العدد : ١٥٦٧٩ - الخميس ٢٥ فبراير ٢٠٢١ م، الموافق ١٣ رجب ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٦٧٩ - الخميس ٢٥ فبراير ٢٠٢١ م، الموافق ١٣ رجب ١٤٤٢هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

التدخلات الخارجية

‭{‬ إن أردنا ربط خيوط الأحداث ببعضها على المستوى الجيو سياسي والتاريخي، ومن دون العودة إلى موازين القوى وصراع الامبراطوريات في التاريخ القديم، ومنذ غزوات (الفايكنج) وحروبهم البشعة في القتل والإبادة للتوسع والسيطرة في النصف الأول من الحقبة الثانية، نجد الاستعمار الغربي استنسخ الكثير من أساليبهم الوحشية، بما تحفظه ذاكرة الشعوب، منها الذاكرة العربية، وصولاً إلى نكبة فلسطين، قضية العرب والإنسانية كلها، ليبتلى العالم بعدها بهذا الإرث الاستعماري الغربي الرأسمالي وتدخلاته، والذي طوّر نفسه إلى (إمبريالية عولمية شرسة) عملت على استعباد الدول والشعوب عبر شركاتها العابرة للقارات، والهيمنة عليها، وتشويه حضاراتها وتاريخها، وإرثها الديني والروحي، وسرقة ثرواتها، والتحكم في أنظمتها، منطلقة من كل آليات صراع الحضارات التي عملت بها، ومدفوعة بأبشع الوسائل في إخضاع الشعوب، وصولاً إلى الوقت الراهن، الذي تنوعت وتوسعت فيه آليات الاخضاع بأشكال جديدة ومموّهة، استغلت فيها التطورات التكنولوجية وانفتاح دول العالم على بعضها لضخ المزيد من العبث بالعقل البشري ومصائره ككل، وليس العقل العربي أو المسلم، بما يقع في تصنيفات حروب «الجيل الرابع» و«الجيل الخامس»، والتدخل الفج في شؤون الدول، وإلهائها بالصراعات والحروب والتمرد والأزمات، وحيث المصالح الغربية في حقيقتها هي مصالح «العائلات الرأسمالية الكبرى» المتحكمة في الدول الغربية نفسها، بل والمتحكمة عالمياً في المال والصناعات والتكنولوجيا والإعلام بوسائل شيطانية، منها تغذت أيضاً (الحركات والجمعيات السرّية والباطنية) في العالم، وتعارف عليها الكثيرون بـ«حكومة الظل العالمية» أو «الحكومة الخفية» أو «الماسونية العالمية» التي تعود جذورها الأولى إلى قرون طويلة قبل الميلاد!

‭{‬ العالم العربي والإسلامي مر بمراحل طويلة من الصراع المرير مع القوى المستبدة في العالم، مثلما مرّت بذلك إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، ليصل الصراع إلى أشكال التدخلات الجديدة في شؤون الدول، وإحكام القبضة عليها بطرق ملتوية منها «القاتل الاقتصادي» ومنها التسيير الإعلامي للعقل البشري في العالم، إلى جانب إخضاع المال والتجارة لمصالح تلك «الفئة العالمية» من «العائلات الصنمية» التي يقودها نخبة من الماسونية العالمية!

‭{‬ التدخلات الخارجية بعد تحرر الدول من الاستعمار الغربي المباشر هي السيف المسلط على الشعوب بشكل دائم، وبالتلاعب بشعارات إنسانية أبعد ما يكون الغرب عن حقيقتها، ليمنع بها نهوض الدول ونموها، ولإخضاعها للسيطرة الدائمة، بل ولمنع «قوى الشرق» من الالتحام ببعضها، أو بالطموح إلى النمو العالمي الكبير، ومثالها «الصين» التي يبدو أنها مرشحة لأن تكون -بسبب قوتها المتعاظمة- سبباً في نشوب حرب عالمية ثالثة مدمّرة، حتى يبقى الغرب مسيطراً!

‭{‬ أما تاريخ العرب مع الغرب فهو مليء حتى اللحظة بكل التدخلات الغربية الاستعمارية التي أوقفت نهوضهم ونموهم، وشوهّت دينهم، وأدخلتهم في مكر الانقسامات والصراعات والحروب والتطرف، وصناعة أعداء جدد لهم مثل إيران وتركيا بعد أن كان العدو الصهيوني هو العدّو الوجودي الأبرز والأخطر لهم!

هذا الغرب لا يريد نهوضا عربيا، بل هو يعمل على منعه بكل الطرق، وبنظرة إلى التدخلات الفجة في إعاقة بلدان مثل السعودية ومصر وغيرهما من دول خليجية، بعد تدمير العراق وسوريا وليبيا.. ودول عربية أخرى، يتّضح أن الغرب مستمر في حربه على العرب وعلى الإسلام، وأن إشكالية عدم نهوض العرب جزء كبير منها يعود إلى المخططات الغربية الاستعمارية، التي بعد أن أسقطت الدولة العثمانية، بدايات القرن الماضي، أدخلت العرب في أفخاخ ومطبات ومشاريع ومخططات، لم تنته حتى اللحظة! والحديث يطول، والمقام في هذا المقال لا يسمح بسرد التفاصيل!

‭{‬ إن ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن التابع لها، والاتفاقيات الدولية الصادرة منها، والمبادئ الأساسية المنصوص عليها، جميعها تؤكد احترام السيادة والحقوق السيادية للدول، واستقلالية قراراتها، ومشروعية أنماط الحكم فيها والتوافق عليها بين الشعوب أنفسها وحكامها، بما لا يجعل الدول المستقلة خاضعة للتهديدات والضغوط والابتزازات أو التغيير البشري لأنظمتها، وحيث التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، أو فرض التغيير -أيا كان- عليها بالقوة، جميعها تعتبر من السلوكيات غير الشرعية، والخارجة عن نطاق القانون الدولي وكل مبادئ ومواثيق الأمم المتحدة! ولذلك فإن التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول بقدر ما هي مرفوضة هي مدانة وغير شرعية وعلى الدول المتضررة أن تتوحد للتصدي لها. 

إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news