العدد : ١٥٩٢٣ - الأربعاء ٢٧ أكتوبر ٢٠٢١ م، الموافق ٢١ ربيع الأول ١٤٤٣هـ

العدد : ١٥٩٢٣ - الأربعاء ٢٧ أكتوبر ٢٠٢١ م، الموافق ٢١ ربيع الأول ١٤٤٣هـ

الاسلامي

أثر الحرف في المعنى/1

الجمعة ١٠ ٢٠٢١ - 02:00

بقلم‭: ‬عاطف‭ ‬الصبيحي

الحرف‭ ‬لبنة‭ ‬الكلمة‭,‬‭ ‬والكلمة‭ ‬تحتوي‭ ‬المعنى‭,‬‭ ‬والمعنى‭ ‬يكون‭ ‬مختمراً‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬فيُنتخب‭ ‬لذلك‭ ‬المعنى‭ ‬كلمة‭ ‬تمثله‭,‬‭ ‬والحرف‭ ‬أساس‭ ‬تلك‭ ‬الكلمة‭,‬‭ ‬فالنص‭ ‬البشري‭ ‬يحاول‭ ‬انتخاب‭ ‬أدق‭ ‬الكلمات‭ ‬لتمثيل‭ ‬المعنى‭,‬‭ ‬ولا‭ ‬يُلقي‭ ‬بالاً‭ ‬لهذا‭ ‬الحرف‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬مراده‭. ‬إنما‭ ‬هي‭ ‬الكلمات‭ ‬محور‭ ‬اهتمامه‭ ‬وما‭ ‬تشكله‭ ‬من‭ ‬عبارات‭,‬‭ ‬حتى‭ ‬يكتمل‭ ‬النص‭ ‬وتنضج‭ ‬فكرته‭,‬‭ ‬حسب‭ ‬ما‭ ‬يرى‭ ‬الكاتب‭,‬‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬القرآني‭ ‬فدقة‭ ‬الاختيار‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الحرف‭ ‬المنسوج‭ ‬مع‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬الحروف‭ ‬التي‭ ‬تُشكل‭ ‬مجتمعة‭ ‬الكلمات‭ ‬التي‭ ‬تؤلف‭ ‬آيات‭ ‬الكتاب‭ ‬المُبين‭,‬‭ ‬فعليه‭ ‬يكون‭ ‬لحضور‭ ‬حرف‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬كلمة‭ ‬ما‭ ‬دلالة‭ ‬معينة‭,‬‭ ‬تختلف‭ ‬هذه‭ ‬الدلالة‭ ‬حين‭ ‬يغيب‭ ‬هذا‭ ‬الحرف‭,‬‭ ‬وبغيابه‭ ‬فإن‭ ‬الكلمة‭ ‬تتحرك‭ ‬لحقل‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬الدلالات‭ ‬يختلف‭ ‬تماماً‭ ‬عما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬أثناء‭ ‬حضور‭ ‬ذلك‭ ‬الحرف‭,‬‭ ‬ولأننا‭ ‬أمام‭ ‬كتاب‭ ‬لا‭ ‬تنقضي‭ ‬عجائبه‭,‬‭ ‬فإن‭ ‬الأمثلة‭ ‬هي‭ ‬السبيل‭ ‬الأمثل‭ ‬لتوضيح‭ ‬فكرة‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭.‬

