العدد : ١٥٧٢٤ - الأحد ١١ أبريل ٢٠٢١ م، الموافق ٢٨ شعبان ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٧٢٤ - الأحد ١١ أبريل ٢٠٢١ م، الموافق ٢٨ شعبان ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

الاستثمار الذكي.. في الإنسان مثلا

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ٠٧ مارس ٢٠٢١ - 02:00

قلنا في المقال السابق إن الاستثمار الذكي المبني على بُعد التنمية المستدامة لا يغيب عن ناظريه الاهتمام بالأذرع العديدة من الجوانب الأخرى للتنمية والاستثمار، كالاهتمام بالجوانب الإنسانية والجوانب الاجتماعية والجوانب البيئية والجوانب التعليمية والفكرية والصحية وكل الجوانب التي تهم الإنسان -الذي يُعد المحور الأساسي للتنمية والاستثمار- على قدم المساواة مع جانب التنمية والاستثمار الاقتصادي، ولكن إن غاب عن ناظري متخذ القرار هذا التوسع وتلك الأبعاد للتنمية واعتمد الاستثمار الاقتصادي فقط، فإن ذلك لا يُعد استثمارا ذكيًا، ولا حتى اهتمامًا بالتنمية المستدامة.

والدارس لأهداف التنمية المستدامة السبعة عشر يجد أنها كلها تتمحور حول الإنسان والاهتمام به، وتنميته، فالأهداف تتكلم عن صحته وتعليمه وتوفير مساكن بيئية له، وكذلك فإن الاهتمام بالبيئة بصفة عامة والمدن كلها تدور حول الإنسان، بالإضافة إلى توفير العمل اللائق والمحافظة على كرامته، كل ذلك من أجل هذا الإنسان، لذلك يمكننا القول بكل ثقة إن الدولة التي ترغب في الاستثمار وتسعى للتنمية فإنها يجب أن تهتم بالإنسان أولاً وأخيرا، لأن هذا الإنسان هو الذي يمكنه بعد ذلك أن يأتي بكل أنواع التنمية والاستثمار.

يحكى أن سور الصين العظيم -الذي يُعد من عجائب الدنيا السبع- يمتد لحوالي 6700 كلم بارتفاع يتراوح بين 5-17 مترًا والذي بني أو انتهى بناؤه في عام 221 قبل الميلاد، ولقد كان الهدف الأساسي لبناء هذا السور -الذي مات من أجل بنائه آلاف الأفراد- حماية الحدود الشمالية للإمبراطورية الصينية من الاعتداءات، وهذا يعني أن السبب الرئيس لوجود هذا السور هو سبب عسكري بحت، لذلك فهو يتكوّن من منظومةٍ دفاعيةٍ متكاملةٍ والعديد من الثكنات والحصون وأبراج المراقبة، وعلى الرغم من كل ذلك فإنه سقط بكل سهولة أمام الغزاة واجهضوا عشرات السنين من البناء المتواصل، فقط سقط السور -كما تقول بعض الروايات- أمام جوع الصينيين وإذلالهم وعدم الاهتمام بهم، فقط قام أحد حراس السور بفتح أحد الابواب أمام الغزاة فاخترقوا السور وسقط هدف الحماية وكل أهداف السور في دقائق.

وهذا ما دفع ماو تسي تونغ بعد ثلاثة وعشرين قرنًا لأن يقول: «ضربة من الداخل لا تعدلها ألف ضربة من الخارج».

وربما اليوم نعيش تلك الحالة، فنحن نضع كل أولوياتنا في الاقتصاد والمال ونحاول أن نؤمن للمستثمر الأجنبي، ونقدم له كل متطلباته ونضع كل ما لدينا أمامه على طاولته هو، من أجل أن يبني منتجعًا أو فندقًا  أو أي شيء آخر، وكذلك نسهل له أن يأتي بعماله وبموظفيه، وكل ما يريد من غير أي شروط أو قيود، ويستثمر في بلادنا ويرحل بأموالنا إلى خارج البلد، وفي المقابل يرمي علينا ببعض الدنانير من هنا وهناك، من غير أن يطور البلاد أو المواطن الإنسان.

