العدد : ١٥٩٢٣ - الأربعاء ٢٧ أكتوبر ٢٠٢١ م، الموافق ٢١ ربيع الأول ١٤٤٣هـ

العدد : ١٥٩٢٣ - الأربعاء ٢٧ أكتوبر ٢٠٢١ م، الموافق ٢١ ربيع الأول ١٤٤٣هـ

مقالات

محنة الامتياز

بقلم: وجدان فهد

الثلاثاء ٢١ ٢٠٢١ - 02:00

اللامعون‭ ‬يكفيهم‭ ‬عمل‭ ‬القليل‭ ‬ويشع‭ ‬نورهم،‭ ‬وغيرهم‭ ‬لو‭ ‬أفنى‭ ‬العمر‭ ‬في‭ ‬سرقة‭ ‬الضوء‭ ‬ظل‭ ‬في‭ ‬عتمة‭. ‬فهناك‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الامتياز‭ ‬يكون‭ ‬مكروها‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬الذين‭ ‬يعادون‭ ‬التفوق‭ ‬ويخافون‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬شخص‭ ‬يتمتع‭ ‬بموهبة‭ ‬لامعة،‭ ‬منظر‭ ‬الضعف‭ ‬يريحهم‭ ‬ويسعدهم،‭ ‬وأوراق‭ ‬الخريف‭ ‬عندهم‭ ‬أحلى‭ ‬من‭ ‬زهور‭ ‬الربيع‭.‬

هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬النفسيات‭ ‬يعادي‭ ‬الامتياز‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬صوره‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الامتياز‭ ‬وجها‭ ‬جميلا‭ ‬أو‭ ‬شخصاً‭ ‬محبوباً‭ ‬صادقاً‭ ‬أو‭ ‬عملاً‭ ‬ناجحا‭.‬

والدافع‭ ‬الذي‭ ‬يحرك‭ ‬هذه‭ ‬النفسيات‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬أصحابها‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬صفة‭ ‬جميلة‭ ‬تميّزهم‭ ‬عن‭ ‬الغير،‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬لا‭ ‬يعملون‭ ‬ولا‭ ‬يجتهدون‭ ‬لاكتساب‭ ‬هذه‭ ‬الصفة‭ ‬الجميلة،‭ ‬فالشخص‭ ‬المتميز‭ ‬يُعتبر‭ ‬نقدا‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬لهذه‭ ‬النفسيات،‭ ‬ويُبرز‭ ‬ما‭ ‬فيهم‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬ويكشف‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬حد‭ ‬يعيشون‭ ‬هم‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬الحياة‭. ‬وهذا‭ ‬الشعور‭ ‬يثير‭ ‬فيهم‭ ‬القلق‭ ‬والخوف،‭ ‬فكيف‭ ‬يتغلبون‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الشعور؟‭!‬

إن‭ ‬خلاصهم‭ ‬من‭ ‬ذاك‭ ‬القلق‭ ‬هو‭ ‬نقد‭ ‬الشخص‭ ‬المتميز‭ ‬وتشويه‭ ‬صورته،‭ ‬وإقناع‭ ‬الناس‭ ‬بأنه‭ ‬شخص‭ ‬لا‭ ‬أهمية‭ ‬له،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬شغلهم‭ ‬الأهم‭ ‬سيكون‭ ‬إثبات‭ ‬العجز‭ ‬في‭ ‬الشخصيات‭ ‬المتميزة‭ ‬والتفتيش‭ ‬عن‭ ‬أخطائها،‭ ‬ثم‭ ‬افتعال‭ ‬هذه‭ ‬الأخطاء‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬الواقع‭.‬

وعندما‭ ‬ينهار‭ ‬الشخص‭ ‬المتميز‭ ‬تستريح‭ ‬نفوس‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأعداء‭ ‬الذين‭ ‬هم‭ ‬بلاء‭ ‬امتيازه،‭ ‬وتنطفئ‭ ‬نار‭ ‬حقدهم‭ ‬ويعود‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬هادئاً‭ ‬مطمئنا،‭ ‬فلا‭ ‬تزعجهم‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬تلك‭ ‬القوة‭ ‬الخارجية‭ ‬المتفوقة‭.‬