فالمبنى‭ ‬الفوّار‭ ‬بالمعاني‭ ‬ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬معنى‭ ‬بعينه‭ ‬وهذه‭ ‬خصيصة‭ ‬قرآنية‭ ‬بامتياز‭,‬‭ ‬ومحتكرة‭ ‬وخالصة‭ ‬لكتاب‭ ‬الله‭,‬‭ ‬لذا‭ ‬لا‭ ‬مناص‭ ‬من‭ ‬الانجذاب‭ ‬لهذا‭ ‬النص‭ ‬العلوي‭ ‬حين‭ ‬تتم‭ ‬قراءته‭ ‬ضمن‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭,‬‭ ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬بدأنا‭ ‬بالشائع‭ ‬المشهور‭ ‬فإننا‭ ‬نجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬أمام‭ ‬آية‭ ‬يتلوها‭ ‬المسلمون‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬الكهف‭,‬‭ ‬‮«‬فما‭ ‬اسطاعوا‭ ‬أن‭ ‬يظهروه‭ ‬وما‭ ‬استطاعوا‭ ‬له‭ ‬نقبا‮»‬‭ ‬حضور‭ ‬وغياب‭ ‬حرف‭ ‬‮«‬التاء‮»‬‭ ‬من‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬استطاعوا‮»‬‭ ‬و«اسطاعوا‮»‬‭ ‬يفرض‭ ‬علينا‭ ‬فرضاً‭ ‬أن‭ ‬نتساءل‭ ‬عن‭ ‬علة‭ ‬ذلك‭,‬‭ ‬فحضوره‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬النقب‭ ‬توحي‭ ‬بالصعوبة‭ ‬والجهد‭ ‬المبذول‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أُخرى‭  ‬أن‭ ‬النقب‭ ‬يحتاج‭ ‬فترة‭ ‬زمنية‭ ‬أطول‭ ‬من‭ ‬الصعود‭,‬‭ ‬إذن‭ ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬عمليتين‭ ‬الأولى‭ ‬إحداث‭ ‬ثقب‭ ‬في‭ ‬السد‭ ‬والثانية‭ ‬اعتلاء‭ ‬السد‭,‬‭ ‬ولأن‭ ‬هناك‭ ‬فارق‭ ‬في‭ ‬الجهد‭ ‬والزمن‭ ‬بين‭ ‬العمليتين‭ ‬حضر‭ ‬حرف‭ ‬‮«‬التاء‮»‬‭ ‬في‭ ‬الأصعب‭ ‬وغاب‭ ‬وتنحّى‭ ‬في‭ ‬العميلة‭ ‬الأسهل‭,‬‭ ‬لذلك‭ ‬سُمي‭ ‬هذا‭ ‬الحرف‭ ‬‮«‬تاء‮»‬‭ ‬الجُهد‮»‬‭,‬‭ ‬وعليه‭ ‬فإن‭ ‬الدلالات‭ ‬تفرض‭ ‬البناء‭ ‬اللغوي‭ ‬لتؤدي‭ ‬معناها‭ ‬بأدق‭ ‬تعبير‭.‬

كثرة‭ ‬تكرار‭ ‬الحدث‭ - ‬أي‭ ‬حدث‭ - ‬تؤثر‭ ‬تأثيرا‭ ‬مباشرا‭ ‬في‭ ‬الأبنية‭ ‬اللغوية‭,‬‭ ‬وتصوغها‭ ‬الصياغة‭ ‬اللائقة‭ ‬بالمعنى‭ ‬المحمول‭ ‬بين‭ ‬طياتها‭,‬‭ ‬وعليه‭ ‬فإن‭ ‬حضور‭ ‬حرف‭ ‬أو‭ ‬غيابه‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الصياغات‭ ‬القرآنية‭ ‬يُحكم‭ ‬بهذه‭ ‬القاعدة‭,‬‭ ‬‮«‬لا‭ ‬يحل‭ ‬لك‭ ‬النساء‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬تبدل‭ ‬بهنّ‭ ‬من‭ ‬أزواج‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يخفى‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬خطاب‭ ‬خاص‭ ‬بالرسول‭ ‬الكريم‭. ‬وأن‭ ‬حدوث‭ ‬الفعل‭ ‬المُشار‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬الآية‭ ‬السابقة‭ ‬وهو‭ ‬زواج‭ ‬الرسول‭ ‬الكريم‭ ‬محدود‭ ‬جداً‭ ‬أيضاً‭,‬‭ ‬لذلك‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬تبدل‮»‬‭ ‬جاءت‭ ‬بتاء‭ ‬واحدة‭ ‬تناسب‭ ‬محدودية‭ ‬الحدث‭ ‬الإرشادي‭ ‬الموجه‭ ‬للرسول‭ ‬الكريم‭,‬‭ ‬بينما‭ ‬نقرأ‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭ ‬في‭ ‬حدث‭ ‬آخر‭ ‬‮«‬ولا‭ ‬تتبدلوا‭ ‬الخبيث‭ ‬بالطيب‭...‬‮»‬‭ ‬أن‭ ‬الفعل‭ ‬جاء‭ ‬بحرفي‭ ‬التاء‭ ‬متتابعين‭,‬‭ ‬حيث‭ ‬الخطاب‭ ‬عام‭ ‬وأوسع‭ ‬من‭ ‬الخطاب‭ ‬السابق‭ ‬الخاص‭,‬‭ ‬وتكرار‭ ‬الخطاب‭ ‬العام‭ ‬مفتوح‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬الزمن‭ ‬وليس‭ ‬كالخطاب‭ ‬الأول‭ ‬المنتهي‭ ‬بوفاة‭ ‬الرسول‭ ‬الكريم‭,‬‭ ‬فجاء‭ ‬المبنى‭ ‬الثاني‭ ‬يُدلل‭ ‬على‭ ‬تكرار‭ ‬الحدوث‭ ‬وعلى‭ ‬سعة‭ ‬زمنية‭ ‬طويلة‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬السموات‭ ‬والأرض‭,‬‭ ‬فنجد‭ ‬مرة‭ ‬ثانية‭ ‬أن‭ ‬حضور‭ ‬حرف‭ ‬يختزن‭ ‬دلالة‭ ‬معينة‭,‬‭ ‬وبغيابه‭ ‬تصبح‭ ‬الكلمة‭ ‬ذات‭ ‬دلالة‭ ‬أُخرى‭,‬‭ ‬هذه‭ ‬السِعة‭ ‬الواسعة‭ ‬ببناء‭ ‬غاية‭ ‬في‭ ‬الاختصار‭ ‬لشيء‭ ‬عُجاب‭.‬

