العدد : ١٥٨٨٧ - الثلاثاء ٢١ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤٣هـ

العدد : ١٥٨٨٧ - الثلاثاء ٢١ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤٣هـ

الاسلامي

لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك

بقلم‭: ‬عاطف‭ ‬الصبيحي

الجمعة ٢٣ يوليو ٢٠٢١ - 02:00

انتهينا‭ ‬في‭ ‬المقال‭ ‬السابق‭ ‬من‭ ‬ابن‭ ‬سلول‭ ‬كظاهرة‭ ‬نفاقية‭ ‬واجهت‭ ‬الرسول‭ ‬الكريم‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬المنورة‭,‬‭ ‬والقرآن‭ ‬تولى‭ ‬أمر‭ ‬النفاق‭ ‬واحتكره‭ ‬وأنبأ‭ ‬به‭ ‬الرسول‭ ‬الكريم‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬سورة‭,‬‭ ‬والبداية‭ ‬من‭ ‬البقرة‭ ‬الآية‭ ‬الثامنة‭ ‬‮«‬ومن‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬يقول‭ ‬آمنا‭ ‬بالله‭ ‬وباليوم‭ ‬الآخر‭ ‬وما‭ ‬هم‭ ‬بمؤمنين‮»‬‭ ‬ظناً‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬الناس‭ ‬أنّ‭ ‬بمقدورهم‭ ‬خداع‭ ‬الله‭ ‬والمؤمنين‭,‬‭ ‬وأنى‭ ‬لهم‭ ‬ذلك‭ ‬والله‭ ‬متولي‭ ‬أمر‭ ‬كشف‭ ‬زيفهم‭ ‬للرسول‭ ‬‮«‬يخادعون‭ ‬الله‭ ‬والذين‭ ‬آمنوا‭ ‬وما‭ ‬يخدعون‭ ‬إلا‭ ‬أنفسهم‭ ‬وما‭ ‬يشعرون‮»‬‭ ‬9‭ ‬البقرة‭,‬‭ ‬وهذا‭ ‬لعلة‭ ‬مرض‭ ‬مستحكم‭ ‬في‭ ‬قلوبهم‭ ‬‮«‬في‭ ‬قلوبهم‭ ‬مرض‭ ‬فزادهم‭ ‬الله‭ ‬مرضاً‭ ‬ولهم‭ ‬عذاب‭ ‬أليم‭ ‬بما‭ ‬كانوا‭ ‬يكذبون‮»‬‭ ‬10‭ ‬البقرة‭,‬‭ ‬كشف‭ ‬مستورهم‭,‬‭ ‬وبُنيتهم‭ ‬العقلية‭ ‬المتهافتة‭,‬‭ ‬وكذبهم‭ ‬والحالة‭ ‬المرضية‭ ‬التي‭ ‬يرزحون‭ ‬تحت‭ ‬وطأتها‭,‬‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬ثلاث‭ ‬آيات‭.‬

ومن‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬يصور‭ ‬الله‭ ‬صفة‭ ‬بغيضة‭ ‬ملأت‭ ‬عليهم‭ ‬نفوسهم‭ ‬وأوردتهم‭ ‬المهالك‭ ‬‮«‬وإذا‭ ‬قيل‭ ‬لهم‭ ‬لا‭ ‬تفسدوا‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬قالوا‭ ‬إنما‭ ‬نحن‭ ‬مصلحون‮»‬‭ ‬وهذه‭ ‬من‭ ‬أعراض‭ ‬المرض‭ ‬الاعتقادي‭ - ‬النفسي‭ - ‬رُسمت‭ ‬بهذه‭ ‬الآية‭ ‬جدارية‭ ‬المنافقين‭ ‬أخذت‭ ‬تتضح‭ ‬أكثر‭,‬‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬الصورة‭ ‬تحتاج‭ ‬الى‭ ‬ريشة‭ ‬آية‭ ‬أُخرى‭ ‬لتكتمل‭,‬‭ ‬فجاءت‭ ‬بعدها‭ ‬قارعة‭ ‬تقريرية‭ ‬‮«‬ألا‭ ‬أنهم‭ ‬هم‭ ‬المفسدون‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬يشعرون‮»‬‭ ‬12‭ ‬البقرة‭.‬

