العدد : ١٥٨٨٧ - الثلاثاء ٢١ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤٣هـ

العدد : ١٥٨٨٧ - الثلاثاء ٢١ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤٣هـ

حديث القلب

حامد عزت الصياد

هبوط الوحي

لا‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬يتحمل‭ ‬هذه‭ ‬الأمانة‭ ‬العظيمة‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬سلاسة‭ ‬ويسر‭ ‬وتلطف‭!‬

في‭ ‬أي‭ ‬موقف‭ ‬سيكون‭ ‬حالك‭ ‬حين‭ ‬ترى‭ ‬نفسك‭ ‬وحيدا‭ ‬في‭ ‬خلوة‭ ‬من‭ ‬التعبد،‭ ‬داخل‭ ‬روضة‭ ‬مطهرة،‭ ‬يحيطها‭ ‬فضاء‭ ‬مترامي‭ ‬الأطراف،‭ ‬وأنت‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬قمة‭ ‬من‭ ‬الجبل،‭ ‬منعزلا‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬الناس‭ ‬شهرا‭ ‬كاملا؟

نعم،‭ ‬ستكون‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي‭ ‬من‭ ‬دوار‭ ‬الجبل،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬فيك‭ ‬من‭ ‬روحانية‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬التوحيد‭ ‬الخالص‭ ‬حين‭ ‬تحياها‭ ‬بصدق‭ ‬وتجرد،‭ ‬لكنها‭ ‬تختلف‭ ‬عندك‭ ‬باختلاف‭ ‬درجة‭ ‬العزائم‭ ‬والإرادات،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬شك‭ ‬أنك‭ ‬ستشعر‭ ‬بالعجز‭ ‬حتما،‭ ‬عن‭ ‬فعل‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬الصادق‭ ‬الأمين‭ ‬‮«‬محمد‮»‬‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬هذا‭ ‬الجبل،‭ ‬ويظل‭ ‬حالك‭ ‬هكذا‭ -‬وأنت‭ ‬من‭ ‬ديار‭ ‬أحرار‭- ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬نفسك‭ ‬من‭ ‬صفاء‭ ‬ذهن‭ ‬إلى‭ ‬فراغ‭ ‬هدف،‭ ‬ومن‭ ‬تحليل‭ ‬أولويات‭ ‬إلى‭ ‬معالجة‭ ‬منهج،‭ ‬ومن‭ ‬علاقات‭ ‬قرابة‭ ‬إلى‭ ‬مفردات‭ ‬توهج،‭ ‬وقد‭ ‬استبد‭ ‬بك‭ ‬الخوف‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كنت‭ ‬تحيا‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬والسلوك‭ ‬المضطرب‭ ‬تلازم‭ ‬خطواتك‭ ‬وأفعالك‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭. ‬

هذا‭ ‬الواقع‭ ‬ليس‭ ‬أضغاث‭ ‬أحلام،‭ ‬ولا‭ ‬معتقد‭ ‬أوهام،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬حقيقة‭ ‬واقعة‭ ‬لقدراتك‭ ‬المحدودة،‭ ‬بخلاف‭ ‬هذا‭ ‬الأمين‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬الواثق‭ ‬من‭ ‬نفسه،‭ ‬حين‭ ‬خاض‭ ‬غمار‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬الإيمانية‭ ‬الفريدة‭ ‬نيابة‭ ‬عن‭ ‬أمة‭ ‬تنتمي‭ ‬إليها‭ ‬بشغف‭ ‬وأمل‭ ‬ومحبة،‭ ‬ولم‭ ‬لا؟‭! ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬أكثر‭ ‬الناس‭ ‬شهامة‭ ‬ومروءة‭ ‬في‭ ‬قريش‭ ‬كلها،‭ ‬وأكثرهم‭ ‬حرصا‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬العهد،‭ ‬والذمة،‭ ‬والجوار،‭ ‬وبذل‭ ‬المعروف،‭ ‬وإكرام‭ ‬الضيف،‭ ‬وإعانة‭ ‬الضعيف،‭ ‬وغوث‭ ‬الملهوف،‭ ‬وصلة‭ ‬الرحم،‭ ‬حتى‭ ‬أشرقت‭ ‬عليه‭ ‬أنوار‭ ‬النبوة،‭ ‬وصارت‭ ‬تلك‭ ‬المغارة‭ ‬الضيقة‭ ‬الذي‭ ‬تحنث‭ ‬فيها‭ ‬لله‭ ‬عز‭ ‬وجل‭ ‬أياما‭ ‬وليالي‭ ‬بحجم‭ ‬الكون‭ ‬اتساعا،‭ ‬وأصبحت‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬رمزا‭ ‬لمهبط‭ ‬الوحي،‭ ‬وحاضنة‭ ‬لكتاب‭ ‬الله‭ ‬عز‭ ‬وجل،‭ ‬وإلهاما‭ ‬لمشرق‭ ‬النور‭. ‬