والأمثلة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬نحن‭ ‬بصدده‭ ‬كثيرة‭ ‬لا‭ ‬يستوعبها‭ ‬مقال‭ ‬واحد‭,‬‭ ‬لكن‭ ‬لنسوق‭ ‬مثالاً‭ ‬آخر‭ ‬يُعزز‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬المبنى‭ ‬والمعنى‮»‬‭ ‬والارتباط‭ ‬العضوي‭ ‬بينهما‭: ‬في‭ ‬آل‭ ‬عمران‭ ‬يقول‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬‮«‬واعتصموا‭ ‬بحبل‭ ‬الله‭ ‬جميعاً‭ ‬ولا‭ ‬تفرقوا‭,‬‭ ‬واذكروا‭ ‬نعمت‭ ‬الله‭ ‬عليكم‭...‬‮»‬‭ ‬وفي‭ ‬سورة‭ ‬الشورى‭ ‬يقول‭ ‬جل‭ ‬جلاله‭ ‬‮«‬شرع‭ ‬لكم‭ ‬من‭ ‬الدين‭ ‬ما‭ ‬وصى‭ ‬به‭ ‬نوحاً‭ ‬والذي‭ ‬أوحينا‭ ‬إليك‭,‬‭ ‬وما‭ ‬وصينا‭ ‬به‭ ‬إبراهيم‭ ‬وموسى‭ ‬وعيسى‭ ‬أن‭ ‬أقيموا‭ ‬الدين‭ ‬ولا‭ ‬تتفرقوا‭ ‬فيه‭,‬‭ ‬كبُر‭ ‬على‭ ‬المشركين‭ ‬ما‭ ‬تدعوهم‭ ‬إليه‭,‬‭ ‬الله‭ ‬يجتبي‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬يشاء‭ ‬ويهدي‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬يُنيب‮»‬‭. ‬لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬الخطاب‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬آل‭ ‬عمران‭ ‬خاص‭ ‬بأمة‭ ‬محمد‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭,‬‭ ‬ولأنه‭ ‬خاص‭ ‬جاء‭ ‬بناء‭ ‬الفعل‭ ‬‮«‬تفرقوا‮»‬‭ ‬بتاء‭ ‬واحدة‭,‬‭ ‬بينما‭ ‬الخطاب‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬الشورى‭ ‬عام‭ ‬عابر‭ ‬للزمان‭ ‬والمكان‭,‬‭ ‬فبُني‭ ‬الفعل‭ ‬بتاءين‭ ‬‮«‬تتفرقوا‮»‬‭ ‬إشارة‭ ‬للكثرة‭ ‬المتلقية‭ ‬لهذا‭ ‬الخطاب‭ ‬والمدة‭ ‬الزمنية‭ ‬المتطاولة‭ ‬عبر‭ ‬المسيرة‭ ‬الإنسانية‭.‬

اجتهدنا‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬حرف‭ ‬واحد‭ ‬‮«‬التاء‮»‬‭ ‬للوقوف‭ ‬على‭ ‬دلالة‭ ‬حضوره‭ ‬في‭ ‬كلمة‭ ‬ما‭,‬‭ ‬ومحاولة‭ ‬معرفة‭ ‬التغيير‭ ‬في‭ ‬المعنى‭ ‬حين‭ ‬يغيب‭ ‬هذا‭ ‬الحرف‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬الكلمة‭,‬‭ ‬وهناك‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬حروف‭ ‬لها‭ ‬دلالة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الحضور‭,‬‭ ‬ودلالة‭ ‬أُخرى‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الغياب‭,‬‭ ‬وسوف‭ ‬نستعرض‭ ‬بعض‭ ‬الحروف‭ ‬الأُخرى‭ ‬في‭ ‬المقال‭ ‬القادم‭ ‬بإذن‭ ‬الله‭,‬‭ ‬لنصل‭ ‬لنتيجة‭ ‬نطمئن‭ ‬إليها‭ ‬ومفادها‭ ‬أن‭ ‬للمبنى‭ ‬تأثير‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬المعنى‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news