العدد : ١٥٧٢٤ - الأحد ١١ أبريل ٢٠٢١ م، الموافق ٢٨ شعبان ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٧٢٤ - الأحد ١١ أبريل ٢٠٢١ م، الموافق ٢٨ شعبان ١٤٤٢هـ

مقالات

التوفيق الأسري محطّة مفصلية

بقلم: المحامية الدكتورة هنادي عيسى الجودر

الأحد ٠٧ مارس ٢٠٢١ - 02:00

القراء الأعزاء

كل تجمّع بشري مُعرّض لوقوع التضارب بين المصالح واختلاف الآراء والأفكار لذا تنشأ الخلافات والنزاعات بأشكالها المختلفة، وهو أمر طبيعي وصحّي ملازم للطبيعة البشرية السويّة، له إيجابياته وسلبياته تماماً ككل شيء في حياتنا، وهو ما يحدث في كل أسرة باعتبارها اصغر صورة من صور التجمعات البشرية، فكما سبق لي أن ذكرت وأكرر بأن الزوجين يأتي كلّ منهما من بيئة مختلفة بشخصيةٍ، فكرٍ، رأيٍ، طباعٍ وثقافة مختلفة عن الآخر فمن الطبيعي أن يحدث اختلاف وتنشأ خلافات بينهما، فمنها ما يتم احتواؤه بين الزوجين في محيط الأسرة ومنها ما ينقل النزاع إلى أراضٍ أخرى خارج نطاق الأسرة قد تنتهي بهم إلى القضاء.

ومن حيث الأصل في مثل هذا الشأن ولأننا مسلمون وباعتبار أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي من مصادر التشريع في مملكة البحرين بناء على نص المادة الثانية من الدستور، فإن الدين الإسلامي قد نظّم العلاقات الأسرية التنظيم الأمثل والأكمل بشكل سابق لما جاءت به المواثيق والقوانين فأوجد آلية لفضّ النزاعات الزوجية قبل اللجوء إلى القاضي في قوله تعالى: «وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرا» الآية 35 من سورة النساء. ويُعدّ إصلاح ذات البين هو قوام استقرار ودوام العلاقات بين المسلمين ولا سيما العلاقات الزوجية، لذا فإن المشرّع البحريني -وهو المشرّع المنبثق من النسيج الاجتماعي للدولة العالم بخفاياه، ويعلم أن انتقال النزاع إلى القضاء يكون بعد استنفاد المحاولات الأسرية والعائلية الفردية للتوفيق والإصلاح- اضطلع بهذا الدور وأوجد المزيد من الضمانات حمايةً للأسرة، حيث جعل من الإصلاح ومحاولة التوفيق الأسري محطّة أولى من محطات انتقال النزاعات الزوجية من نطاق الخصوصية داخل الأسرة إلى نطاق الخصوصية التي تقتضيها طبيعته أثناء عرضه على محاكم الأسرة والتي تنظر القضايا الأسرية في جلسات سرّية لا يحضرها إلا أطرافها. 

لذا فقد نظّم قانون الإجراءات أمام المحاكم الشرعية الصادر بالمرسوم بقانون رقم (26) لسنة 1986 في تعديلاته عام 2015 آلية فاعلة من روح الشريعة الإسلامية لفضّ المنازعات الزوجية من خلال إنشاء جهاز للتوفيق الأسري في المسائل التي يجوز التصالح فيها بين طرفي النزاع أي تلك التي لا تخالف النظام العام وذلك بنص المادة (1) المستبدلة بالمرسوم بقانون رقم (22) لسنة 2015 بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات أمام المحاكم الشرعية على أنه «في غير الدعاوى التي لا يجوز فيها الصلح والدعاوى المطلوب فيها إجراء وقتي أو مستعجل وإجراءات التنفيذ، يجب على من يرغب في رفع دعوى بشأن إحدى مسائل الأحوال الشخصية للولاية على النفس التي تختص بها محاكم القضاء الشرعي، أن يقدم طلباً لتسوية النزاع إلى مكتب التوفيق الأسري. وإذا رفعت الدعوى ابتداءً إلى المحاكم الشرعية بشأن المنازعات التي تختص بها، في المسائل التي يجوز فيها الصلح دون تقديم طلب تسوية إلى مكتب التوفيق الأسري ليتولى مساعي التسوية بين أطرافها، يجب على المحكمة أن تأمر بإحالة الدعوى إلى مكتب التوفيق الأسري للقيام بمهمة التسوية»، ويقصد بمسائل الأحوال الشخصية للولاية على النفس دعاوى التطليق بكافة أنواعها بما في ذلك طلب الخُلع، والنفقات والأجور، وحضانة الصغير وحفظه ورؤيته وضمه والانتقال به، والاعتراض على إنذار الطاعة ومسكن الزوجية ونفقة المتعة، ودعاوى المهر، وغيرها من الدعاوى الشرعية التي يجوز فيها الصلح وذلك وفقاً للتعريف الوارد في قرار معالي وزير العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف رقم (84) لسنة 2015 بشأن تشكيل مكتب التوفيق الأسري وتحديد القواعد والإجراءات اللازمة للقيام بمهام تسوية المنازعات الأسرية.

