العدد : ١٥٨٨٧ - الثلاثاء ٢١ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤٣هـ

العدد : ١٥٨٨٧ - الثلاثاء ٢١ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤٣هـ

الاسلامي

بئست العنصرية

بقلم‭: ‬ا‭. ‬د‭. ‬أمين‭ ‬ عبداللطيف‭ ‬المليجي

الجمعة ٢٣ يوليو ٢٠٢١ - 02:00

العنصرية‭ ‬هي‭ ‬كلمة‭ ‬بغيضة‭ ‬تعكس‭ ‬كره‭ ‬الإنسان‭ ‬لأخيه‭ ‬الإنسان،‭ ‬كنت‭ ‬اعتقد‭ ‬أن‭ ‬التقدم‭ ‬التكنولوجي‭ ‬والحضاري‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬سوف‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬تأثير‭ ‬مباشر‭ ‬وإيجابي‭ ‬على‭ ‬أخلاق‭ ‬البشر‭ ‬وعلى‭ ‬نظرة‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬أخيه‭ ‬الإنسان،‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬لونه‭ ‬أو‭ ‬جنسه‭ ‬أو‭ ‬عقيدته،‭ ‬ولكن‭ ‬وللأسف‭ ‬الشديد‭ ‬أطلت‭ ‬علينا‭ ‬العنصرية‭ ‬بوجهها‭ ‬القبيح،‭ ‬وأصبحت‭ ‬جزءا‭ ‬أصيلا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الشعوب‭ ‬بلا‭ ‬استثناء،‭ ‬ويظهر‭ ‬ذلك‭ ‬جليا‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬والتي‭ ‬بلغت‭ ‬مبلغا‭ ‬عظيما‭ ‬من‭ ‬التقدم،‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬التقدم‭ ‬كان‭ ‬تقدما‭ ‬ماديا‭ ‬فقط،‭ ‬فلم‭ ‬يرتق‭ ‬بالإنسان‭ ‬الذي‭ ‬صعد‭ ‬إلى‭ ‬الفضاء،‭ ‬بل‭ ‬انحدر‭ ‬روحيا‭ ‬بالبشر‭ ‬إلى‭ ‬أسفل‭ ‬سافلين،‭ ‬وأنا‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬أعمم،‭ ‬ولكن‭ ‬اقصد‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬البشر‭.‬

ما‭ ‬دعاني‭ ‬إلى‭ ‬الكتابة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬رأينا‭ ‬من‭ ‬أحداث‭ ‬وقعت‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬القوة‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬والتي‭ ‬تقبع‭ ‬على‭ ‬قمة‭ ‬البشرية‭ ‬منذ‭ ‬حوالي‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬الزمان،‭ ‬فقد‭ ‬تبوأت‭ ‬مكانتها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أزاحت‭ ‬بريطانيا‭ ‬القوة‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬وأصبحت‭ ‬أمريكا‭ ‬حاملة‭ ‬مشعل‭ ‬الحرية‭ ‬والتقدم‭ ‬التكنولوجي‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬الشعوب‭.‬

وهذه‭ ‬الأحداث‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬الرئاسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الأخيرة،‭ ‬والتي‭ ‬أظهرت‭ ‬الوجه‭ ‬الأخر‭ ‬لأمريكا،‭ ‬الوجه‭ ‬الأبيض‭ ‬العنصري،‭ ‬فاللون‭ ‬الأبيض‭ ‬أظهر‭ ‬بغضه‭ ‬علانية‭ ‬للون‭ ‬الأسود،‭ ‬وفى‭ ‬حدث‭ ‬آخر‭ ‬قبل‭ ‬الانتخابات‭ ‬رأينا‭ ‬رجل‭ ‬الشرطة‭ ‬الأبيض‭ ‬وهو‭ ‬يجلس‭ ‬بكامل‭ ‬جسمه‭ ‬واضعا‭ ‬فخذه‭ ‬على‭ ‬رقبة‭ ‬رجل‭ ‬أسود،‭ ‬بكل‭ ‬قلب‭ ‬حقود‭ ‬عنصري‭ ‬حتى‭ ‬لفظ‭ ‬أنفاسه‭ ‬الأخيرة‭ ‬ومات‭ ‬الرجل،‭ ‬والثاني‭ ‬لا‭ ‬يتحرك‭ ‬له‭ ‬طرف‭ ‬أو‭ ‬ضمير‭ ‬لصراخ‭ ‬الرجل،‭ ‬وكيف‭ ‬ذلك؟‭ ‬وقد‭ ‬أفقدته‭ ‬عنصريته‭ ‬البغيضة‭ ‬ضميره‭ ‬وإحساسه‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬بشر‭ ‬وإنسان‭ ‬مثله‭.‬

فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬الانتخابات‭ ‬الأمريكية‭ ‬شيئا‭ ‬غريبا‭ ‬وعجيبا‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬رئيس‭ ‬البلاد‭ ‬الخاسر‭ ‬يستنفر‭ ‬أنصاره‭ ‬من‭ ‬العنصريين‭ ‬البيض،‭ ‬في‭ ‬سابقة‭ ‬لم‭ ‬تحدث‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬فقد‭ ‬أجج‭ ‬نار‭ ‬الفتنة‭ ‬والعنصرية‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬رفض‭ ‬خسارته،‭ ‬وأطلق‭ ‬العنان‭ ‬لأنصاره‭ ‬البيض‭ ‬فزحفوا‭ ‬إلى‭ ‬مبنى‭ ‬الكونجرس‭ ‬الأمريكي‭ - ‬مبنى‭ ‬الكابيتول‭ - ‬فاقتحموه‭ ‬في‭ ‬سابقة‭ ‬لم‭ ‬تشهدها‭ ‬أمريكا،‭ ‬فكانت‭ ‬الصدمة‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬بعض‭ ‬المحللين‭ ‬يخرجون‭ ‬عن‭ ‬صمتهم،‭ ‬فقد‭ ‬سمعت‭ ‬محللا‭ ‬أمريكيا‭ ‬يقول‭-‬لو‭ ‬أن‭ ‬المقتحمين‭ ‬لمبنى‭ ‬الكابيتول‭ ‬من‭ ‬ذوى‭ ‬البشرة‭ ‬السوداء‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬المسلمين‭ ‬لتم‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬عليهم‭ ‬بلا‭ ‬رحمة‭ ‬ولا‭ ‬هوادة‭-‬ولكن‭ ‬هؤلاء‭ ‬من‭ ‬البيض‭ ‬العنصريين،‭ ‬وأكرر‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬أبيض‭ ‬عنصري،‭ ‬اقتحموا‭ ‬المبنى‭ ‬وسرقوا‭ ‬أشياء‭ ‬موجودة،‭ ‬ولم‭ ‬يكتفوا‭ ‬بذلك‭ ‬بل‭ ‬أظهرت‭ ‬بعض‭ ‬الفيديوهات‭ ‬بانطلاقهم‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬يضربون‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يعارضهم‭ ‬ضربا‭ ‬مبرحا‭ ‬بلا‭ ‬رحمة‭.‬

