العدد : ١٥٨٩٢ - الأحد ٢٦ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤٣هـ

العدد : ١٥٨٩٢ - الأحد ٢٦ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤٣هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

ورقة من دفتري السياحي (5)

في‭ ‬سلسلة‭ ‬المقالات‭ ‬بالعنوان‭ ‬أعلاه‭ ‬أقوم‭ ‬بزيارة‭ ‬عديد‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬طفت‭ ‬بها‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬السابقة‭ ‬للحقبة‭ ‬الكوروناوية،‭ ‬التي‭ ‬عشنا‭ ‬فيها‭ ‬محبوسين‭ ‬في‭ ‬بيوتنا‭ ‬وحركتنا‭ ‬مشلولة‭ ‬أو‭ ‬محدودة‭ ‬حتى‭ ‬داخل‭ ‬المدن‭ ‬التي‭ ‬نعيش‭ ‬فيها،‭ ‬وتلك‭ ‬الزيارات‭ ‬بالضرورة‭ ‬افتراضية،‭ ‬لأنها‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الأمر‭ ‬اجترار‭ ‬لذكريات‭ ‬قديمة،‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬لي‭ ‬من‭ ‬توضيح‭ ‬انني‭ ‬لست‭ ‬حزينا‭ ‬لعدم‭ ‬قدرتي‭ ‬على‭ ‬السفر‭ ‬بسبب‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬تفادي‭ ‬الإصابة‭ ‬بالكورونا،‭ ‬فلست‭ ‬من‭ ‬هواة‭ ‬السفر،‭ ‬ليس‭ ‬نفورا‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬السياحة‮»‬،‭ ‬ولكن‭ ‬لنفوري‭ ‬من‭ ‬المطارات‭ ‬والطائرات،‭ ‬وسبحان‭ ‬الله‭ ‬كنت‭ ‬يوما‭ ‬ما‭ ‬أحس‭ ‬بأنني‭ ‬أتيت‭ ‬بما‭ ‬لم‭ ‬يستطعه‭ ‬الأوائل‭ ‬عندما‭ ‬ركبت‭ ‬الطائرة‭ ‬أول‭ ‬مرة‭ ‬وزرت‭ ‬مصر‭ ‬وبعدها‭ ‬بريطانيا،‭ ‬أما‭ ‬اليوم‭ ‬فحالي‭ ‬كحال‭ ‬المغازلجي‭ ‬المتقاعد‭ ‬الذي‭ ‬يبكي‭ ‬على‭ ‬أطلال‭ ‬شبابه‭:‬

إني‭ ‬امرؤ‭ ‬مولع‭ ‬بالحسن‭ ‬أتبعه‭ ‬‭**‬‭ ‬لا‭ ‬حظ‭ ‬لي‭ ‬منه‭ ‬إلا‭ ‬لذة‭ ‬النظر‭ ‬

‭(‬وأتذكر‭ ‬هنا‭ ‬الصديقين‭ ‬اللذين‭ ‬تجاوزا‭ ‬الثمانين‭ ‬وكانا‭ ‬يجلسان‭ ‬في‭ ‬حديقة‭ ‬عامة‭ ‬وتمر‭ ‬بهما‭ ‬أسراب‭ ‬الحسان،‭ ‬فتساءل‭ ‬أحدهما‭: ‬هل‭ ‬تذكر‭ ‬عندما‭ ‬كنا‭ ‬نأتي‭ ‬هنا‭ ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬ستين‭ ‬سنة‭ ‬ونطارد‭ ‬الفتيات‭ ‬بمعسول‭ ‬الكلام؟‭ ‬فقال‭ ‬الآخر‭: ‬نعم‭ ‬أذكر‭ ‬ذلك‭ ‬ولكنني‭ ‬لا‭ ‬أذكر‭ ‬لماذا‭ ‬كنا‭ ‬نفعل‭ ‬ذلك‭).‬

