العدد : ١٥٩٥٤ - السبت ٢٧ نوفمبر ٢٠٢١ م، الموافق ٢٢ ربيع الآخر ١٤٤٣هـ

العدد : ١٥٩٥٤ - السبت ٢٧ نوفمبر ٢٠٢١ م، الموافق ٢٢ ربيع الآخر ١٤٤٣هـ

الاسلامي

عــيــــن الــقَــدَر

الجمعة ٢٢ أكتوبر ٢٠٢١ - 02:00

ا‭. ‬د‭. ‬أمين‭ ‬عبداللطيف‭ ‬المليجي

القَدَرُ‭ ‬وما‭ ‬أدراك‭ ‬ما‭ ‬القدر،‭ ‬حارت‭ ‬فيه‭ ‬العقول‭ ‬وبلغ‭ ‬الناس‭ ‬منه‭ ‬مبلغا‭ ‬عظيما،‭ ‬فمن‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬من‭ ‬أحداث‭ ‬للإنسان‭ ‬شيء‭ ‬طبيعي‭ ‬ولا‭ ‬دخل‭ ‬للقدر‭ ‬فيه،‭ ‬وهم‭ ‬بذلك‭ ‬كمن‭ ‬قال‭ ‬كما‭ ‬ورد‭ ‬ذكره‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬الله‭ (‬وَقَالُوا‭ ‬مَا‭ ‬هِيَ‭ ‬إِلَّا‭ ‬حَيَاتُنَا‭ ‬الدُّنْيَا‭ ‬نَمُوتُ‭ ‬وَنَحْيَا‭ ‬وَمَا‭ ‬يُهْلِكُنَا‭ ‬إِلَّا‭ ‬الدَّهْرُ‭  ‬وَمَا‭ ‬لَهُم‭ ‬بِذَلِكَ‭ ‬مِنْ‭ ‬عِلْمٍ‭  ‬إِنْ‭ ‬هُمْ‭ ‬إِلَّا‭ ‬يَظُنُّونَ‭ (‬الجاثية‭:‬24‭))‬،

وهذا‭ ‬خطر‭ ‬عظيم‭ ‬علي‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يؤمنون‭ ‬بالقدر،‭ ‬لأنهم‭ ‬ينسبون‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬ومماتهم‭ ‬إلى‭ ‬الدهر،‭ ‬أي‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬السنين‭ ‬والإنسان‭ ‬يولد‭ ‬ثم‭ ‬يكبر‭ ‬ثم‭ ‬يتزوج‭ ‬ثم‭ ‬ينجب‭ ‬ثم‭ ‬يشيب‭ ‬ثم‭ ‬يموت،‭ ‬فمن‭ ‬مات‭ ‬وله‭ ‬عيال‭ ‬طال‭ ‬نسبه‭ ‬وامتد‭ ‬وهذا‭ ‬من‭ ‬جملة‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬بعض‭ ‬المفسرين،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬قول‭ ‬مشركي‭ ‬مكة‭ ‬لرسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬عندما‭ ‬أتى‭ ‬أحدهم،‭ ‬قيل‭ ‬إنه‭ ‬أمية‭ ‬بن‭ ‬خلف،‭ ‬بعظم‭ ‬رميم‭ ‬بعد‭ ‬موت‭ ‬صاحبه‭ ‬وقال‭ ‬للرسول‭ ‬كما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬القرطبي‭- ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الكافر‭ ‬قال‭ ‬للنبي‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭: ‬أرأيت‭ ‬إن‭ ‬سحقتها‭ ‬وأذريتها‭ ‬في‭ ‬الريح‭ ‬أيعيدها‭ ‬الله‭! ‬فنزلت‭: (‬قل‭ ‬يحييها‭ ‬الذي‭ ‬أنشأها‭ ‬أول‭ ‬مرة‭) ‬أي‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬شيء‭ ‬فهو‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬إعادتها‭ ‬في‭ ‬النشأة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬شيء‭ ‬وهو‭ ‬عجم‭ ‬الذنب‭. ‬

