العدد : ١٥٩٢٣ - الأربعاء ٢٧ أكتوبر ٢٠٢١ م، الموافق ٢١ ربيع الأول ١٤٤٣هـ

العدد : ١٥٩٢٣ - الأربعاء ٢٧ أكتوبر ٢٠٢١ م، الموافق ٢١ ربيع الأول ١٤٤٣هـ

مسافات

عبدالمنعم ابراهيم

يتشدقون بالديمقراطية ويتحالفون مع المتطرفين لتدميرها!

في‭ ‬اليوم‭ ‬العالمي‭ ‬للديمقراطية‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬أمريكا‭ ‬خذلت‭ ‬شعارها‭ ‬المنادي‭ ‬بنشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬حين‭ ‬عقدت‭ ‬صفقة‭ ‬مريبة‭ ‬مع‭ ‬حركة‭ ‬طالبان‭ ‬الأفغانية‭ ‬المتشددة‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬القطرية‭ (‬الدوحة‭).. ‬وبموجب‭ ‬هذا‭ ‬الاتفاق‭ ‬تخلت‭ ‬أمريكا‭ ‬عن‭ ‬حليفها‭ (‬حكومة‭ ‬كابول‭) ‬لصالح‭ ‬اجتياح‭ ‬قوات‭ ‬طالبان‭ ‬للمدن‭ ‬والأقاليم‭ ‬الأفغانية،‭ ‬واقتحامها‭ ‬العاصمة‭ (‬كابول‭) ‬في‭ ‬15‭ ‬أغسطس‭ ‬الماضي،‭ ‬ورغم‭ ‬وعود‭ (‬طالبان‭) ‬في‭ ‬البداية‭ ‬لإقناع‭ ‬العالم‭ ‬والشعب‭ ‬الأفغاني‭ ‬بأن‭ ‬نظامها‭ ‬السياسي‭ ‬سيكون‭ ‬أقل‭ ‬وحشية‭ ‬من‭ ‬نظامها‭ ‬السابق‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1996‭ ‬و2001،‭ ‬فإن‭ ‬تطور‭ ‬الأحداث‭ ‬لاحقًا‭ ‬أكد‭ ‬أن‭ ‬خطر‭ ‬طالبان‭ ‬لم‭ ‬يتغير،‭ ‬وأنها‭ ‬عادت‭ ‬لقمع‭ ‬الحريات‭ ‬السياسية،‭ ‬وتضرب‭ ‬بالعصي‭ ‬وبالرصاص‭ ‬مظاهرات‭ ‬نسائية‭ ‬سلمية،‭ ‬وتجلد‭ ‬الصحفيين‭ ‬في‭ ‬مراكز‭ ‬الشرطة،‭ ‬وتفرض‭ ‬شروطا‭ ‬قاسية‭ ‬ضد‭ ‬عمل‭ ‬وتعليم‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬لإجبارهن‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬المنزل‭.‬

هذه‭ ‬الردة‭ ‬اللاديمقراطية‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬تتحملها‭ (‬أمريكا‭) ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬كانت‭ ‬تتفاخر‭ ‬بصناعة‭ (‬الديمقراطية‭) ‬في‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬بكابول،‭ ‬وفي‭ ‬مظاهر‭ ‬الحياة‭ ‬المدنية‭ ‬العصرية‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬طوال‭ ‬عشرين‭ ‬سنة‭ ‬مضت‭!.. ‬تمامًا‭ ‬مثلما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬عام‭ ‬1979‭ ‬حين‭ ‬تخلت‭ ‬أمريكا‭ ‬وفرنسا‭ ‬وبريطانيا‭ ‬ودول‭ ‬أوروبية‭ ‬كثيرة‭ ‬عن‭ ‬حليف‭ ‬الغرب‭ (‬شاه‭ ‬إيران‭) ‬وساندوا‭ (‬الخميني‭) ‬وملالي‭ ‬إيران‭ ‬لاستلام‭ ‬السلطة‭ ‬بالقوة‭ ‬والعنف‭ ‬هناك،‭ ‬ومثلما‭ ‬حملت‭ ‬الطائرة‭ ‬الفرنسية‭ (‬الخميني‭) ‬من‭ ‬باريس‭ ‬إلى‭ ‬طهران‭ ‬عام‭ ‬1979‭! ‬حملت‭ ‬طائرة‭ ‬أمريكية‭ ‬قادة‭ (‬طالبان‭) ‬من‭ ‬قطر‭ ‬إلى‭ ‬كابول‭ ‬في‭ ‬15‭ ‬أغسطس‭ ‬الماضي‭!‬

