أولها‭ ‬الشفاء‭ ‬العاجل‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬البركات‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬فصلها‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭.‬

وأخيرا‭ ‬يونس‭ ‬الذي‭ ‬يئس‭ ‬من‭ ‬تعنت‭ ‬قومه‭ ‬خروجا‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬الرسل‭ ‬فخرج‭ ‬من‭ ‬القرية‭ ‬مغاضبا‭ ‬وظن‭ ‬أن‭ ‬لن‭ ‬نقدر‭ ‬عليه‭ ‬فنادى‭ ‬في‭ ‬الظلمات‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬إله‭ ‬إلا‭ ‬أنت‭ ‬سبحانك‭ ‬إني‭ ‬كنت‭ ‬من‭ ‬الظالمين‭ ‬ولكن‭ ‬يونس‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬التقمه‭ ‬الحوت‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المسبحين‭ ‬فأنجاه‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬بطن‭ ‬الحوت‭. ‬والمعنى‭ ‬أن‭ ‬التسبيح‭ ‬والاستغفار‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬رحمة‭ ‬الله‭ ‬وغفرانه‭.‬

هذه‭ ‬القيم‭ ‬الأربعة‭ ‬لصيقة‭ ‬بالتوحيد‭ ‬ومن‭ ‬ملحقاته‭ ‬والله‭ ‬أعلم‭. ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news