وقد‭ ‬حكى‭ ‬لنا‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬ذلك‭ ‬الموقف‭ ‬كما‭ ‬ورد‭ ‬ذكره‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬يس‭ (‬وَضَرَبَ‭ ‬لَنَا‭ ‬مَثَلاً‭ ‬وَنَسِيَ‭ ‬خَلْقَهُ‭  ‬قَالَ‭ ‬مَن‭ ‬يُحْيِي‭ ‬الْعِظَامَ‭ ‬وَهِيَ‭ ‬رَمِيمٌ‭ (‬78‭) ‬قُلْ‭ ‬يُحْيِيهَا‭ ‬الَّذِي‭ ‬أَنشَأَهَا‭ ‬أول‭ ‬مَرَّةٍ‭  ‬وَهُوَ‭ ‬بِكُلِّ‭ ‬خَلْقٍ‭ ‬عَلِيمٌ‭ (‬79‭) ‬الَّذِي‭ ‬جَعَلَ‭ ‬لَكُم‭ ‬مِّنَ‭ ‬الشَّجَرِ‭ ‬الْأَخْضَرِ‭ ‬نَارًا‭ ‬فَإِذَا‭ ‬أَنتُم‭ ‬مِّنْهُ‭ ‬تُوقِدُونَ‭ (‬80‭) ‬أَوَلَيْسَ‭ ‬الَّذِي‭ ‬خَلَقَ‭ ‬السَّمَاوَاتِ‭ ‬وَالْأَرْضَ‭ ‬بِقَادِرٍ‭ ‬عَلَى‭ ‬أَن‭ ‬يَخْلُقَ‭ ‬مِثْلَهُم‭  ‬بَلَى‭ ‬وَهُوَ‭ ‬الْخَلَّاقُ‭ ‬الْعَلِيمُ‭ (‬81‭) ‬إِنَّمَا‭ ‬أَمْرُهُ‭ ‬إذا‭ ‬أَرَادَ‭ ‬شَيْئًا‭ ‬أَن‭ ‬يَقُولَ‭ ‬لَهُ‭ ‬كُن‭ ‬فَيَكُونُ‭ (‬82‭) ‬فَسُبْحَانَ‭ ‬الَّذِي‭ ‬بِيَدِهِ‭ ‬مَلَكُوتُ‭ ‬كُلِّ‭ ‬شَيْءٍ‭ ‬وَإِلَيْهِ‭ ‬تُرْجَعُونَ‭ (‬83‭))‬،‭ ‬وهنا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الآيات‭ ‬شيء‭ ‬أبعد‭ ‬بكثير‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬الإيمان‭ ‬بالقدر،‭ ‬وهو‭ ‬الإشراك‭ ‬بالله‭ ‬وعدم‭ ‬تصديق‭ ‬وجوده‭.‬

ومن‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬يسلم‭ ‬ويؤمن‭ ‬بالقدر،‭ ‬وبأن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬حوادث‭ ‬غيبية‭ ‬لا‭ ‬يدري‭ ‬متى‭ ‬واين‭ ‬ستأتي‭ ‬هو‭ ‬شيء‭ ‬مقدر‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬سبحانه،‭ ‬وفِي‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬صنفان‭ ‬من‭ ‬الناس،‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬يحمله‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬الاعتقاد‭ ‬أن‭ ‬عليه‭ ‬الجلوس‭ ‬وانتظار‭ ‬قدر‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يأخذ‭ ‬بالأسباب‭ ‬وهذا‭ ‬شيء‭ ‬خطير‭ ‬وفهم‭ ‬خاطئ‭ ‬للقدر،‭ ‬فالقدر‭ ‬موجود‭ ‬مع‭ ‬الأخذ‭ ‬بالأسباب‭ ‬والتوكل‭ ‬على‭ ‬الله،‭ ‬سواء‭ ‬صارت‭ ‬الأمور‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬الإنسان‭ ‬يرغب‭ ‬أو‭ ‬صارت‭ ‬إلى‭ ‬أمر‭ ‬آخر‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬الحسبان‭. ‬أما‭ ‬الصنف‭ ‬الثاني‭ ‬فهو‭ ‬يؤمن‭ ‬بالقدر‭ ‬مسلما‭ ‬به‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬يركن‭ ‬ويأخذ‭ ‬بالأسباب‭ ‬ويفعل‭ ‬كل‭ ‬جهده‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬مقبل‭ ‬عليه،‭ ‬فإن‭ ‬حدث‭ ‬وتم‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يريد‭ ‬حمد‭ ‬الله‭ ‬وأثنى‭ ‬عليه،‭ ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬حدث‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬وتغير‭ ‬الأمر‭ ‬وصار‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬حسبانه،‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يضجر‭ ‬بل‭ ‬يسلم‭ ‬بما‭ ‬قدره‭ ‬الله‭ ‬وصار‭ ‬معه‭ ‬راضيا‭ ‬محتسبا،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬عين‭ ‬القدر‭. ‬