التاريخ‭ ‬يعيد‭ ‬نفسه‭ ‬مرة‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬مأساة،‭ ‬ومرة‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬مسخرة‭! ‬وها‭ ‬نحن‭ ‬نرى‭ ‬دول‭ ‬أمريكا‭ ‬ودول‭ ‬الغرب‭ ‬عمومًا‭ ‬التي‭ ‬تنادي‭ ‬بنشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬تجلب‭ ‬الطغاة‭ ‬والمستبدين‭ ‬وتمهد‭ ‬لهم‭ ‬الطريق‭ ‬لاغتصاب‭ ‬السلطة،‭ ‬وسرقة‭ (‬الثورات‭) ‬من‭ ‬الشعوب‭! ‬ومنحهم‭ (‬الشرعية‭) ‬في‭ ‬الحكم‭!‬

ليس‭ ‬هذا‭ ‬فحسب‭.. ‬بل‭ ‬وجدنا‭ ‬في‭ ‬تجارب‭ ‬وميادين‭ ‬أخرى‭ ‬أن‭ ‬أمريكا‭ ‬تتحالف‭ ‬مع‭ ‬أحزاب‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي،‭ ‬مثل‭ (‬الإخوان‭ ‬المسلمين‭)‬،‭ ‬والجماعات‭ ‬الطائفية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬لإسقاط‭ ‬أنظمة‭ ‬سياسية‭ ‬عربية‭ ‬يوجد‭ ‬فيها‭ ‬أنظمة‭ ‬حكم‭ ‬ديمقراطية‭ (‬محلية‭ ‬المنشأ‭) ‬وليست‭ ‬مستوردة،‭ ‬مثلما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬حين‭ ‬تحرك‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الأسبق‭ (‬أوباما‭) ‬لإشعال‭ ‬فتن‭ ‬وفوضى‭ ‬ودمار‭ ‬أسماها‭ (‬ثورات‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭)!.. ‬وحاولت‭ ‬أمريكا‭ ‬ومعها‭ ‬دول‭ ‬أوروبية‭ ‬أيضًا‭ ‬واستخباراتها‭ ‬إسقاط‭ ‬نظام‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬وتسليم‭ ‬زمام‭ ‬الأمور‭ ‬هناك‭ ‬للإخوان‭ ‬المسلمين،‭ ‬وكاد‭ ‬يتحقق‭ ‬لها‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬تولي‭ (‬محمد‭ ‬مرسي‭) ‬السلطة‭ ‬لولا‭ ‬الثورة‭ ‬المصرية‭ ‬التي‭ ‬تحالف‭ ‬فيها‭ ‬الشعب‭ ‬مع‭ ‬الجيش‭ ‬المصري‭ ‬ضد‭ ‬المؤامرة‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تجتاح‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬آنذاك‭.‬

