العدد : ١٥٨٨٧ - الثلاثاء ٢١ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤٣هـ

العدد : ١٥٨٨٧ - الثلاثاء ٢١ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤٣هـ

مقالات

بريد الموت

بقلم: المحامية د، هنادي عيسى الجودر

الأحد ٠١ ٢٠٢١ - 02:00

في‭ ‬منظومة‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬يُعدّ‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الصحة‭ ‬من‭ ‬الحقوق‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تقتضي‭ ‬تعزيزاً‭ ‬واحتراماً‭ ‬وحمايةً‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الدولة‭ ‬لارتباطه‭ ‬الوثيق‭ ‬والمباشر‭ ‬بالحقوق‭ ‬الأساسية‭ ‬الأخرى‭ ‬وأهمها‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬وهو‭ ‬الحق‭ ‬الأسمى‭ ‬الذي‭ ‬بفقده‭ ‬تنتهي‭ ‬بقية‭ ‬الحقوق‭ ‬الأخرى،‭ ‬والقول‭ ‬بارتباط‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الصحة‭ ‬بالحق‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬أمر‭ ‬خبرته‭ ‬البشرية‭ ‬بشكل‭ ‬جاد،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬انتشار‭ ‬الأوبئة‭ ‬القاتلة‭ ‬كالطاعون‭ ‬وأمراض‭ ‬الانفلونزا‭ ‬المختلفة‭ ‬ونقص‭ ‬المناعة‭ ‬المكتسبة‭ ‬الخ،‭ ‬التي‭ ‬أودت‭ ‬بحياة‭ ‬أعداد‭ ‬كبيرة‭ ‬جداً‭ ‬من‭ ‬المصابين‭ ‬بها‭ ‬والتي‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬الأثر‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬الوعي‭ ‬بهذه‭ ‬الرابطة‭ ‬منذ‭ ‬القدم،‭ ‬أوَ‭ ‬ليس‭ ‬الأمراض‭ ‬والأوجاع‭  ‬كلها‭ -‬فيما‭ ‬رُوي‭ ‬عن‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلّم‭- ‬بريد‭ ‬الموت؟

لذلك‭ ‬يُدرك‭ ‬ويلمس‭ ‬الخاضعون‭ ‬لولاية‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬القضائية‭ ‬من‭ ‬مواطنين‭ ‬ومقيمين‭ ‬حجم‭ ‬عناية‭ ‬المملكة‭ ‬بالحق‭ ‬في‭ ‬الصحة‭ ‬قبل‭ ‬وبعد‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا،‭ ‬وإن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬تفاصيل‭ ‬هذه‭ ‬العناية‭ ‬الشاملة‭ ‬للحق‭ ‬يطول‭ ‬وتفاصيله‭ ‬كثيرة‭ ‬وعظيمة،‭ ‬وسيتناول‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬ما‭ ‬وصلت‭ ‬إليه‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬تعزيز‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الصحة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬انتشار‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭ ‬وظلالها‭ ‬التي‭ ‬ألقتها‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬أصعدة‭ ‬مختلفة،‭ ‬وأثر‭ ‬وفاء‭ ‬المملكة‭ ‬بتعهداتها‭ ‬الدولية‭ ‬تجاه‭ ‬هذا‭ ‬الحق‭ ‬بموجب‭ ‬مصادقتها‭ ‬على‭ ‬العهد‭ ‬الدولي‭ ‬الخاص‭ ‬بالحقوق‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والثقافية‭.‬