المهم‭: ‬توقفنا‭ ‬يوم‭ ‬أمس‭ ‬عند‭ ‬محطة‭ ‬زيارتي‭ ‬الأولى‭ ‬للندن‭ ‬وما‭ ‬صاحبها‭ ‬من‭ ‬صدام‭ ‬حضارات‭ ‬تمثّل‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬معرفتي‭ ‬بكيفية‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬مخترعات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬مثل‭ ‬القطارات‭ ‬التي‭ ‬تمشي‭ ‬تحت‭ ‬الأرض‭ ‬والسلم‭ ‬الكهربائي‭ ‬متحرك‭ ‬الدرجات‭ ‬والهاتف‭ ‬الذي‭ ‬يرد‭ ‬تلقائيا‭ ‬على‭ ‬المكالمات‭ ‬لأنه‭ ‬مزود‭ ‬بخاصية‭ ‬التسجيل‭ ‬الصوتي،‭ ‬وقد‭ ‬تمكنت‭ ‬وبمرور‭ ‬الوقت‭ ‬على‭ ‬التأقلم‭ ‬مع‭ ‬تلك‭ ‬الأشياء،‭ ‬ولكنني‭ ‬عشت‭ ‬طوال‭ ‬فترة‭ ‬بقائي‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الزمان‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬رعب‭ ‬من‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعج‭ ‬وتضج‭ ‬بكلاب‭ ‬ضخمة‭ ‬الكراديس‭ ‬تمشي‭ ‬على‭ ‬أرصفة‭ ‬الشوارع‭ ‬مع‭ ‬أصحابها‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬تزويد‭ ‬الكلب‭ ‬بمقود‭ ‬إلزاميا‭ ‬وقتها‭.‬