وتُتابع‭ ‬الكلمة‭ ‬القرآنية‭ ‬رسم‭ ‬ملامح‭ ‬تلك‭ ‬الشخصية‭ ‬البغيضة‭,‬‭ ‬وهذه‭ ‬المرة‭ ‬تغوص‭ ‬في‭ ‬النفوس‭ ‬والسرائر‭ ‬لتقرر‭ ‬ذلتهم‭ ‬وحيرتهم‭ ‬‮«‬وإذا‭ ‬لقوا‭ ‬الذين‭ ‬آمنوا‭ ‬قالوا‭ ‬آمنا‭ ‬وإذا‭ ‬خلوا‭ ‬إلى‭ ‬شياطينهم‭ ‬قالوا‭ ‬إنا‭ ‬معكم‭ ‬إنما‭ ‬نحن‭ ‬مستهزئون‭,‬‭ ‬الله‭ ‬يستهزئ‭ ‬بهم‭ ‬ويمدهم‭ ‬في‭ ‬طغيانهم‭ ‬يعمهون‮»‬‭ ‬15‭,‬14‭ ‬البقرة‭,‬‭ ‬وبشكل‭ ‬مباشر‭ ‬وسريع‭ ‬ليقدم‭ ‬لهم‭ ‬نتيجة‭ ‬أعمالهم‭ ‬بمثال‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬أفهامهم‭ ‬‮«‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬اشتروا‭ ‬الضلالة‭ ‬بالهدى‭ ‬فما‭ ‬ربحت‭ ‬تجارتهم‭ ‬وما‭ ‬كانوا‭ ‬مهتدين‮»‬‭ ‬16‭ ‬البقرة‭. ‬توبيخ‭ ‬وترهيب‭ ‬متضمن‭ ‬ترغيب‭ ‬للعودة‭ ‬للحق‭ ‬لمن‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يدكر‭.‬

وتشتد‭ ‬الكلمة‭ ‬وتدق‭ ‬في‭ ‬تصويرها‭ ‬لعلهم‭ ‬يتعظون‭ ‬‮«‬مثلهم‭ ‬كمثل‭ ‬الذي‭ ‬استوقد‭ ‬ناراً‭ ‬فلمّا‭ ‬أضاءت‭ ‬ما‭ ‬حوله‭ ‬ذهب‭ ‬الله‭ ‬بنورهم‭ ‬وتركهم‭ ‬في‭ ‬ظلمات‭ ‬لا‭ ‬يبصرون‮»‬‭ ‬17‭ ‬البقرة‭,‬‭ ‬والحال‭ ‬هذا‭ ‬فلا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬كثافة‭ ‬وصفية‭ ‬صاعقة‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬‮«‬صُمٌّ‭ ‬بُكمٌّ‭ ‬عُميٌّ‭ ‬فهم‭ ‬لا‭ ‬يرجعون‮»‬‭ ‬18‭ ‬البقرة‭,‬‭  ‬وهنا‭ ‬الخسران‭ ‬المبين‭ ‬بأنهم‭ ‬لا‭ ‬يرجعون‭,‬‭ ‬وكيف‭ ‬يتأتى‭ ‬لهم‭ ‬ذلك‭ ‬وهم‭ ‬فاقدو‭ ‬وسائل‭ ‬وآليات‭ ‬العودة‭ ‬وأهمها‭ ‬السمع‭.‬

حيرتهم‭ ‬وتخبطهم‭ ‬واضطرابهم‭ ‬وتأرجحهم‭ ‬بين‭ ‬الخوف‭ ‬والأمن‭ ‬وتذبذبهم‭ ‬بين‭ ‬اليأس‭ ‬والأمل‭ ‬تم‭ ‬رصدها‭ ‬بكلمات‭ ‬لا‭ ‬تُغني‭ ‬كاميرا‭ ‬عنه‭,‬‭ ‬خوف‭ ‬ووجل‭ ‬من‭ ‬الصيب‭ ‬المرعب‭ ‬والبرق‭ ‬الخاطف‭ ‬للأبصار‭ ‬الذي‭ ‬خلق‭ ‬لهم‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التيه‭ ‬بين‭ ‬التقدم‭ ‬والوقوف‭,‬‭ ‬والرعد‭ ‬أرغمهم‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬أصابعهم‭ ‬في‭ ‬آذانهم‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬الوقاية‭ ‬من‭ ‬زلزلة‭ ‬الصوت‭ ‬‮«‬أو‭ ‬كصيب‭ ‬من‭ ‬السماء‭ ‬فيه‭ ‬ظلمات‭ ‬ورعد‭ ‬وبرق‭ ‬يجعلون‭ ‬أصابعهم‭ ‬في‭ ‬آذانهم‭ ‬من‭ ‬الصواعق‭ ‬حذر‭ ‬الموت‭,‬‭ ‬والله‭ ‬محيط‭ ‬بالكافرين‮»‬‭ ‬إحاطة‭ ‬لا‭ ‬يسمن‭ ‬معها‭ ‬حذر‭ ‬ولا‭ ‬يغني‭ ‬منها‭ ‬أصبع‭ ‬يوضع‭ ‬في‭ ‬أُذن‭,‬‭ ‬فأين‭ ‬المفر‭ ‬مما‭ ‬كسبت‭ ‬أيديكم؟‭!‬

