العدد : ١٥٧٢٤ - الأحد ١١ أبريل ٢٠٢١ م، الموافق ٢٨ شعبان ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٧٢٤ - الأحد ١١ أبريل ٢٠٢١ م، الموافق ٢٨ شعبان ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

حوار في مقهى

بقلم: عبدالله علي العيناتي {

الجمعة ٠٥ مارس ٢٠٢١ - 02:00

في صيف عام 2019 كنت في زيارة سياحية لمدينة براغ التشيكية برفقة زميل إماراتي، وهو سفير متقاعد، ولقد أبهرتنا قصورها التي تتسم بتنوع الحضارات والأنظمة التي توالت عليها عبر حقب استعمارية عديدة وعبر شتى العصور من خلال الحروب والصراعات شهدتها القارة العجوز بدءا من القرن الخامس عشر، ولغاية منتصف القرن العشرين كانت التشيك في قلب الأحداث، فقد خضعت تحت نفوذ الامبراطورية النمساوية المجرية ما يقارب قرنين من الزمن.

وبالرغم من هيمنة المجر والنمسا عليها فإن لها مكانتها وهيبتها في القطب الأوروبي، وظلت خاضعة تحت الوصاية حتى استقلت عن النفوذ النمساوي والمجري عام 1918 بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بهزيمة الإمبراطورية العثمانية وتوارثت بريطانيا وفرنسا تركة العثمانيين من خلال ما يعرف باتفاق سايكس بيكو في الشرق الأوسط، وكذلك كانت بداية سقوط الامبراطورية المجرية النمساوية، وفي أقل من ثلاثة عقود سقطت تشيكوسلوفاكيا تحت حكم النازيين، إلى أن تم هزيمة هتلر عام 1945 فانتقلت الوصاية على بلاد التشيك للنفوذ السوفيتي، وهكذا ظلت كرات الثلج تتدحرج من قمم جبالها عبر التاريخين الغابر والمعاصر إلى أن تفككت سبحة النظام الشيوعي السوفيتي، واستعادت تشيكوسلوفاكيا بعد صراع مرير تاريخها المفقود وانقسمت إلى جمهوريتين التشيك وسلوفاكيا عام 1993، وانتقلت التشيك إلى حاضنة الكتلة الأوروبية في عام 2004. 

كنت استحضر هذا التاريخ الموجز وأنا مبهور بالمدينة القديمة وبقصورها وأنهارها التي تعكس روعة جمال براغ، وأثناء تجوالنا قررنا أن نتناول وجبة الغداء في أحد المطاعم القديمة، وشاءت الأقدار وكأني على موعد في لقاء قدري مع صحفي إيراني يعمل في جريدة الأوبزرفر البريطانية كانت طاولتنا إلى جانب طاولته هو وزوجته، بعد أن تبادلنا التحية والمجاملات بادرني بسؤال أثار حفيظتي بعد أن سرد تاريخا فيه الكثير من التزوير والافتراءات عن تاريخ الامبراطورية الإيرانية ودورها ونفوذها على مياه الخليج وخاصةً البحرين باعتبارها جزءا من الامبراطورية الإيرانية، وقاطعت حديثه بنوع من الغضب ورفضي فيما يطرحه، قلت له أنت الآن في براغ هل بإمكانك التحدث إلى أي تشيكي حول هويته الوطنية أو أن تنسبه إلى الحقبة النمساوية المجرية أو النازية أو السوفيتية, حاول محدثي أن يخفض حدة انزعاجي بالاعتذار.

وحاولت أن أخفض وتيرة حدة الحوار عندما سألته: يفترض أنك علماني ليبرالي وترفض توسعات ملالي طهران، وتعمل في صرح إعلامي كبير، كان يفترض منك أن تكون أكثر انفتاحا وواقعية، ولكن للأسف سامحني أن أوضح لك أمرا لا يخفى عليك, أنتم الإيرانيون بمختلف توجهاتكم السياسية تعبدون التاريخ وتتوهمون أن عجلة التاريخ ممكن أن تعود للوراء، نحن يا سيدي بلد عربي تاريخه يفوق حجمه الجغرافي, تحكمه أسرة عريقة منذ قرون ولشعبه إسهامات حضارية امتدت من البرتغال إلى الصين عبر طريق الحرير.

كرر الرجل اعتذاره، ولكن ترك عندي انطباعا بأن دول الإمبراطوريات التي تتباهى بتاريخها الذي أمسى أطلالا تخلفت عن الدول التي دونت تاريخها بسلبياته وإيجابياته، وآثرت أن تتفاعل مع واقعها المعاصر بواقعية بدل أن تبكي على اللبن المسكوب, وتنفض عنها غبار المجد الذي عصفت به رياح التغيير وأصبح المجتمع الدولي بعد حربين عالميتين كارثيتين أطاحت بقلاع دول كانت لها هيمنة وسطوة إلى دول نامية متهالكة لأنها آثرت البقاء في معبد تاريخها ولم تساير عجلة النهضة التي برزت في عالمنا المعاصر.

هناك دول لم يكن لها وجود عالمي قبل عقود بسيطة أصبحت متربعة على عرش الاقتصاد العالمي وظلت الامبراطوريات التي تتباكى على عروشها تعاني من عجزها في مسايرة الركب المعاصر. 

وعندما هممنا بالمغادرة كرر الرجل اعتذاره ولكن ظل شيء في صدري واعترتني نشوة الحنين إلى وطني مؤمنا بأن البحرين قلبها ينبض بالحياة وأنها متجددة وتبوأت مكانتها التي تستحقها في جغرافية العالم. 

وستظل مملكتنا المنفتحة على المجتمع الدولي تدور في فلك الدول المحبة للسلام والأمن واستقرار شعوب العالم وستكون لؤلؤة مشعة تزيح خفافيش الظلام. 

ومجريات التاريخ تعلمنا أن الوطن بحدوده الجغرافية وتاريخه وسيادته يمثل قيمة وهوية وعنوانًا لمن ولد فيه أو توارى في ثراه ومن يعتقد أن الولاء للوطن يتنافى مع العقيدة فهو بلا هوية ولا عقيدة. 

‭{‬ سفير متقاعد

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news