العدد : ١٥٨٨٧ - الثلاثاء ٢١ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤٣هـ

العدد : ١٥٨٨٧ - الثلاثاء ٢١ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤٣هـ

مقالات

غياب محمد بن عبدالرحمن يوم حزين

بقلم: مها بنت عبدالعزيز آل خليفة

الأحد ٠١ ٢٠٢١ - 02:00

من‭ ‬أصعب‭ ‬الأشياء‭ ‬على‭ ‬النفس‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬الإنسان‭ ‬قريبا‭ ‬له،‭ ‬فما‭ ‬بالك‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬القريب‭ ‬بمثابة‭ ‬أخي‭ ‬الكبير‭ ‬وزوج‭ ‬أختي‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬نصف‭ ‬ابتسامتي‭ ‬وحياتي‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬أقوى‭ ‬ولا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أراها‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬يوم‭ ‬ما‭ ‬مكسورة‭ ‬الخاطر‭ ‬أو‭ ‬حزينة‭.‬

الموت‭ ‬حق،‭ ‬لكنه‭ ‬أصعب‭ ‬فراق‭ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يتخطى‭ ‬هذا‭ ‬الألم‭ ‬إلا‭ ‬بالصبر‭ ‬والاحتساب‭ ‬لله‭ ‬وبمواساة‭ ‬الأقارب‭ ‬والأصدقاء‭ ‬له‭.. ‬اللهم‭ ‬لا‭ ‬اعتراض‭ ‬على‭ ‬قدرك‭ ‬وأجلك‭ ‬وحكمتك‭ ‬وهي‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬أمر‭.‬

فقدت‭ ‬البحرين‭ ‬بالأمس‭ ‬القريب‭ ‬ابنا‭ ‬بارا‭ ‬لها‭ ‬خدم‭ ‬وطنه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الساحة‭ ‬الرياضية،‭ ‬هو‭ ‬ابن‭ ‬المحرق‭ ‬الأصيل‭ ‬وابن‭ ‬البحرين‭ ‬الوفي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتردد‭ ‬يوماً‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يدفع‭ ‬من‭ ‬جيبه‭ ‬الخاص‭ ‬للرياضة‭ ‬أو‭ ‬الرياضيين‭ ‬وتقديم‭ ‬كل‭ ‬المساعدات‭ ‬المادية‭ ‬والمعنوية‭ ‬للاعبين‭ ‬وتذليل‭ ‬الصعاب‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الطاقم‭ ‬الإداري‭.‬

كنتُ‭ ‬أسمع‭ ‬أحاديثه‭ ‬حين‭ ‬كنت‭ ‬أرافقهم‭ ‬في‭ ‬إجازاته‭ ‬السنوية‭ ‬يتحدث‭ ‬مع‭ ‬الكبير‭ ‬والصغير‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬إجازة‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬أهله‭.. ‬كنت‭ ‬أرى‭ ‬بأم‭ ‬عيني‭ ‬إخلاصه‭ ‬وتفانيه‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬ومحاولته‭ ‬إيجاد‭ ‬حلول‭ ‬لتلك‭ ‬العقبات‭ ‬التي‭ ‬تعتري‭ ‬الطريق‭. ‬

خطف‭ ‬الموت‭ ‬من‭ ‬أمام‭ ‬أعيننا‭ ‬في‭ ‬وهلة‭ ‬سريعة‭ ‬معالي‭ ‬الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬صارع‭ ‬المرض‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬وخارجها‭ ‬وقاومه‭ ‬بصبر‭ ‬وروح‭ ‬متفائلة،‭ ‬ولكن‭ ‬المرض‭ ‬كان‭ ‬أقوى‭ ‬منه‭ ‬وأشرس‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يتحمله‭ ‬أي‭ ‬شخص‭.‬

محمد‭ ‬بن‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬هو‭ ‬ابن‭ ‬معالي‭ ‬الشيخة‭ ‬هيا‭ ‬بنت‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬رئيسة‭ ‬المتاحف‭ ‬والآثار‭ ‬سابقاً،‭ ‬لذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬غريباً‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بهذا‭ ‬المستوى‭ ‬من‭ ‬ذكاء‭ ‬وإلمام‭ ‬معرفي‭ ‬توارثه‭ ‬من‭ ‬والديه،‭ ‬وبفقده‭ ‬فقدت‭ ‬الساحة‭ ‬الرياضية‭ ‬قائداً‭ ‬رياضياً‭ ‬فذاً‭ ‬ورجلاً‭ ‬كان‭ ‬قريباً‭ ‬من‭ ‬الإعلام،‭ ‬يتحلى‭ ‬بشفافية‭ ‬غير‭ ‬معهودة‭ ‬مع‭ ‬المسؤولين‭ ‬ويعلن‭ ‬عما‭ ‬يؤمن‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬تصريحات‭ ‬نارية‭ ‬وفي‭ ‬الصميم‭. ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬جريئاً‭ ‬في‭ ‬أطروحاته‭ ‬وتصوراته‭ ‬ويتحلى‭ ‬بقدرة‭ ‬فائقة‭ ‬في‭ ‬التحليل‭ ‬الإعلامي‭ ‬الرياضي‭ ‬تفوق‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المختصين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن‭.‬