ثم‭ ‬كان‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أمر‭ ‬جاري‭ ‬الإنجليزي‭ ‬الكهل‭ ‬الذي‭ ‬استوقفني‭ ‬ذات‭ ‬صباح‭ ‬وسألني‭ ‬عن‭ ‬بلدي‭ ‬وما‭ ‬ان‭ ‬عرف‭ ‬انني‭ ‬من‭ ‬السودان‭ ‬حتى‭ ‬طفق‭ ‬يحكي‭ ‬لي‭ ‬عن‭ ‬ذكرياته‭ ‬فيه‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬جنديا‭ ‬شابا‭ ‬في‭ ‬الجيش‭ ‬البريطاني‭ ‬ومرابطا‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬السودان‭ ‬ومصر،‭ ‬ثم‭ ‬دعاني‭ ‬لكوب‭ ‬شاي‭ ‬في‭ ‬بيته‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬معلوم‭ ‬اتفقنا‭ ‬حوله،‭ ‬وفي‭ ‬ذاك‭ ‬اليوم‭ ‬المعلوم‭ ‬وتوقيت‭ ‬الزيارة‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬محددا‭ ‬بالدقيقة‭ ‬والثانية‭ ‬طرقت‭ ‬الباب‭ ‬جاء‭ ‬الرجل‭ ‬ومن‭ ‬خلفه‭ ‬كلب‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬ثور‭ ‬هولشتاين،‭ ‬فتراجعت‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬بضع‭ ‬خطوات‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭ ‬مع‭ ‬التأهب‭ ‬للركض‭ ‬مبتعدا‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬صاحبنا،‭ ‬ولكنه‭ ‬طمأنني‭ ‬بان‭ ‬الكلب‭ ‬ودود،‭ ‬فدخلت‭ ‬بيته‭ ‬برجلي‭ ‬اليسرى‭ ‬وأنا‭ ‬أهمهم‭: ‬اللهم‭ ‬اني‭ ‬أعوذ‭ ‬بك‭ ‬من‭ ‬الخبث‭ ‬والخبائث،‭ ‬وتابعت‭ ‬صاحب‭ ‬البيت‭ ‬تاركا‭ ‬بيني‭ ‬وبين‭ ‬الكلب‭ ‬مسافة‭ ‬‮«‬آمنة‮»‬،‭ ‬حتى‭ ‬جلست‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬الجلوس،‭ ‬وأنا‭ ‬أهمهم‭ ‬‮«‬وجعلنا‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬سدَّا‭ ‬ومن‭ ‬خلفهم‭ ‬سدا‭ ‬فأغشيناهم‭ ‬فهم‭ ‬لا‭ ‬يبصرون‮»‬،‭ ‬وظل‭ ‬الكلب‭ ‬ابن‭ ‬الكلب‭ ‬جالسا‭ ‬بين‭ ‬قدمي‭ ‬مضيفي‭ ‬لحين‭ ‬من‭ ‬الوقت،‭ ‬ثم‭ ‬تحرك‭ ‬صوبي‭ (‬دا‭ ‬جايي‭ ‬لي‭ ‬أنا‭ ‬بأه‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬عادل‭ ‬إمام‭ ‬في‭ ‬مسرحية‭ ‬شاهد‭ ‬ما‭ ‬شافش‭ ‬حاجة‭ ‬عندما‭ ‬رأى‭ ‬أسدا‭ ‬يقترب‭ ‬منه‭) ‬واقترب‭ ‬مني‭ ‬وصار‭ ‬يشمني،‭ ‬وبدأت‭ ‬في‭ ‬التعرق‭ ‬المفضي‭ ‬إلى‭ ‬فقدان‭ ‬السوائل،‭ ‬ولكن‭ ‬الرجل‭ ‬لم‭ ‬يشفق‭ ‬لحالي‭ ‬بل‭ ‬طلب‭ ‬مني‭ ‬الرجل‭ ‬ان‭ ‬أداعبه‭ ‬كي‭ ‬يصبح‭ ‬صديقي‭ ‬ويزول‭ ‬خوفي‭ ‬منه،‭ ‬فلمست‭ ‬رأسه‭ ‬بحذر‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الكلب‭ ‬الا‭ ‬ان‭ ‬قفز‭ ‬وجلس‭ ‬فوق‭ ‬حجري،‭ ‬وتخيل‭ ‬ان‭ ‬يجلس‭ ‬فوقك‭ ‬ثور‭ ‬هولندي‭ ‬له‭ ‬مخالب‭ ‬وأسنان‭ ‬حادة‭ ‬الأطراف‭ ‬كما‭ ‬المسامير‭ ‬وزنه‭ ‬يربو‭ ‬على‭ ‬الثلاثين‭ ‬كيلوجراما‭ ‬مربعا،‭ ‬ثم‭ ‬تحول‭ ‬الكلب‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬الشم‭ ‬إلى‭ ‬اللحس‭!! ‬نعم‭ ‬فقد‭ ‬بدأ‭ ‬يلحس‭ ‬خدي‭ ‬بلسان‭ ‬كورق‭ ‬السنفرة،‭ ‬والخواجة‭ ‬مبسوط‭ ‬وأنا‭ ‬أعيط،‭ ‬هو‭ ‬يقول‭: ‬هي‭ ‬لايكس‭ ‬يو‭ (‬إنه‭ ‬يحبك‭) ‬وأنا‭ ‬أقول‭ ‬في‭ ‬سري‭: ‬تلوكك‭ ‬أنت‭ ‬وهو‭ ‬سمكة‭ ‬قرش‭ ‬وتقرقش‭ ‬عظامك‭.‬

حدثت‭ ‬صديقا‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬التجربة‭ ‬المرعبة‭ ‬فقال‭ ‬لي‭: ‬لا‭ ‬تخف‭ ‬من‭ ‬كلاب‭ ‬لندن‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬عضتك،‭ ‬ولكن‭ ‬احذر‭ ‬عضة‭ ‬سواح‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news