العدد : ١٥٨٨٧ - الثلاثاء ٢١ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤٣هـ

العدد : ١٥٨٨٧ - الثلاثاء ٢١ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤٣هـ

شرق و غرب

أوروبا بين كماشة أمريكا والصين

الأربعاء ٢١ يوليو ٢٠٢١ - 02:00

بقلم‭: ‬لوك‭ ‬دي‭ ‬باروش‭ ‬

يشوب‭ ‬التوتر‭ ‬العلاقات‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحالي‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬وبعض‭ ‬الدول‭ ‬المجاورة‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬ثانية‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يصب‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬هذا‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬يواجه‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التحديات‭ ‬والرهانات‭. ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬النغمة‭ ‬حادة‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭ ‬مع‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬وسلطات‭ ‬لندن‭ ‬منذ‭ ‬خروج‭ ‬بريطانيا‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭.‬

أما‭ ‬سويسرا،‭ ‬الدولة‭ ‬الأوروبية‭ ‬المعروفة‭ ‬بانتهاج‭ ‬سياسة‭ ‬الحياد،‭ ‬فقد‭ ‬فضلت،‭ ‬بعد‭ ‬الفشل‭ ‬في‭ ‬التفاوض‭ ‬على‭ ‬اتفاقية‭ ‬إطارية‭ ‬مع‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬شراء‭ ‬طائرات‭ ‬مقاتلة‭ ‬أمريكية‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬رافال‭ ‬الفرنسية‭ ‬أو‭ ‬يوروفايتر‭.‬

تواصل‭ ‬روسيا‭ ‬أعمالها‭ ‬المزعزعة‭ ‬للاستقرار‭ ‬فيما‭ ‬يتصاعد‭ ‬الجدل‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬السبعة‭ ‬والعشرين‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬حول‭ ‬سبل‭ ‬استئناف‭ ‬الحوار‭ ‬معها‭. ‬في‭ ‬الأثناء‭ ‬تؤكد‭ ‬تركيا،‭ ‬التي‭ ‬تراجعت‭ ‬للتو‭ ‬عن‭ ‬توقيعها‭ ‬على‭ ‬الاتفاقية‭ ‬الأوروبية‭ ‬لمناهضة‭ ‬العنف‭ ‬ضد‭ ‬المرأة،‭ ‬دورها‭ ‬كجار‭ ‬مرهق‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬صعب‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬البلقان‭ ‬فقد‭ ‬تعثرت‭ ‬مفاوضات‭ ‬الانضمام‭ ‬مع‭ ‬مقدونيا‭ ‬الشمالية‭ ‬وألبانيا،‭ ‬وفي‭ ‬بلدان‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭ ‬يرتفع‭ ‬ضغط‭ ‬الهجرة‭ ‬كلما‭ ‬تحسنت‭ ‬الظروف‭ ‬المناخية‭ ‬التي‭ ‬تسهل‭ ‬عبور‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭. ‬هكذا‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬التوترات‭ ‬والتحديات‭ ‬والأزمات‭ ‬تتفاقم‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الجهات‭ ‬المحيطة‭ ‬بالاتحاد‭ ‬الأوروبي‭. ‬

لطالما‭ ‬ظل‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬يمارس‭ ‬دورا‭ ‬مؤثرا‭ ‬ومفيدا‭ ‬في‭ ‬بيئته‭ ‬الجغرافية‭ ‬والجيوسياسية‭ ‬المباشرة،‭ ‬وخاصة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أداته‭ ‬الفعالة‭ ‬والتي‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬التوسع‭ ‬وضم‭ ‬دول‭ ‬أعضاء‭ ‬جدد‭. ‬فقد‭ ‬شجعت‭ ‬آفاق‭ ‬العضوية‭ ‬المستقبلية‭ ‬الدول‭ ‬المجاورة‭ ‬على‭ ‬تبني‭ ‬الديمقراطية‭ ‬واقتصاد‭ ‬السوق‭ ‬وسيادة‭ ‬القانون‭.‬

