العدد : ١٥٧٢٤ - الأحد ١١ أبريل ٢٠٢١ م، الموافق ٢٨ شعبان ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٧٢٤ - الأحد ١١ أبريل ٢٠٢١ م، الموافق ٢٨ شعبان ١٤٤٢هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

حول من يدَّعون الأهمية

كتبت أكثر من مرة هنا قائلا إنني لا استخدم الهاتف إلا للضرورة القصوى، وليس مرد ذلك الحرص على توفير المال عوضا عن إهداره في كلام جلّه فارغ، فالمكالمات المحلية من الهواتف الثابتة الأرضية تكاد تكون بلا مقابل في جميع دول الخليج التي ظللت أتمتع بـ«عضويتها» منذ عقود، ومع هذا فإنني لا اتصل هاتفيا بأحد في أي بلد إلا لأمر ذي بال، ولكن مرده أنني أرى أن الهاتف أصبح أداة للتنصل من روابط الرحم والدم والصداقة والجيرة باللجوء الى النفاق اللاسلكي: كيف أحوالك.. شهرين ما شفناك.. حبينا نطمئن عليك!! لو كنت فعلا معنيا بأمري لضحيت بالحلقة التاسعة من المسلسل التركي الركيك، أو بالشوط الثاني من مباراة بين «نادي بهدلونا» الإسباني، وماكرينا الإيطالي، وزرتني في بيتي أو دعوتني إلى كوب شاي في بيتك. ثم جاء واتساب وأعفانا من حرج التواصل المنتظم، فلأنه خدمة مجانية فإن كثيرين يرسلون يوميا نصين أو ثلاثة من فئة «صباح/ مساء الفل» إلى من يهمهم الأمر، فصار معظمنا يرى في تلك الرسائل المنتظمة من الأحباب ما يطفئ ظمأ الشوق إليهم.

وكل هذا كوم وان تعطيني رقم هاتفك ثم لا ترد على مكالماتي كوم آخر، فهناك من يحسب أن الرد الفوري على المكالمات لا يليق بالشخصية «المهمة»، ولهذا يطنشون ما يرد إليهم من مكالماتK خاصة إذا كان ذلك في وجود آخرين حول متلقي المكالمة حتى يعرفوا انه لا يرد على كل من «هب ودب»، ومثل هذا الشخص الموهوم بـ«الأهمية»، يسعد كثيرا بوصول مكالمة من شخص يراه هو أكثر أهمية فيسارع للرد على المكالمة ليدرك الحضور hنه «واصل»، وبعد طرح خدمة البريد المسجل الصوتي في الهواتف الثابتة والجوالة، أصبح من الوجاهة أن يحول الناس هواتفهم إلى البريد الصوتي لإعطاء الانطباع بأن صاحب الهاتف «مُهم» ومش فاضي وكثير المشغوليات! حسنا اعترفنا بأنك شخص مهم ولا ترد على كل المكالمات، ولكن رجاء لا تعطيني رقم هاتفك مجددا لأنني سأشطبه من ذاكرة هاتفي الجوال ومفكرتي (عندي مفكرات صغيرة فيها أرقام أشخاص منذ نهاية الحرب العالمية الأولى).

وكثيرا ما عانيت خلال اتصالات أجريتها بعدد من الأصدقاء، فإذا بهم جميعا أصبحوا بين سحور وفطور من كبار الشخصيات: هذا الهاتف محول إلى البريد الصوتي يرجى إدخال رقم البتاع، أو ترك رسالتك، طبعا لا يمكن أن أترك رسالة لأنني لا أحب أن أتحدث مع جماد، وقبل بضع سنوات كان لي زميل في المكتب لاحظت إنه يقوم بتغيير صوته عند الرد على المكالمات ويقول عن نفسه إنه غير موجود وكان صاحبنا يملك عملا خاصا في مجال بائس وكان يقول إنه لا يليق برجل الأعمال أن يعطي الانطباع بأنه موجود دائما وبالطبع فقد فشل في العمل التجاري وأصبح متخصصا في ذم التجار. (بصراحة عندي عقدة قديمة مع المكالمات المسجلة نشأت عندما ذهبت إلى لندن أول مرة وأجريت اتصالا هاتفيا وظل صوت نسائي يقاطعني بانتظام، فشتمتها في محاولة لإسكاتها وفشلت.. وفهمت لاحقا أنني كنت أتشاجر مع شريط تسجيلي.

وللأهمية أشكال أخرى، فقبل عدة سنوات استفز هدوئي في قيادة السيارة شاب، اعترض طريق سيارتي وأرغمني على الوقوف، ثم نزل من سيارته وتهكم على طراز وشكل سيارتي وكانت سيارته جديدة تلمع، بينما كانت سيارتي في نظري من طراز «بوينغ»، وقال: لا تعطل حركة المرور بسيارتك اللي جبتها من الحراج (سوق المواد المستعملة) فقلت له: أتحداك.. نخرج كلانا أوراق ملكية سيارتينا ولو لم يتضح أن سيارتك مرهونة بنسبة 85% فسأحول سيارتي إلى بيت دجاج، ولأنني أفحمته فقد لجأ إلى الحيلة القديمة وهي الإيحاء لي بأنه شخص مهم، فقلت له لو كنت مهما فعلا لما احتجت إلى إبلاغ الناس بأهميتك، وهنا طلب مني أن ألقي نظرة على رقم لوحة سيارته فسألته: كم دفعت فيه؟ فأعجبه السؤال وقال إنه دفع فيه مبلغا من خمس خانات فقلت له: إذا كنت مهما فعلا لجاءك الرقم المميز من دون أن تدفع فيه فلسا وأنت على أي حال تستمد أهميتك من طراز ورقم السيارة، وعليه فإن مجادلتك عبث لا يليق بشخص «مهم» مثلي. كاد المسكين يموت من الغيظ ولكنه انهزم كما مرسي ابن المعلم زناتي! كم هو ممتع أن تمسح الأرض بغرٍ مغرور.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news