كذلك‭ ‬تآمرت‭ ‬أمريكا‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬‮«‬أوباما‮»‬‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬لإسقاط‭ ‬نظام‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬واستبداله‭ ‬بنظام‭ ‬حكم‭ ‬طائفي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬المحاصصة‭ ‬الخبيثة،‭ ‬شبيه‭ ‬بالنظام‭ ‬الطائفي‭ ‬الذي‭ ‬صنعته‭ ‬أمريكا‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬بعد‭ ‬احتلالها‭ ‬له‭ ‬عام‭ ‬2003،‭ ‬وتعرض‭ ‬الشعب‭ ‬البحريني‭ ‬لأسوأ‭ ‬كارثة‭ ‬أمنية‭ ‬إذ‭ ‬استمرت‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الإرهاب‭ ‬والقتل‭ ‬للأبرياء‭ ‬والتفجيرات‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬منظمات‭ ‬إرهابية‭ ‬موالية‭ ‬لإيران،‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬آثارها‭ ‬موجودة‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬محاكم‭ ‬البحرين‭ ‬التي‭ ‬تنظر‭ ‬في‭ ‬ملفات‭ ‬جرائم‭ ‬الإرهابيين‭.‬

أمريكا‭ ‬فعلت‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الدمار‭ ‬السياسي‭ ‬والأمني‭ ‬وتسببت‭ ‬في‭ ‬جرائم‭ ‬العنف‭ ‬والقتل‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬والبحرين‭ ‬عام‭ ‬2011،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬هذين‭ ‬البلدين‭ ‬فيهما‭ ‬تجارب‭ ‬ديمقراطية،‭ ‬يُفترض‭ ‬بأمريكا‭ ‬أن‭ ‬تدعمها‭ ‬وتساندها،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬تسعى‭ ‬لإسقاطها‭ ‬وإسقاط‭ ‬أنظمتها‭ ‬السياسية‭!.. ‬ألا‭ ‬ترون‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬تناقضا‭ ‬مفضوحا‭ ‬للدعوات‭ ‬الأمريكية‭ ‬لدعم‭ (‬الديمقراطية‭) ‬في‭ ‬العالم؟‭!‬

أمريكا‭ ‬والغرب‭ ‬عمومًا‭ ‬لا‭ ‬يريدون‭ ‬للديمقراطية‭ ‬أن‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬ولا‭ ‬غيرها،‭ ‬ولا‭ ‬يريدون‭ ‬لمجتمعاتنا‭ ‬أن‭ ‬تنمو‭ ‬وتتحرر‭ ‬وتتطور‭ ‬وفق‭ ‬قيم‭ ‬وتراث‭ ‬وتقاليد‭ ‬الشعوب‭.. ‬هم‭ ‬يريدون‭ ‬تفعيل‭ (‬ديمقراطية‭) ‬على‭ ‬قياس‭ ‬ملابسهم،‭ ‬وأفكارهم‭ ‬وتصوراتهم‭ ‬ومعتقداتهم‭ (‬الغربية‭) ‬وإرغام‭ ‬الشعوب‭ ‬الأخرى‭ ‬على‭ ‬اعتناقها‭ ‬بالقوة‭!.. ‬وحين‭ ‬يفشلون‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬ذلك‭ ‬يلجأون‭ ‬إلى‭ ‬التحالف‭ ‬السياسي‭ ‬مع‭ ‬أعداء‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬والشعوب،‭ ‬ويستخدمونهم‭ ‬خناجر‭ ‬وقنابل‭ ‬متحركة‭ ‬ومتفجرات‭ ‬ضمن‭ ‬شعار‭ (‬الفوضى‭ ‬الخلاقة‭)!.. ‬فعلوا‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬وفعلوا‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬في‭ ‬15‭ ‬أغسطس‭ ‬2021‭ ‬حين‭ ‬سلموا‭ ‬السلطة‭ ‬للملالي‭ ‬المتشددين‭ ‬والطغاة‭ ‬في‭ ‬طهران‭ ‬وكابول‭!‬

كل‭ ‬هذا‭ ‬الدمار‭ ‬يحدث‭ ‬وهم‭ ‬يتشدقون‭ ‬بنشر‭ (‬الديمقراطية‭) ‬في‭ ‬العالم‭!‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالمنعم ابراهيم"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news