هنا‭ ‬يظهر‭ ‬السؤال،‭ ‬أين‭ ‬هو‭ ‬تأثير‭ ‬التقدم‭ ‬على‭ ‬هؤلاء؟‭ ‬كيف‭ ‬نمى‭ ‬هؤلاء‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬ولم‭ ‬ينتبه‭ ‬لهم‭ ‬أهل‭ ‬العلم؟،‭ ‬وهم‭ ‬يدرسون‭ ‬ويحللون‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬وانطلق‭ ‬العلم‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الإنسان‭ ‬الآلي‭ ‬والتقدم‭ ‬به‭ ‬تقدما‭ ‬كبيرا،‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬إنسانا‭ ‬يتكلم‭ ‬ويتحرك‭ ‬ويقوم‭ ‬بخدمات‭ ‬كثيرة،‭ ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬له‭ ‬روح‭ ‬أو‭ ‬إحساس‭ ‬مثل‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬خلقه‭ ‬الله‭ ‬وكرمه‭ ‬على‭ ‬خلقه،‭ ‬حتى‭ ‬جعله‭ ‬مكرما‭ ‬على‭ ‬الملائكة‭ ‬عندما‭ ‬أمرهم‭ ‬الله‭ ‬بالسجود‭ ‬لآدم‭ ‬عليه‭ ‬السلام،‭ ‬أين‭ ‬هم‭ ‬علماء‭ ‬الاجتماع‭ ‬وعلم‭ ‬النفس‭ ‬وغيرهم،‭ ‬ماذا‭ ‬يفعلون؟‭ ‬أنها‭ ‬المادية‭ ‬ولا‭ ‬غيرها،‭ ‬ونسى‭ ‬هؤلاء‭ ‬الروح‭ ‬وتنميتها‭ ‬والسمو‭ ‬بأخلاق‭ ‬البشر‭ ‬والرقي‭ ‬بها‭.‬

هذا‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬به‭ ‬خير‭ ‬البشر‭ ‬سيدنا‭ ‬محمد‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم،‭ ‬فقال‭ ‬في‭ ‬حديثه‭ ‬الشريف‭ ‬‮«‬إنما‭ ‬بعثت‭ ‬لأتمم‭ ‬مكارم‭ ‬الأخلاق‮»‬‭ ‬ومن‭ ‬مكارم‭ ‬الأخلاق‭ ‬نبذ‭ ‬العنصرية‭ ‬والعبودية،‭ ‬فلا‭ ‬فضل‭ ‬لأبيض‭ ‬على‭ ‬أسود‭ ‬الا‭ ‬بالتقوى،‭ ‬روى‭ ‬البخاري‭: ‬أن‭ ‬أبا‭ ‬ذر‭ ‬وبلالاً‭ ‬الحبشي‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنهما‭ ‬تغاضبا‭ ‬وتسابا،‭ ‬وفي‭ ‬ثورة‭ ‬الغضب‭ ‬قال‭ ‬أبو‭ ‬ذر‭ ‬لبلال‭: ‬يا‭ ‬ابن‭ ‬السوداء‭! ‬فشكاه‭ ‬بلال‭ ‬إلى‭ ‬النبي‭ - ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ -‬،‭ ‬فقال‭ ‬النبي‭ - ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ - ‬لأبي‭ ‬ذر‭: ‬‮«‬أعيرته‭ ‬بأمه؟‭ ‬إنك‭ ‬امرؤ‭ ‬فيك‭ ‬جاهلية‮»‬‭.‬

فنظرة‭ ‬العنصرية‭ ‬التي‭ ‬تراها‭ ‬في‭ ‬عين‭ ‬العنصري‭ ‬تسبب‭ ‬الما‭ ‬شديدا‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬كل‭ ‬إنسان‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬كريم،‭ ‬فما‭ ‬بال‭ ‬البشر‭ ‬يتكبرون‭ ‬ويستحقرون‭ ‬بعضهم‭ ‬البعض‭!‬،‭ ‬وهم‭ ‬جميعا‭ ‬خلقوا‭ ‬من‭ ‬تراب،‭ ‬وهم‭ ‬جميعا‭ ‬من‭ ‬أب‭ ‬واحد‭ ‬وأم‭ ‬واحدة،‭ ‬آدم‭ ‬وحواء،‭ ‬لا‭ ‬اعتقد‭ ‬أن‭ ‬العنصرية‭ ‬ستنتهي‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬مهما‭ ‬بلغ‭ ‬من‭ ‬التقدم‭ ‬العلمي‭ ‬والتكنولوجي،‭ ‬أنها‭ ‬جينات‭ ‬تتوارثها‭ ‬أجيال‭ ‬العنصريين‭ ‬حتى‭ ‬يرث‭ ‬الله‭ ‬الأرض‭ ‬ومن‭ ‬عليها،‭ ‬فبئست‭ ‬العنصرية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news