حسنٌ، ماذا نفعل حتى نستثمر في الإنسان؟

الاستثمار في الإنسان

الاستثمار في الإنسان ليس عملية عشوائية وليس متقطعة، وإنما هو عملية متكاملة مستدامة، تبدأ منذ لحظات خروجه للحياة وربما قبل ذلك بكثير ولا تنتهي بخروجه من الدنيا وإنما تستمر من خلال الاهتمام بورثته وأولاده وخاصة إن كانوا أطفالا وكذلك أرملته وبقية أهله.

وبالنظر إلى حقائق الأمور نجد أن الإسلام قد سبق كل النظريات وكل الاطروحات وكذلك سبق أهداف التنمية المستدامة في تحديد طرق الاهتمام بالإنسان وبالتالي كيفية الاستثمار فيه، وذلك من خلال تحديد الأولويات والاحتياجات الإنسانية بوضوح والتي من خلالها يمكن التركيز على الإنسان الذي يُعد المحور الأساسي للحضارة والفكر والاستثمار، وعلى ذلك فالإسلام قام في الأول بتقسيم الاحتياجات الإنسانية إلى قسمين كبيرين رئيسيين، هما:

1. الاحتياجات الروحانية: والتي تشمل الحاجة إلى الله سبحانه وتعالى، وكيفية التواصل معه من غير إكراه أو عوائق.

2. الاحتياجات المادية البشرية، والتي يمكن بدورها أن تنقسم إلى أربعة أقسام كبيرة جدًا، وهي كالتالي:

‭{‬ الحاجات العقلية والتي تشمل: تحقيق الذات والاستقلال الذاتي، الإبداع، حرية التعبير، التميز، حرية الاعتقاد والاختيار، حرية التفكير، التعليم والدراسة والبحث.. الخ.

‭{‬ الحاجات الجسدية المادية والتي تشمل: توفير الطعام والشراب، النوم، والزواج والجنس وحفظ النوع، العلاج والدواء.. الخ.

‭{‬ الحاجات الأمنية والتي تشمل: أمن الدولة، الأمن المجتمعي، الأمن الأسري، الأمن الجسدي، الأمن الوظيفي، الأمن البيئي، الأمن العاطفي، المحافظة على الممتلكات والأرواح.. الخ.

‭{‬ الحاجات النفسية والاجتماعية والتي تشمل: توفير المنزل والسكن، العائلة، المجتمع الصداقات، التواصل مع الأفراد والجماعات والمجتمع والتعاون معهم، الاحترام، المساواة والعدالة، الحب وتقبل الطرف الآخر، الانتماءات بمختلف أنواعها وصورها.. الخ.

ويمكن الملاحظة من هذا التقسيم وهذا التأطير أن الاحتياجات البشرية في الإسلام تسير كلها ويجب أن تتحقق كلها على صعيد واحد، بمعنى أنه يجب أن تتحقق كل تلك الاحتياجات التي تحدثنا عنها معًا على حد سواء، فالاحتياجات الروحية تسير جنبًا إلى جنب مع الاحتياجات الجسدية المادية بمختلف تفريعاتها وتشعباتها وإلا فإن الإنسان سيغدو مشوهًا في حياته ومشاعره وتوجهاته وقيمّه.

أما بقية المناهج البشرية الأخرى مثل هرم ماسلو أو غيره، فإنه يتضح من هرم ماسلو -مثلاً- أن الاحتياجات البشرية تسير وفق الشكل الهرمي، فلا يمكن أن يتحقق المستوى الثاني من الاحتياجات -الأمن والسلامة- إلا بعد أن يستوفي الإنسان احتياجات المستوى الأول وهي الاحتياجات الفسيولوجية، وهكذا مع بقية الاحتياجات.

بعد ذلك يمكن الملاحظة أن أهداف التنمية المستدامة تسير -تقريبًا- بنفس المنهجية الإسلامية التي تهدف في المقام الأول إلى تنمية الإنسان، وتلبية احتياجاته وتحقيق رغباته، وإن كانت طبعًا -أهداف التنمية المستدامة- لم تهتم بالجوانب الروحية والنفسية التي كان المنهج الإسلامي هو الدين الوحيد الذي اهتم بهذا الأمر، لذلك دعونا نستعرض بعض الجوانب وبعض الأهداف التي تم تحقيقها في الوطن العربي وكذلك بعض الأهداف والجوانب التي عجزت عنها حتى الآن، وسنركز على الأهداف والموضوعات الأساسية:

1. الفقر: مازالت بعض الشعوب العربية تعاني من تردي أوضاعها المعيشية، فالرواتب ضعيفة في بعض الدول، والحياة غالية والسلع من الصعب الوصول إليها بالرواتب التي تمنح، وكذلك فإن المتقاعدين يعانون في الكثير من الدول العربية ويحتاجون إلى إعادة نظر وهيكلة. 