فقدت‭ ‬أسرة‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ابنها‭ ‬البار‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬عبدالرحمن،‭ ‬وبفقده‭ ‬فقدنا‭ ‬إنساناً‭ ‬عطوفاً‭ ‬كريماً‭ ‬سخياً‭ ‬متواضعاً‭ ‬لأقصى‭ ‬درجات‭ ‬التواضع‭.. ‬كان‭ ‬واصلاً‭ ‬لجلسات‭ ‬أهله‭ ‬حتى‭ ‬وهو‭  ‬مريض‭ ‬ويعاني‭ ‬لأنه‭ ‬يحب‭ ‬لمّة‭ ‬الأهل‭ ‬والأحباب‭.‬

‭ ‬أحبك‭ ‬الناس‭ ‬بكل‭ ‬فئاتهم‭ ‬لأنك‭ ‬لم‭ ‬تفرق‭ ‬بينهم‭ ‬في‭ ‬المعاملة‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬مذهبي‭ ‬أو‭ ‬عرقي،‭ ‬فقد‭ ‬كنت‭ ‬تحب‭ ‬الجميع‭.. ‬خصالك‭ ‬الحميدة‭ ‬وأخلاقك‭ ‬الطيبة‭ ‬أكسبتك‭ ‬شعبية‭ ‬واسعة‭ ‬قلّ‭ ‬نظيرها‭ ‬بين‭ ‬الناس‭.‬

أحبك‭ ‬الصغار؛‭ ‬لأنك‭ ‬كنت‭ ‬قريبا‭ ‬لهم‭ ‬تحنو‭ ‬وتجبر‭ ‬وتساعد‭ ‬ومواقفك‭ ‬معهم‭ ‬كثيرة‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تدوينها‭ ‬ليتعلم‭ ‬الآخرون‭ ‬منها‭ ‬سمو‭ ‬تلك‭ ‬المعاني‭ ‬الإنسانية‭ ‬الرائعة‭. ‬

وبرحيلك‭ ‬يتفطر‭ ‬قلبي‭ ‬حين‭ ‬يمر‭ ‬على‭ ‬عقلي‭ ‬شريط‭ ‬الذكريات‭ ‬الذي‭ ‬يجمعنا‭ ‬كأهل‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬شيء‭.. ‬فقد‭ ‬جمعتنا‭ ‬لمّة‭ ‬الأهل‭ ‬ورحلات‭ ‬سفر‭ ‬لا‭ ‬تُعد‭ ‬ولا‭ ‬تُحصى‭ ‬وكنت‭ ‬دوماً‭ ‬لي‭ ‬الأخ‭ ‬الحاني‭ ‬على‭ ‬أخته‭ ‬توجهني‭ ‬وتنصحني،‭ ‬ونوراً‭ ‬يضيء‭ ‬عتمة‭ ‬النفس‭.‬

كنت‭ ‬تعشق‭ ‬شيئا‭ ‬اسمه‭ ‬التحديات،‭ ‬فقد‭ ‬كنت‭ ‬دوما‭ ‬تحب‭ ‬أن‭ ‬تحمسني‭ ‬في‭ ‬مسابقات‭ ‬رياضية‭ ‬كنا‭ ‬نجريها‭ ‬سويا‭ ‬في‭ ‬أسفارنا‭ ‬لترى‭ ‬أينا‭ ‬يحرز‭ ‬نتائج‭ ‬أفضل،‭ ‬وأحيانا‭ ‬تطرح‭ ‬علينا‭ ‬الأسئلة‭ ‬العامة‭ ‬لترى‭ ‬كم‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬أملكها،‭ ‬ولديك‭ ‬روح‭ ‬مداعبة‭ ‬متميزة‭ ‬أجد‭ ‬نفسي‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬أستفيد‭ ‬منك‭ ‬أكثر‭.‬

كنت‭ ‬تمتلك‭ ‬موهبة‭ ‬خاصة‭ ‬تستبق‭ ‬الأمور‭ ‬قبل‭ ‬حدوثها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬كل‭ ‬الاحتمالات‭ ‬الواردة،‭ ‬وكنت‭ ‬محاسباً‭ ‬بالفطرة‭ ‬لأنك‭ ‬تتحسب‭ ‬للإضافة‭ ‬والنقصان‭ ‬ببديهية‭ ‬سريعة،‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬رحيلك‭ ‬احتسبت‭ ‬هذا‭ ‬الأمر،‭ ‬فقد‭ ‬آثرت‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قريباً‭ ‬من‭ ‬الأهل‭ ‬والأصدقاء‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬تعقيدات‭ ‬ومضاعفات‭ ‬هذا‭ ‬المرض‭ ‬اللعين‭ ‬وتفاقمه‭.‬