وفي ذلك نصّت المادة (1) مكرراً المضافة بموجب المادة الثالثة من المرسوم بقانون رقم (22) لسنة 2015 بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات أمام المحاكم الشرعية الصادر بالمرسوم بقانون رقم (26) لسنة 1986 على أنه: «يجب على هيئة مكتب التوفيق الأسري بذل كل ما يلزم من جهد في سبيل تسوية النزاع ودياً حفاظاً على كيان الأسرة، على أن تنتهي التسوية خلال عشرة أيام من تاريخ تقديم الطلب، ولا يجوز تمديد هذه المدة إلا باتفاق الخصوم ولمدة لا تجاوز عشرة أيام أخرى. فإذا تم الصلح أثبت في محضر يوقعه أطراف النزاع ويلحق بمحضر الجلسة التي تم فيها، وتكون له قوة السند التنفيذي وينتهي به النزاع في حدود ما تم الصلح فيه.

وبناء عليه فقد صدر قرار معالي وزير العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف رقم (84) لسنة 2015 بتشكيل مكتب التوفيق الأسري وتحديد القواعد والإجراءات اللازمة للقيام بمهام تسوية المنازعات الأسرية والذي قضت مادته الثانية بتشكيل مكتب في الوزارة لتسوية المنازعات الأسرية يسمى (مكتب التوفيق الأسري)، ويشكل من رئيس من ذوي الخبرة وعدد كافٍ من الأخصائيين القانونيين والاجتماعيين والنفسيين الذين يصدر بتسميتهم قرار من الوزير، وبيّنت المادة الثالثة من القرار اختصاص ذلك المكتب بتسوية المنازعات الأسرية ودياً وذلك حفاظاً على كيان الأسرة ومستقبل الأطفال إن وجدوا عن طريق محاولة إزالة أسباب الشقاق والخلاف بين أفراد الأسرة ورأب الصدع الأسري.

وفي رأيي أن المشرّع البحريني قد أصاب في اتجاهه الحديث إلى إيجاد جهة توفيق أسري تستمع إلى طرفي النزاع وتحاول التقريب وإزالة أسباب الخلاف بينهما، ولي في ذلك الأمر مقترحان أولهما ضرورة إدراج مكتب التوفيق الأسري ضمن برامج التنمية المستدامة التي تقتضي إخضاع العاملين في هذا القطاع لبرنامج مستمر لا ينقطع لمواصلة إعداد وتهيئة القائمين عليه تهيئة ينتج عنها اكتساب الخبرة العلمية والعملية في هذا الشأن مع التركيز على السمات الشخصية المؤثرة، والمقترح الآخر هو تعزيز دور مكتب التوافق الأسري باعتباره يمثل محطة اجتماعية ونفسية في رحلة النزاعات الأسرية التي قد تتلاشى آثار النزاع بعدها بشكل نهائي، بخلاف إن انتهى النزاع الأسري بحكم قضائي فإن أثر وخزه قد يمتدّ إلى أجل بعيد. 

layalialshoug@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news