2. الجوع: مازالت قضية الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي قضية لم تجد لها الحلول الناجعة في الوطن العربي، فبوجود الفقر وعدم الاستثمار في الزراعة والاعتماد على المنتج الخارجي، يصبح الجوع هاجسا عند الكثير من الشعوب العربية.

3. الصحة: وهذا موضوع يتفاوت في الدول العربية، وربما جائحة كورونا أوضحت الكثير.

4. التعليم: في العديد من الدول العربية أصبح التعليم الابتدائي إجباريا وإلزاميا، وهذا أمر جيد، إلا أن بقية المراحل الدراسية مازالت تئن في الكثير من الدول العربية، فما بالنا إن تحدثنا عن التعليم الجامعي، والتعليم أيضًا مرتبط بالفقر والجوع، فإن كان هناك اكتفاء أصبح التعليم مزدهرا وإلا فإنه يتدهور، وكذلك فإن التعليم وبنية التعليم كشفت غطاءها جائحة كورونا، فأوضحت الجائحة ما كنا نخفيه. 

5. العمل اللائق: وهذه الجزئية لم تتحقق -ربما- في كل الدول العربية، فكل الدول العربية تعاني من مشكلة البطالة، ربما بنسب متفاوتة، إلا أن هذه الأزمة ذات مخالب وأظافر كبيرة تنهش في جسد الوطن العربي وتحتاج إلى إدارة لحلها.

6. الصناعة والابتكار: اعتمدت الدول العربية في بناء المصانع وتوفير الصناعة إما على المنتج الخارجي أو المصنع الخارجي الذي حط رحالة في أرض الوطن مع عمالته وفكره وآلاته، ولم يستثمر في المواطن والوطن، وحتى منتجاته لم يدخلها للوطن وإنما فتح الأسواق الخارجية لبيع منتجه، فالوطن لا يستفيد من تلك المصانع إلا بضع الدنانير التي لا تدخل في ميزانية الوطن. 

7. مدن مستدامة: لم تتوافر في الوطن العربي حتى الآن المدن النموذجية المستدامة، وحتى الدول التي أتاحت للقطاع الخاص أن يتدخل في توفير مثل هذه المدن، فإن هذه الشركات تعاني من مشاكل عديدة، ربما أبرزها عدم استثمار المواطن في تلك المدن، إذ إن هذه المدن تعتمد على المستثمر الخارجي لأنها غالية الثمن، فالمواطن لا يستطيع أن يدفع.

وحتى نكون منصفين وموضوعيين، فإن هناك بعض الأهداف التي تحققت بصورة أو بأخرى أو حتى بعض جزئيات تلك الأهداف، مثلاً:

1. الطاقة النظيفة: فبعض الدول العربية تسعى لتوفير هذه النوعية من الطاقة.

2. القضايا المتعلقة بالبيئة: ربما اهتمت بعض الدول بالبيئة وبقضاياها المتشعبة فترة من الزمن، إلا أنها أهملت بضع فترات، وربما تعود إلى تبنيها فترات أخرى.

3. المساواة: ربما في الوطن العربي لا نسعى للمساواة بين الجنسين، فهذا أمر مفروغ منه، إلا أن الإنسان العربي يعاني من التفرقة بين الناس بسبب أنسابهم وألقابهم وانتماءاتهم.

بصورة عامة، ما نريد أن نقوله في هذه الجزئية من هذا الملف حول الاستثمار الذكي إن الاستثمار أيًا كان نوعه إن لم يهتم بالإنسان في المقام الأول وتوفير احتياجاته والاهتمام به فإنه استثمار غير ذكي، لأنه سوف يسير في مرحلة من الزمن إلا أنه حتمًا سيتوقف بعد هنيهة من الوقت، فهذه الأمور يجب إعادة التفكير فيها. 

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news