وتتابعت‭ ‬الآيات‭ ‬التصويرية‭ ‬لحالة‭ ‬هؤلاء‭ ‬في‭ ‬سور‭ ‬كثيرة‭,‬‭ ‬نُجمل‭ ‬صورتهم‭ ‬كما‭ ‬وردت‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الآيات‭,‬‭ ‬ففي‭ ‬النساء‭ ‬صوّر‭ ‬البندولية‭ ‬التي‭ ‬يعيشونها‭ ‬بين‭ ‬الإيمان‭ ‬والكفر‭ ‬بدقة‭ ‬متناهية‭ ‬‮«‬الذين‭ ‬آمنوا‭ ‬ثم‭ ‬كفروا‭ ‬ثم‭ ‬آمنوا‭ ‬ثم‭ ‬كفروا‭ ‬ثم‭ ‬ازدادوا‭ ‬كفراً‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الله‭ ‬ليغفر‭ ‬لهم‭ ‬ولا‭ ‬ليهديهم‭ ‬سبيلا‮»‬‭ ‬137‭ ‬النساء‭,‬‭ ‬حياة‭ ‬لا‭ ‬استقرار‭ ‬فيها‭ ‬ومصير‭ ‬أخروي‭ ‬بائس‭ ‬وأي‭ ‬بؤس‭,‬‭ ‬وحتى‭ ‬صلاتهم‭ ‬المخادعة‭ ‬لم‭ ‬تُترك‭ ‬بدون‭ ‬توثيق‭ ‬كأنه‭ ‬تصوير‭ ‬واقعي‭ ‬يحسونه‭ ‬من‭ ‬أنفسهم‭ ‬واقعاً‭ ‬‮«‬إنّ‭ ‬المنافقين‭ ‬يُخادعون‭ ‬الله‭ ‬وهو‭ ‬خادعهم‭ ‬وإذا‭ ‬قاموا‭ ‬إلى‭ ‬الصلاة‭ ‬قاموا‭ ‬كُسالى‭ ‬يراءون‭ ‬الناس‭ ‬ولا‭ ‬يذكرون‭ ‬الله‭ ‬إلا‭ ‬قليلا‮»‬‭ ‬142‭ ‬النساء‭.‬

ولأنّ‭ ‬الله‭ ‬كتب‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬الرحمة‭ ‬فإنه‭ ‬سبحانه‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬التشنيع‭ ‬إلا‭ ‬أنّ‭ ‬رحمته‭ ‬استوجبت‭ ‬فتح‭ ‬باب‭ ‬التوبة‭ ‬لهم‭ ‬‮«‬إنّ‭ ‬المنافقين‭ ‬في‭ ‬الدرك‭ ‬الأسفل‭ ‬من‭ ‬النار‭ ‬ولن‭ ‬تجد‭ ‬لهم‭ ‬نصيراً‮»‬‭ ‬145‭ ‬النساء‭,‬‭ ‬نبأهم‭ ‬بمآلهم‭ ‬الذي‭ ‬تقشعر‭ ‬منه‭ ‬الأبدان‭,‬‭ ‬وهبت‭ ‬نسمات‭ ‬الرحمة‭ ‬مُشرعة‭ ‬باب‭ ‬الرجاء‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬أبى‭ ‬‮«‬إلا‭ ‬الذين‭ ‬تابوا‭ ‬وأصلحوا‭ ‬واعتصموا‭ ‬بالله‭ ‬وأخلصوا‭ ‬دينهم‭ ‬لله‭ ‬فأولئك‭ ‬مع‭ ‬المؤمنين‭ ‬وسوف‭ ‬يؤتِ‭ ‬الله‭ ‬المؤمنين‭ ‬أجراً‭ ‬عظيماً‮»‬‭ ‬146‭ ‬النساء‭,‬‭ ‬توبة‭ ‬وإقلاع‭ ‬يتبعه‭ ‬إصلاح‭ ‬ضمن‭ ‬وحدة‭ ‬الصف‭ ‬مشفوع‭ ‬بإخلاص‭ ‬خالص‭ ‬لله‭,‬‭ ‬فإنه‭ ‬يصبح‭ ‬مستحقا‭ ‬لصفة‭ ‬المؤمن‭ ‬المُتحصل‭ ‬على‭ ‬الأجر‭ ‬العظيم‭.‬

كل‭ ‬هذا‭ ‬والرسول‭ ‬الكريم‭ ‬عنون‭ ‬استراتيجيته‭ ‬معهم‭ ‬بالعفو‭,‬‭ ‬وحتى‭ ‬لا‭ ‬يُقال‭ ‬أنّ‭ ‬محمداً‭ ‬يقتل‭ ‬أصحابه‭,‬‭ ‬فهذا‭ ‬هو‭ ‬الفهم‭ ‬الشفيف‭ ‬للآيات‭ ‬التي‭ ‬نثرت‭ ‬صفات‭ ‬المنافقين‭ ‬على‭ ‬الملأ‭,‬‭ ‬ولكن‭ ‬مع‭ ‬فتح‭ ‬باب‭ ‬التوبة‭ ‬والإنابة‭ ‬على‭ ‬مصراعيه‭ ‬لمن‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬قلب‭ ‬أو‭ ‬ألقى‭ ‬السمع‭ ‬وهو‭ ‬شهيد‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news