العدد : ١٥٨٩٢ - الأحد ٢٦ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤٣هـ

العدد : ١٥٨٩٢ - الأحد ٢٦ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤٣هـ

قضايا و آراء

الأهـمـية الاسـتراتـيـجـيـة لتنـظـيـمات الأمـن الإقـليمي

بقلم: د. أشرف محمد كشك

الخميس ١١ مارس ٢٠٢١ - 02:00

ضمن اهتمامي بقضية الأمن الإقليمي استوقفتني دراسة نوعية تناولت تلك القضية بشكل منهجي وموضوعي بعنوان «الأمن الإقليمي بين الأمن الوطني والأمن العالمي» للأستاذ الدكتور مصطفى علوي الذي أسهب في تحليل ذلك المستوى من الأمن، وبالرغم من كونها صدرت في عام 2005م بيد أنها من الدراسات الرصينة والجادة التي تصلح لتفسير تطورات ذلك المفهوم سنوات ممتدة، وواقع الأمر أن اهتمامي بتلك القضية يتجاوز كونها كانت الموضوع الرئيسي لأطروحتي للدكتوراه التي طرحت خلالها تحليلاً شاملاً لذلك المفهوم وجوانبه المختلفة وتفاعله مع مستويات الأمن الأخرى، ولكنها برأيي معركة لم تنته فصولها بعد، ما بين رؤى دولية للتحديات الأمنية وأخرى وطنية وما بينهما مستوى وسيط هو الأمن الإقليمي الذي تعبر عنه تنظيمات إقليمية تشهدها مناطق مختلفة من العالم، فما هي أهمية ذلك المستوى من الأمن وتأثيره سواء بالنسبة إلى الأمن القومي للدول أو الأمن الإقليمي أو الأمن العالمي؟ وخاصة في ضوء المستجدات الأمنية الإقليمية الراهنة؟

وبداية نجد أن ذلك المفهوم يعني ببساطة أمن مجموعة من الدول تنتمي إلى إقليم واحد وتعبر عنه أطر تنظيمية لذلك الأمن نجدها في مناطق مختلفة من العالم منها الاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي «الناتو»، وتجمع الآسيان، والاتحاد الإفريقي، وجامعة الدول العربية، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، فجميعها وإن اختلفت أهدافها وفقاً للميثاق المنشئ لها فإنه يجمعها هدف مشترك هو أنها تنظيمات لا تعبر عن مصالح مشتركة لدولها فحسب بل إنها تتكامل مع عمل المنظمة الأممية في الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين طبقاً للفصل الثامن من الميثاق الذي نص على تأسيس تلك التنظيمات ودورها في التكامل مع الأمم المتحدة في حفظ السلم والأمن الدوليين من خلال المواد 52 و53 و54 من الميثاق، وقد وجد ذلك المستوى من الأمن اهتماماً كبيراً من جانب مفكري ومنظري العلاقات الدولية من أبرزهم باري بوذان الذي يعد أحد رواد مدرسة كوبنهاجن للدراسات الأمنية؛ إذ قام بتأليف العديد من الكتب حول مفهوم الأقاليم وكيفية تفاعلها مع العالم.

وبعيداً عن المزيد في الخوض في كيفية تطور هذا المستوى من الأمن ففي تصوري أن الأمن الإقليمي يتجاوز مجرد إطار يضم مصالح الدول المتجاورة ولكنه يحقق ثلاثة أهداف استراتيجية؛ الهدف الأول: تحقيق توازن القوى الإقليمي، ففي كل الأقاليم توجد ثلاث قوى متصارعة هي القوة التدخلية التي لها مصالح تسعى للحفاظ عليها، والقوة المناوئة التي ترى أن مصالحها تتعارض مع تلك القوة التدخلية، وما بين هذه وتلك توجد القوة الموازنة التي تعبر عنها تنظيمات الأمن الإقليمي وهو ما تحدث عنه الدكتور محمد السعيد إدريس في كتابه المتميز «تحليل النظم الإقليمية: دراسة في أصول العلاقات الدولية الإقليمية» الصادر عام 2000. ويكمن دور القوة الموازنة في كونها تعمل على ضبط الصراع وعدم خروجه عن الحد المألوف، أما الهدف الثاني فيتمثل في إمكانية حسم بعض الصراعات الإقليمية في الوقت الذي ربما ترغب بعض الأطراف الدولية في الاكتفاء بإدارة تلك الصراعات مادامت لا تؤثر بشكل مباشر على أمنها الوطني، بينما يتمثل الهدف الثالث في تقديم أجندة أمنية موحدة بشأن التهديدات الإقليمية في الوقت الذي تكون هناك مقاربات دولية متباينة بشأن تلك التهديدات.