حين‭ ‬رجعت‭ ‬من‭ ‬رحلة‭ ‬علاجك‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تعلم‭ ‬أننا‭ ‬كلنا‭ ‬نعاني‭ ‬من‭ ‬شيء،‭ ‬وهذه‭ ‬من‭ ‬سنن‭ ‬الحياة‭ ‬التي‭ ‬تعترينا‭ ‬جميعا‭ ‬من‭ ‬وقت‭ ‬لآخر‭.‬

أكتب‭ ‬لكم‭ ‬اليوم‭ ‬هذه‭ ‬الكلمات،‭ ‬وأنت‭ ‬بين‭ ‬يدي‭ ‬مليك‭ ‬رحيم،‭ ‬ودموعي‭ ‬تنهمر‭ ‬من‭ ‬عينيّ‭ ‬في‭ ‬حديث‭ ‬ذي‭ ‬شجون،‭ ‬حديث‭ ‬من‭ ‬القلب‭ ‬إليكم‭.. ‬حديث‭ ‬يجري‭ ‬بتلقائية‭ ‬وعفوية‭ ‬لأنني‭ ‬أتكلم‭ ‬عن‭ ‬شخص‭ ‬غير‭ ‬عادي،‭ ‬بفقدانها‭ ‬تفقد‭ ‬البشرية‭ ‬شخصا‭ ‬لم‭ ‬ير‭ ‬نفسه‭ ‬فوق‭ ‬الآخرين،‭ ‬فهو‭ ‬عنوان‭ ‬التواضع‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬أحد‭ ‬أعمدة‭ ‬الرياضة‭ ‬البحرينية‭ ‬ومن‭ ‬سواعد‭ ‬الوطن‭ ‬المخلصين‭ ‬ورجُل‭ ‬أعمال‭ ‬مخضرم،‭ ‬فهو‭ ‬أحد‭ ‬الرؤساء‭ ‬السابقين‭ ‬لاتحاد‭ ‬السلة‭ ‬حتى‭ ‬كُني‭ ‬بالأب‭ ‬الروحي‭ ‬لكرة‭ ‬السلة،‭ ‬والذي‭ ‬في‭ ‬عهده‭ ‬حققت‭ ‬السلة‭ ‬البحرينية‭ ‬الرياضية‭ ‬بطولات‭ ‬شتى‭ ‬ووصلت‭ ‬كرة‭ ‬السلة‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬إلى‭ ‬آفاق‭ ‬أرحب‭ ‬واستطعت‭ ‬أن‭ ‬تصعد‭ ‬بفريق‭ ‬المحرق‭ ‬الرياضي‭ ‬لإحراز‭ ‬أول‭ ‬بطولة‭ ‬له‭.‬

هم‭ ‬يرحلون‭ ‬ويتركون‭ ‬بالقلب‭ ‬غصة‭ ‬تذكرنا‭ ‬بهم‭.‬

رحمك‭ ‬الله‭ ‬يا‭ ‬ابن‭ ‬عمي‭ ‬الذي‭ ‬تركت‭ ‬فراغاً‭ ‬لا‭ ‬يُسد‭.. ‬

رحم‭ ‬الله‭ ‬ضحكة‭ ‬لا‭ ‬تُنسى‭ ‬ووجهاً‭ ‬بشوشاً‭ ‬وبسمة‭ ‬لا‭ ‬تغيب‭ ‬عن‭ ‬البال‭..‬

رحم‭ ‬الله‭ ‬صوتاً‭ ‬يصدح‭ ‬بالحق‭ ‬دوماً‭..‬

رحم‭ ‬الله‭ ‬إنسانا‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬كل‭ ‬معاني‭ ‬الإنسانية‭.. ‬

رحم‭ ‬الله‭ ‬إنسانا‭ ‬له‭ ‬مواقف‭ ‬كبيرة‭ ‬وكثيرة‭ ‬لا‭ ‬يمحوها‭ ‬الزمن‭..‬

رحم‭ ‬الله‭ ‬الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬الطيب‭ ‬الخلوق،‭ ‬محظوظ‭ ‬من‭ ‬يرحل‭ ‬عن‭ ‬الدنيا‭ ‬تاركاً‭ ‬هذا‭ ‬الكم‭ ‬الكبير‭ ‬من‭ ‬الذكر‭ ‬الطيب‭ ‬والأثر‭ ‬الصالح‭.‬

أسال‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يصبر‭ ‬والدته‭ ‬على‭ ‬فراقه‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬يراعيها‭ ‬ويحنو‭ ‬عليها‭.. ‬وأن‭ ‬يصبر‭ ‬أختي‭ ‬على‭ ‬ألم‭ ‬فراقك‭ ‬فألم‭ ‬الفقد‭ ‬عندها‭ ‬عظيم‭.. ‬

ربي‭ ‬اجعله‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬درجات‭ ‬الجنان‭ ‬فالحزن‭ ‬عليه‭ ‬كبير‭.. ‬

‭(‬ولا‭ ‬حول‭ ‬لنا‭ ‬ولا‭ ‬قوة‭ ‬إلا‭ ‬بالله‭ ‬وإنا‭ ‬لله‭ ‬وأنا‭ ‬اليه‭ ‬راجعون‭).‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news