مهد‭ ‬سقوط‭ ‬الأنظمة‭ ‬الديكتاتورية‭ ‬الجنوبية‭ ‬في‭ ‬السبعينيات‭ (‬إسبانيا‭ ‬والبرتغال‭ ‬واليونان‭) ‬ثم‭ ‬انهيار‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬السوفيتية‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬سنتي‭ ‬1989‭ ‬و1991‭ ‬الطريق‭ ‬لتوحيد‭ ‬سلمي‭ ‬وديمقراطي،‭ ‬فريد‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬لأكبر‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية‭. ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬تم‭ ‬ذلك‭ ‬تحت‭ ‬النظرة‭ ‬الخيرية‭ ‬والمهتمة‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭. ‬

يتحسر‭ ‬الكثيرون‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يعتبرونه‭ ‬تراجعا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬دور‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬على‭ ‬الساحتين‭ ‬القارية‭ ‬والدولية‭. ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬التوسع‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يعمل‭ ‬أو‭ ‬يؤتي‭ ‬أكله‭ ‬إلا‭ ‬لفترة‭ ‬قصيرة‭ ‬في‭ ‬البلقان‭. ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬يريد‭ ‬النمو‭ ‬والتوسع‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬المجاورة‭ ‬أصبحت‭ ‬تعزف‭ ‬عن‭ ‬الانضمام‭ ‬إليه‭.‬

لقد‭ ‬مرت‭ ‬نكسات‭ ‬العولمة‭ ‬الليبرالية‭ ‬بهذا،‭ ‬وخاصة‭ ‬أن‭ ‬التوسعات‭ ‬السابقة‭ ‬تم‭ ‬هضمها‭ ‬بشكل‭ ‬سيء‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬نجاحهم‭ ‬الديمقراطي‭ ‬مضمونًا‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت‭ ‬كما‭ ‬يتضح‭ ‬من‭ ‬الانحدار‭ ‬الاستبدادي‭ ‬الذي‭ ‬جسده‭ ‬فيكتور‭ ‬أوربان‭ ‬في‭ ‬المجر‭.‬

لقد‭ ‬أصبح‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬عضوية‭ ‬جديدة‭ ‬بعين‭ ‬الريبة،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭. ‬يشير‭ ‬أحدث‭ ‬استطلاع‭ ‬يوروباروميتر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬59‭%‬‭ ‬من‭ ‬الفرنسيين‭ ‬يعارضون‭ ‬أي‭ ‬ضم‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المبدأ‭. ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬النمو‭ ‬يتقلص‭ ‬الاتحاد،‭ ‬لأول‭ ‬مرة،‭ ‬مع‭ ‬رحيل‭ ‬دولة‭ ‬بارزة‭ ‬عضو‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬الخروج‭ ‬الوحيد‭. ‬في‭ ‬ظل‭ ‬توقف‭ ‬عملية‭ ‬التوسع‭ ‬وضم‭ ‬دول‭ ‬جديدة‭ ‬لم‭ ‬يضع‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬أي‭ ‬استراتيجية‭ ‬بديلة‭ ‬للتأثير‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬علماء‭ ‬الجيوبوليتك‭ ‬‮«‬الخارج‭ ‬القريب‮»‬‭.‬

تواصل‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬التظاهر‭ ‬بأن‭ ‬تركيا‭ ‬لم‭ ‬تدر‭ ‬ظهرها‭ ‬لأوروبا‭. ‬تظل‭ ‬تركيا‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬مصنفة‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬‮«‬دولة‭ ‬مرشحة‮»‬‭ ‬ويتم‭ ‬دعمها‭ ‬وفقًا‭ ‬لذلك‭. ‬أما‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة،‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬الرائدة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬فرنسا،‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬تعتبر‭ ‬‮«‬دولة‭ ‬ذات‭ ‬مكانة‭ ‬ثالثة‮»‬‭.‬

تعتبر‭ ‬سويسرا‭ ‬بلا‭ ‬شك‭ ‬قوة‭ ‬اقتصادية‭ ‬من‭ ‬الدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬ونموذجا‭ ‬للدولة‭ ‬الليبرالية‭ ‬الرائدة‭ ‬وذات‭ ‬التقاليد‭ ‬الراسخة‭ ‬غير‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تلق‭ ‬المعاملة‭ ‬التي‭ ‬تليق‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬بروكسل‭ ‬وباريس‭ ‬وبرلين‭.‬