 ولا يعني ما سبق أن الأمن الإقليمي هو آلية تصادمية مع نظيره العالمي بل يتكامل معه، والشواهد على ذلك عديدة جسدتها كل الأزمات الإقليمية التي إن تطلبت تدخلات دولية فإنها في الوقت ذاته ارتكزت على دعم إقليمي سواء بالنسبة إلى بعض القرارات أو على صعيد المساهمات العسكرية ابتداءً بحرب تحرير دولة الكويت عام 1991م مروراً بالغزو الأمريكي للعراق عام 2003م وانتهاءً بتدخل حلف الناتو في الأزمة الليبية عام 2011م. وحديثاً نجد تحالفات دولية وإقليمية تأسست للغرض ذاته منها التحالف الدولي لمحاربة داعش بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية عام 2014م والتحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب بقيادة المملكة العربية السعودية عام 2015م، وكذلك التحالف العسكري البحري لحماية الملاحة في الخليج العربي 2019م بقيادة الولايات المتحدة، والبعثة الأوروبية لمراقبة الملاحة البحرية في مضيق هرمز2020م التي تقودها فرنسا، وكلا التحالفين يضمان دولاً إقليمية إلى جانب دول كبرى.

 ومع أهمية ما سبق يثار تساؤل مؤداه: في ظل المستجدات الأمنية الراهنة كيف يمكن تفعيل آليات الأمن الإقليمي الخليجي؟ وفي تصوري أن ذلك يبدأ أولاً بإعادة تعريف وترتيب الأولويات الأمنية التي من بينها أن الدول قد أضحت تخوض حروباً غير نظامية مع جماعات مسلحة عابرة للحدود لديها آيديولوجيات وتمويل وهدف؛ بما يعني حتمية وجود أطر إقليمية لإجهاض مخططاتها التي ترعاها دول ترى في استدامة الصراعات الإقليمية أهمية لشراء الوقت واستنزافاً للقدرات الأمنية والدفاعية لدول الجوار، من ناحية ثانية تأكيد أن الأمن الإقليمي ليس سوى حاصل جمع الوحدات المكونة له، وبقدر ما تكون قوتها بقدر ما تكون قوة ذلك الأمن، وخاصة الدول المحورية في المنطقة التي تتمثل تحديداً في مصر والأردن ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وكذلك دول الشمال الإفريقي، وربما أن الأزمات الإقليمية قد فرضت أجندات أمنية مختلفة نسبيا إلا أن ذلك لا ينفي أن التنسيق الإقليمي يعد متطلبا رئيسيا لإنهاء تلك الأزمات بدلاً من إدارتها وتقدم الأزمة الليبية نموذجاً لذلك، على العكس من الأزمة السورية التي تعكس أجندات أطراف خارجية بشكل واضح بما يعني تشابك وتعقد دوائرها بشكل كبير. من ناحية ثالثة في ظل القيود التي تفرضها مواثيق بعض التنظيمات الإقليمية بشأن ضم أعضاء جدد فإن ذلك لا ينفي وجود صيغ للتعاون من خارج تلك التنظيمات من دون الاصطدام بعقبة الميثاق.

إن الحديث عن الأمن الإقليمي يتجدد دائماً مع بدايات التغير في المنظومة الدولية سواء سياسات الدول الكبرى أو احتدام التنافس الدولي تجاه الأقاليم وخاصة تلك التي تضم مصالح حيوية لتلك الدول، إلا أن الأمر الثابت هو أن الأمن الإقليمي يظل وليدا لبيئته الإقليمية ويعبر عن مصالح أطرافها من خلال الأطر التنظيمية المشار إليها والتي تمنح دول الإقليم ثقلاً تفاوضيا مهما مع الشركاء والحلفاء وداخل أروقة المنظمات الدولية.

وآخرا وليس أخيراً فإن المقاربة الصحيحة لذلك المفهوم تقتضي مقاربة الواقع ومنها تغير مفهوم الأقاليم ذاتها وينهض الصراع في شرق المتوسط دليلاً على ذلك، ومن ناحية ثانية مسار العلاقة بين الأمن الإقليمي ونظيره العالمي التي تتخذ أشكالاً تكاملية أحياناً وربما تنافسية أحايين أخرى، ومن ناحية ثالثة تغير مفهوم الأمن ذاته الذي تجاوز التهديد العسكري المباشر، تلك التحولات التي سوف يكون لها انعكاس ليس فقط على ذلك المفهوم بل طريقة عمل التنظيمات الإقليمية ذاتها. 

 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز  البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news