مغارة‭ ‬كانت‭ ‬فاتحة‭ ‬لتجفيف‭ ‬منابع‭ ‬التعصب،‭ ‬وتحطيم‭ ‬القساوة،‭ ‬ومحاربة‭ ‬الجهل،‭ ‬وتقديم‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬عوضا‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬بـ«اقرأ‮»‬،‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬بناء‭ ‬روحانية‭ ‬أكسبتنا‭ ‬كأمة‭ ‬مسلمة‭ ‬العزة،‭ ‬والشرف،‭ ‬والفخار،‭ ‬والمجد،‭ ‬وأكدت‭ ‬الحضور‭ ‬الواعي‭ ‬لقدسية‭ ‬الكلمة،‭ ‬وبرهنت‭ ‬على‭ ‬مداخلة‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬خلق‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬علق‭ ‬لأول‭ ‬مرة،‭ ‬وكيف‭ ‬نفهم‭ ‬من‭ ‬إعلان‭ ‬التوحيد‭ ‬الخالص‭ ‬نبذ‭ ‬الشرك‭ ‬وبين‭ ‬الإقرار‭ ‬بإله‭ ‬واحد‭ ‬وجود‭ ‬صلة‭ ‬كريمة‭ ‬بين‭ ‬سبات‭ ‬أمة‭ ‬ونهوض‭ ‬رسالة،‭ ‬وبين‭ ‬يقظة‭ ‬قلب‭ ‬واحترام‭ ‬إرادة‭ ‬تغيير‭ ‬المجتمع‭ ‬الجاهلي‭ ‬إلى‭ ‬الأفضل،‭ ‬وكيف‭ ‬نفهم‭ ‬أيضا‭ ‬انغماس‭ ‬القلم‭ ‬على‭ ‬الورق‭ ‬كصيرورة‭ ‬إنسانية‭ ‬نحو‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬العبودية‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬المعرفة،‭ ‬وأن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬واهب‭ ‬الوجود‭ ‬هو‭ ‬الأعز‭ ‬الأكرم‭. ‬

مغارة‭ ‬عظيمة‭ ‬خصها‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬باحتضان‭ ‬هذا‭ ‬النور،‭ ‬لها‭ ‬سلوك‭ ‬وأفعال،‭ ‬ومصدر‭ ‬إلهام،‭ ‬ومفردات‭ ‬تاريخ،‭ ‬وأداة‭ ‬تأمل،‭ ‬حوت‭ ‬علوما‭ ‬بالدلالة‭ ‬المفردة،‭ ‬وأداة‭ ‬لغة‭ ‬يلتجئ‭ ‬إليها‭ ‬الإنسان‭ ‬حين‭ ‬تخونه‭ ‬أدوات‭ ‬اللغة‭ ‬المألوفة،‭ ‬وحالة‭ ‬مستعصية‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬ما‭ ‬دار‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬أحداث،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬وقائع‭ ‬بحث‭ ‬ما‭ ‬تقدم،‭ ‬يظل‭ ‬الصادق‭ ‬الأمين‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬هو‭ ‬القول‭ ‬الفصل،‭ ‬ونداء‭ ‬الكمال،‭ ‬وسيد‭ ‬المعنى،‭ ‬فلربما‭ ‬قطع‭ ‬وعدا‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬بنظافة‭ ‬الحرم‭ ‬الشريف‭ ‬من‭ ‬الأصنام،‭ ‬وطهارة‭ ‬الكعبة‭ ‬من‭ ‬الأوثان‭ ‬والأزلام،‭ ‬ولربما‭ ‬أدار‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المغارة‭ ‬حوارا‭ ‬مع‭ ‬نفسه‭ ‬عن‭ ‬كيفية‭ ‬نهوض‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬أمراض‭ ‬الجاهلية‭ ‬الأولى،‭ ‬إلى‭ ‬حياة‭ ‬أكثر‭ ‬أمانا‭ ‬واستقرارا،‭ ‬استمرت‭ ‬شهرا‭ ‬كاملا‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬السنوات‭ ‬غاب‭ ‬عنا‭ ‬إحصاؤها‭.‬