فإياك‭ ‬أن‭ ‬تظن‭ ‬بأن‭ ‬الله‭ ‬سيجري‭ ‬عليك‭ ‬قدرا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬خيرا‭ ‬لك،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬أكده‭ ‬الرسول‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬عندما‭ ‬قال‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬الذي‭ ‬رواه‭ ‬مسلم‭ ‬عَنْ‭ ‬أبي‭ ‬يَحْيَى‭ ‬صُهَيْبِ‭ ‬بْنِ‭ ‬سِنَانٍ‭ ‬رضى‭ ‬الله‭ ‬عنه‭ ‬قَالَ‭: ‬قَالَ‭ ‬رَسُولُ‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭: ‬‮«‬عَجَبًا‭ ‬لأمْرِ‭ ‬الْمُؤْمِنِ‭ ‬إِنَّ‭ ‬أَمْرَهُ‭ ‬كُلَّهُ‭ ‬لَهُ‭ ‬خَيْرٌ،‭ ‬وَلَيْسَ‭ ‬ذَلِكَ‭ ‬لأِحَدٍ‭ ‬إِلاَّ‭ ‬للْمُؤْمِن‭: ‬إِنْ‭ ‬أَصَابَتْهُ‭ ‬سَرَّاءُ‭ ‬شَكَرَ‭ ‬فَكَانَ‭ ‬خَيْرًا‭ ‬لَهُ،‭ ‬وَإِنْ‭ ‬أَصَابَتْهُ‭ ‬ضَرَّاءُ‭ ‬صَبَرَ‭ ‬فَكَانَ‭ ‬خيْرًا‭ ‬لَهُ‮»‬‭. ‬

وقد‭ ‬مر‭ ‬كل‭ ‬إِنسان‭ ‬بأمور‭ ‬خطط‭ ‬لها‭ ‬ووضع‭ ‬لها‭ ‬كل‭ ‬احتمالات‭ ‬النجاح،‭ ‬وفِي‭ ‬طريق‭ ‬تجهيزه‭ ‬للأمر‭ ‬حدثت‭ ‬أشياء‭ ‬ربما‭ ‬لم‭ ‬تحدث‭ ‬تغيرا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬خططه‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬أراد‭ ‬شيئا‭ ‬معينا‭ ‬ولكنه‭ ‬وجد‭ ‬شيئا‭ ‬آخر،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬كان‭ ‬مسافرا‭ ‬يدرس‭ ‬وفِي‭ ‬رحلة‭ ‬التحضير‭ ‬والتجهيز‭ ‬للدراسة‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬أمور‭ ‬تحدث‭ ‬فلم‭ ‬يلق‭ ‬لها‭ ‬بالا،‭ ‬ولكن‭ ‬فجأة‭ ‬تغير‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬وتغيرت‭ ‬وجهته‭ ‬تماما‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭ ‬وإلى‭ ‬تخصص‭ ‬آخر‭ ‬مختلف‭ ‬تماما‭ ‬عن‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬مخططا‭ ‬له،‭ ‬فمثلا‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يدفع‭ ‬مصاريف‭ ‬الدراسة‭ ‬مرات‭ ‬عدة‭ ‬وفِي‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬يتعطل‭ ‬رابط‭ ‬الدفع‭ ‬على‭ ‬الإنترنت‭ ‬وهكذا‭ ‬أمور‭ ‬أخرى‭ ‬كثيرة‭ ‬حدثت‭ ‬كانت‭ ‬خيرا‭ ‬نتيجة‭ ‬هذا‭ ‬التغير‭ ‬المفاجئ‭ ‬وكان‭ ‬القدر‭ ‬حاضرا‭ ‬بقوة،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬كما‭ ‬قلت‭ ‬عين‭ ‬القدر‭ ‬الذي‭ ‬يحيطنا‭ ‬الله‭ ‬به‭ ‬بعين‭ ‬الرحمة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬زمان‭ ‬ومكان‭. ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news