سيكون‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬هزليًا‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬سيئًا‭ ‬للغاية‭. ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الاتحاد‭ ‬يريد،‭ ‬كما‭ ‬يدعي‭,‬‭ ‬أن‭ ‬يمارس‭ ‬نفوذه‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬تهيمن‭ ‬عليه‭ ‬المواجهة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والصين‭,‬‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬ينوي‭ ‬الدفاع‭ ‬بشكل‭ ‬فعال‭ ‬عن‭ ‬قيمه‭ ‬ومصالحه‭,‬‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬يرغب‭ ‬في‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬الازدهار‭ ‬دون‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬حرياته‭,‬‭ ‬فإنه‭ ‬يتعين‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬ثقله‭ ‬السياسي‭ ‬وأن‭ ‬يحشد‭ ‬جيرانه‭ ‬إلى‭ ‬جانبه،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬نفسه‭.‬

ألم‭ ‬يحن‭ ‬الوقت‭ ‬لإعادة‭ ‬إطلاق‭ ‬مشروع‭ ‬أوروبا‭ ‬الكبرى،‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬السياسية،‭ ‬والموحدة‭ ‬حول‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬الذي‭ ‬سيشكل‭ ‬قلبها؟‭ ‬لطالما‭ ‬طرحت‭ ‬فرنسا‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬المهمة‭ ‬ذات‭ ‬الأبعاد‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬بطريقة‭ ‬مشوشة‭. ‬فقد‭ ‬اقترح‭ ‬الرئيس‭ ‬الفرنسي‭ ‬الأسبق‭ ‬فرانسوا‭ ‬ميتران‭ ‬تلك‭ ‬الفكرة‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬جدار‭ ‬برلين‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1989‭,‬‭ ‬أي‭ ‬إنشاء‭ ‬‮«‬اتحاد‭ ‬أوروبي‮»‬‭ ‬موسع‭. ‬كان‭ ‬نيكولا‭ ‬ساركوزي‭ ‬قد‭ ‬ذكر‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬شراكة‭ ‬مميزة‮»‬‭ ‬مع‭ ‬تركيا‭. ‬اقترح‭ ‬إيمانويل‭ ‬ماكرون‭ ‬من‭ ‬جانبه‭ ‬‮«‬بنية‭ ‬أمنية‭ ‬أوروبية‮»‬‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬روسيا‭. ‬

أصبحت‭ ‬أوروبا‭ ‬ذات‭ ‬الهندسة‭ ‬المتغيرة‭ ‬حقيقة‭ ‬واقعة‭ ‬مع‭ ‬منطقة‭ ‬شينجن‭ ‬للحركة‭ ‬الحرة‭ ‬أو‭ ‬منطقة‭ ‬عملة‭ ‬اليورو،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تتمتع‭ ‬بنفس‭ ‬حدود‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭. ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هدف‭ ‬الهيكل‭ ‬الجديد‭,‬‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬منح‭ ‬مزايا‭ ‬اقتصادية‭ ‬مقابل‭ ‬سيطرة‭ ‬أفضل‭ ‬على‭ ‬تدفقات‭ ‬الهجرة‭. ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬المغرب‭ ‬وتونس‭ ‬وإسرائيل‭ ‬وأوكرانيا‭ ‬وجورجيا‭ ‬وصربيا،‭ ‬وربما‭ ‬حتى‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬أيضا،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬لها‭ ‬مصلحة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭. ‬

يجب‭ ‬أن‭ ‬يركز‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬كل‭ ‬اهتمامه‭ ‬ويعطي‭ ‬كل‭ ‬الأولوية‭ ‬لتعزيز‭ ‬استقرار‭ ‬بيئته‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تمثل‭ ‬مصدر‭ ‬قلق‭ ‬كبير‭ ‬لبروكسل‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬ترغب‭ ‬في‭ ‬ترك‭ ‬المجال‭ ‬مفتوحًا‭ ‬للتأثيرات‭ ‬الضارة‭ ‬من‭ ‬تركيا‭ ‬وروسيا‭ ‬والصين‭. ‬

 

لوبوان

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news