أقسى‭ ‬المحن‭ ‬التي‭ ‬يبتلينا‭ ‬الله‭ ‬عز‭ ‬وجل‭ ‬بها‭ ‬تنطوي‭ ‬في‭ ‬دواخلنا‭ ‬على‭ ‬إرهاص‭ ‬باليأس‭ ‬وفقدان‭ ‬الأمل‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬ربي،‭ ‬وكأنما‭ ‬صلابة‭ ‬عزيمتنا‭ ‬لا‭ ‬ترقى‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نقارنها‭ ‬بصلابة‭ ‬الصفيح‭ ‬الساخن‭ ‬حين‭ ‬يعلوه‭ ‬الصدأ‭ ‬أمام‭ ‬أي‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬لا‭ ‬تؤهلنا‭ ‬هذه‭ ‬المحن‭ ‬امعاودة‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الأمور‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬فلا‭ ‬نراجع‭ ‬هدفا،‭ ‬ولا‭ ‬نحقق‭ ‬غاية،‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬دواخلنا‭ ‬كأفراد‭. ‬

في‭ ‬الختام،‭ ‬ذروة‭ ‬الصلابة‭ ‬لهذا‭ ‬المعنى‭ ‬حملها‭ ‬الصادق‭ ‬الأمين‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬كنبي‭ ‬مرسل‭ ‬من‭ ‬ربه‭ ‬بشيرا‭ ‬ونذير‭ ‬ورحمة‭ ‬للعالمين،‭ ‬فقد‭ ‬تحمل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المشاق‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬هذا‭ ‬الجبل‭ ‬وحده‭ ‬حتى‭ ‬هبط‭ ‬عليه‭ ‬الوحي‭ ‬الأمين‭ ‬‮«‬جبريل‮»‬‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬مرسلا‭ ‬من‭ ‬ربه‭ ‬جل‭ ‬وعلا،‭ ‬وقد‭ ‬رآه‭ ‬شاخصا‭ ‬أمام‭ ‬عينيه‭ ‬في‭ ‬ليلة‭ ‬السابع‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬داخل‭ ‬الغار،‭ ‬يقول‭ ‬له‭: ‬‮«‬اقرأ‮»‬،‭ ‬فأجابه‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭: ‬‮«‬ما‭ ‬أنا‭ ‬بقارئ‮»‬،‭ ‬فأمسك‭ ‬به‭ ‬‮«‬جبريل‮»‬‭ ‬ثانية‭ ‬وضمه‭ ‬إليه‭ ‬حتى‭ ‬بلغ‭ ‬منه‭ ‬الجهد،‭ ‬ثم‭ ‬تركه،‭ ‬وطلب‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬‮«‬يقرأ‮»‬،‭ ‬فأجابه‭: ‬‮«‬ما‭ ‬أنا‭ ‬بقارئ‮»‬‭ ‬وتكرر‭ ‬معه‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬الثالثة،‭ ‬ثم‭ ‬قال‭ ‬له‭: ‬‮«‬اقْرَأْ‭ ‬بِاسْمِ‭ ‬رَبِّكَ‭ ‬الَّذِي‭ ‬خَلَقَ‮»‬‭. ‬

إقرأ أيضا لـ"حامد عزت الصياد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news