وتأتي‭ ‬موافقة‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬الانضمام‭ ‬إلى‭ ‬العهدين‭ ‬الدوليين‭ ‬الخاصين‭ ‬بحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وغيرهما‭ ‬من‭ ‬الوثائق‭ ‬الدولية‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬لتُعرب‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬جدّية‭ ‬وإقدام‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬صون‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬حيث‭ ‬وافقت‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬على‭ ‬الانضمام‭ ‬إلى‭ ‬العهد‭ ‬الدولي‭ ‬الثاني‭ ‬بموجب‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ ‬10‭ ‬لسنة‭ ‬2007،‭ ‬والذي‭ ‬تضمّنت‭ ‬أحكامه‭ ‬بيان‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬التي‭ ‬تقتضي‭ ‬تدخلاً‭ ‬إيجابياً‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬والتي‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬نصيب‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الميزانية‭ ‬العامة‭ ‬للدولة،‭ ‬وأهمها‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الصحة‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬تبد‭ ‬الدولة‭ ‬أي‭ ‬تحفظات‭ ‬عليه،‭ ‬والذي‭ ‬نصّت‭ ‬عليه‭ ‬المادة‭ (‬12‭) ‬من‭ ‬العهد‭ ‬كالآتي‭: (‬تقر‭ ‬الدول‭ ‬الأطراف‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العهد‭ ‬بحق‭ ‬كل‭ ‬إنسان‭ ‬في‭ ‬التمتع‭ ‬بأعلى‭ ‬مستوى‭ ‬من‭ ‬الصحة‭ ‬الجسمية‭ ‬والعقلية‭ ‬يمكن‭ ‬بلوغه‭...) ‬وذلك‭ ‬باتخاذ‭ ‬تدابير‭ ‬عدّة،‭ ‬منها‭ ‬الوقاية‭ ‬من‭ ‬الأمراض‭ ‬الوبائية‭ ‬والمتوطنة‭ ‬والمهنية‭ ‬والأمراض‭ ‬الأخرى‭ ‬وعلاجها‭ ‬ومكافحتها،‭ ‬وتهيئة‭ ‬ظروف‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬تأمين‭ ‬الخدمات‭ ‬الطبية‭ ‬والعناية‭ ‬الطبية‭ ‬للجميع‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬المرض،‭ ‬حيث‭ ‬خطت‭ ‬المملكة‭ ‬خطوات‭ ‬متقدمة‭ ‬جداً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬المنامة‭ (‬مدينة‭ ‬صحيّة‭) ‬بإعلانٍ‭ ‬من‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭.‬

والمعلوم‭ ‬أن‭ ‬التزامات‭ ‬الدول‭ ‬ومنها‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬بصون‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬تختلف‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬الأوضاع‭ ‬العادية‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬الأوضاع‭ ‬الاستثنائية،‭ ‬إذ‭ ‬تقتضي‭ ‬الأخيرة‭  ‬مواجهة‭ ‬طارئة‭ ‬بتشريعات‭ ‬واستعدادات‭ ‬مادية‭ ‬ولوجستية‭ ‬كبيرة،‭ ‬تماماً‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬حينما‭ ‬داهمتنا‭ ‬الجائحة‭ ‬وتحوراتها،‭ ‬حيث‭ ‬تصدّت‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬بحرفية‭ ‬وحرفنة‭ ‬المستعدّ‭ ‬الذي‭ ‬وضع‭ ‬سيناريوهات‭ ‬مفترضة‭ ‬مسبقاً‭ ‬وأعدّ‭ ‬العدّة‭ ‬لمواجهتها،‭ ‬فواجهت‭ ‬الجائحة‭ ‬بكفاءة‭ ‬المتخصص‭ ‬إدارياً‭ ‬ومهنياً‭ ‬وفنياً‭ ‬وبتعاون‭ ‬كبير‭ ‬بين‭ ‬السلطة‭ ‬والأفراد،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أوصل‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬آمنة‭  ‬وسالمة‭ ‬عبر‭ ‬المرور‭ ‬بطرق‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬سهلة‭ ‬أبدا‭ ‬ولكننا‭ ‬وصلنا‭ ‬بسلام‭ ‬ولله‭ ‬الحمد‭ ‬ولذوي‭ ‬الفضل‭ ‬الشكر‭ ‬والتقدير‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتهم‭ ‬القائد‭ ‬الشاب‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬الأمين‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬الموقر‭.‬

وقد‭ ‬ترتب‭ ‬على‭ ‬تصدي‭ ‬واقتراب‭ ‬هزيمة‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬لجائحة‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭ ‬ومستجداتها،‭ ‬أن‭ ‬أثبتت‭ ‬المملكة‭ ‬قوتها‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬الانتصار‭ ‬وبأن‭ ‬مكانتها‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي‭ ‬تأتي‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬المقدمة‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الصحة،‭ ‬وقد‭ ‬لفتت‭ ‬جهودها‭ ‬تلك‭ ‬أنظار‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي،‭ ‬كما‭ ‬حظيت‭ ‬باعتراف‭ ‬وتقدير‭ ‬دولي‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬زيارة‭ ‬معالي‭ ‬الدكتور‭ ‬تيدروس‭ ‬أدهانوم‭ ‬غيبريسوس‭ ‬المدير‭ ‬العام‭ ‬لمنظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬للاطلاع‭ ‬على‭ ‬تجربة‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬التصدي‭ ‬للجائحة‭ ‬وأثرها‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬انتشار‭ ‬الجائحة،‭ ‬والإسهام‭ ‬في‭ ‬حفظ‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬وسلامة‭ ‬المواطنين‭ ‬والمقيمين،‭ ‬وقد‭ ‬جاء‭ ‬ذلك‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬افتتاح‭ ‬معاليه‭ ‬مكتب‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬بالمملكة‭ ‬الذي‭ ‬يؤمل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬دور‭ ‬إقليمي‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬تطوير‭ ‬ودفع‭ ‬المشاريع‭ ‬الصحية‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬التنموية‭ ‬المشتركة‭ ‬للقطاعات‭ ‬الصحية،‭ ‬حيث‭ ‬حققت‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬هذه‭ ‬النجاحات‭ ‬عبر‭ ‬إدارة‭ ‬شمولية‭ ‬وازنت‭ ‬بين‭ ‬حماية‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الجائحة‭ ‬وبين‭ ‬الأخذ‭ ‬بالاعتبار‭ ‬الآثار‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬صاحبت‭ ‬وصول‭ ‬الفيروس‭ ‬إلى‭ ‬المملكة،‭ ‬حيث‭ ‬تكبّدت‭ ‬الدولة‭ ‬تكاليف‭ ‬باهظة‭ ‬مُجنّبة‭ ‬المواطنين‭ ‬والمقيمين‭ ‬تحمّل‭ ‬أي‭ ‬تكاليف‭ ‬طارئة‭ ‬جديدة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالجائحة‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الفيروس‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬الفحص‭ ‬والتطعيم‭ ‬والعلاج‭ ‬والحجر‭ ‬الذي‭ ‬ضمنته‭ ‬الدولة‭ ‬للجميع‭ ‬بشكل‭ ‬مجاني‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تمييز‭ ‬بين‭ ‬المواطن‭ ‬وغير‭ ‬المواطن،‭ ‬بجانب‭ ‬حزمة‭ ‬كبيرة‭ ‬جداً‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬الصحية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬ساندت‭ ‬الجميع‭ ‬وهي‭ ‬لفتة‭ ‬كريمة‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬هذه‭ ‬الدولة‭ ‬وقيادتها‭ ‬الحكيمة‭.  ‬

وقد‭ ‬جاءت‭ ‬زيارة‭ ‬مدير‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬لتنطوي‭ ‬على‭ ‬إشادة‭ ‬دولية‭ ‬صريحة‭ ‬بجهود‭ ‬حكومة‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التفرّد‭ ‬في‭ ‬سبل‭ ‬التصدي‭ ‬لفيروس‭ ‬كورونا‭ ‬واتخاذ‭ ‬إجراءات‭ ‬موفقة‭ ‬كفيلة‭ ‬برصد‭ ‬انتقاله‭ ‬والتصدي‭ ‬له‭ ‬والحيلولة‭ ‬دون‭ ‬اتساع‭ ‬انتشاره،‭ ‬إشادة‭ ‬دولية‭ ‬تضاف‭ ‬إلى‭ ‬الإشادة‭ ‬الوطنية‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬مشاعر‭ ‬الطمأنينة‭ ‬التي‭ ‬تملأ‭ ‬قلوب‭ ‬جميع‭ ‬الموجودين‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬من‭ ‬مواطنين‭ ‬ومقيمين،‭ ‬فهذه‭ ‬هي‭ ‬البحرين‭ ‬التي‭ ‬نعرفها‭ ‬تحصل‭ ‬على‭ ‬الإشادة‭ ‬دائما‭ ‬عن‭ ‬استحقاق‭ ‬وجدارة،‭ ‬ونبارك‭ ‬لها‭ ‬هذا‭ ‬المنجز‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news