ومن‭ ‬حقائق‭ ‬الحياة‭ ‬المؤلمة‭ ‬أن‭ ‬الشخص‭ ‬المتميز‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬يتيح‭ ‬الفرصة‭ ‬لتنامي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬العدائية،‭ ‬لأنه‭ ‬غالبا‭ ‬يكون‭ ‬منصرفا‭ ‬عنها‭ ‬إلى‭ ‬الأشياء‭ ‬الجوهرية‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬وكثيرا‭ ‬ما‭ ‬يتصور‭ ‬أن‭ ‬الناس‭ ‬تشبهه‭ ‬في‭ ‬تفكيره‭ ‬فهم‭ ‬مثله‭ ‬منشغلون‭ ‬عن‭ ‬التوافه‭ ‬والصغائر،‭ ‬ويؤمنون‭ ‬بما‭ ‬يؤمن‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬أفكار‭ ‬إنسانية،‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يتصور‭ ‬كثيراً‭ ‬أن‭ ‬أحداً‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يخطر‭ ‬على‭ ‬باله‭ ‬أي‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الغدر‭ ‬والخديعة‭.‬

وهنا‭ ‬يصح‭ ‬أن‭ ‬نسمي‭ ‬الحالة‭ ‬التي‭ ‬يمر‭ ‬فيها‭ ‬الشخص‭ ‬المتميز‭ ‬بـ«ضعف‭ ‬العظماء‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬الضعف‭ ‬الذي‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬رؤية‭ ‬الآخرين‭ ‬رؤية‭ ‬صحيحة،‭ ‬والعجز‭ ‬عن‭ ‬تصور‭ ‬انفعالاتهم‭ ‬الخفية‭ ‬السوداء‭ ‬وإدراكها‭. ‬لذلك‭ ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬المتميزين‭ ‬يقعون‭ ‬في‭ ‬شباك‭ ‬الحاقدين‭ ‬عليهم،‭ ‬بل‭ ‬أنهم‭ ‬يساعدون‭ ‬دون‭ ‬وعي‭ ‬منهم‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬تؤدي‭ ‬بهم‭ ‬إلى‭ ‬الكارثة‭ ‬والنهاية‭ ‬الحزينة‭.‬

ولم‭ ‬يسلم‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المصير‭ ‬إلا‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬المتميزين‭ ‬الذين‭ ‬جمعوا‭ ‬إلى‭ ‬القوة‭ ‬فهماً‭ ‬واقعياً‭ ‬دقيقا‭ ‬للنفس‭ ‬البشرية‭ ‬وما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬منعطفات‭ ‬ضيقة‭.‬

إن‭ ‬الامتياز‭ ‬يعني‭ ‬في‭ ‬مقاصده‭ ‬ابتكار‭ ‬وتجديد‭ ‬وخروج‭ ‬عن‭ ‬العادة،‭ ‬لكن‭ ‬الناس‭ ‬بفطرتها‭ ‬تستريح‭ ‬للعادة‭ ‬القديمة‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬سيئة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تحتمل‭ ‬هموم‭ ‬التجديد‭!‬

ومع‭ ‬ذلك‭ ‬وكحقيقة‭ ‬ثابتة‭ ‬ستظل‭ ‬الإنسانية‭ ‬تضع‭ ‬سرها‭ ‬وقوتها‭ ‬في‭ ‬الشخص‭ ‬المتميز‭ ‬الذي‭ ‬يدفع‭ ‬الحياة‭ ‬إلى‭ ‬الحركة‭ ‬وينير‭ ‬طرقاتها‭ ‬المظلمة،‭ ‬ليكشف‭ ‬عن‭ ‬طاقة‭ ‬النور‭ ‬المتجددة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬وفي‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬يسير‭ ‬فيه‭ ‬وسيتبعه‭ ‬من‭ ‬بعده‭ ‬آخرون‭. ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news