العدد : ١٥٨٩٢ - الأحد ٢٦ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤٣هـ

العدد : ١٥٨٩٢ - الأحد ٢٦ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤٣هـ

قضايا و آراء

زيارة الأمين العام لمجلس التعاون لمصر.. رؤية استراتيجية

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ١٥ فبراير ٢٠٢١ - 02:00

في السابع من فبراير 2021م، وخلال جولة له شملت كلا من مصر والأردن والعراق، التقى الدكتور نايف الحجرف الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وخلال تلك الزيارة أكد الحجرف على أن «مصر تعد ركيزة أساسية للأمن القومي العربي»، مؤكدا حرص مجلس التعاون على «استمرار التنسيق معها في قضايا الأمن القومي العربي»، كما أكد الحجرف دعم دول المجلس لموقف مصر في قضية سد النهضة. وفي تقديري أن تلك الزيارة اكتسبت أهمية بالغة مضمونا وتوقيتا، سواء على المستويين الإقليمي أو العالمي أو بالنسبة إلى مسار العلاقات المصرية-الخليجية، تلك العلاقات التي توصف بأنها استراتيجية ولا تعبر عنها التصريحات الرسمية فحسب وإنما الضرورات الاستراتيجية ليس أقلها وحدة المصير والتهديدات المشتركة والأمثلة كثيرة إلا أنه يجمعها عنوان كبير هو «تحقيق التوازن الإقليمي» وذلك في ظل سعي العديد من الأطراف لتكريس الخلل في منظومة الأمن الإقليمي، وقد حرصت مصر على تحقيق توازن القوى والاستقرار الإقليمي في مواقف عدة منها على سبيل المثال لا الحصر عندما أعلن الحوثيون سيطرتهم على مدينة الحديدة اليمنية عام 2014م، وأنهم في سبيلهم نحو مضيق باب المندب فقد تحركت على الفور قطع حربية بحرية مصرية صوب باب المندب لتأمين انتظام الملاحة في ذلك المضيق في رسالة مفادها أن أمن دول الخليج العربي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري ولم يكن ذلك سوى إعادة تأكيد الموقف المصري بشأن تهديدات أمن الخليج العربي الذي جسدته مواقف عديدة سابقة منها رفض مصر الغزو العراقي لدولة الكويت عام 1990م بل إن القوات المسلحة المصرية كانت في طليعة قوات التحالف الدولي لتحرير دولة الكويت عام 1991م بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

إن الشراكة الاستراتيجية بين مصر ومنظومة دول مجلس التعاون لا تعكسها التصريحات والزيارات الرسمية فقط بل وجدت سبيلها نحو أطر تعاونية إقليمية منها عضوية مصر إلى جانب المملكة العربية السعودية والأردن واليمن في مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن الذي يعد آلية إقليمية مهمة لمواجهة التهديدات المشتركة في تلك المنطقة الحيوية، ولا شك أن توقيت الزيارة مع إعلان مصر إعادة ترشيح السيد أحمد أبوالغيط كأمين عام لجامعة الدول العربية فترة ثانية وزيارة الحجرف للجامعة يعكس الدعم الخليجي للمنظمة بما يعني تأكيد التعاون والتكامل بين المنظمتين.

وفي تصوري أن التطورات الإقليمية الراهنة تحتم التشاور والتنسيق بين الجانبين الآن وأكثر من أي وقت مضى في ظل ثلاثة مستجدات أولها: تطور التعاون الثلاثي بين كل من مصر والأردن والعراق إبان العام 2020م إلى الحد الذي وصفه البعض بأنه «بزوغ مشرق جديد»، ولا شك أن التنسيق الخليجي مع الدول الثلاث يعد أمرا جوهريا بالنسبة إلى دول الخليج العربي التي شهدت علاقاتها تطورا ملحوظا مع العراق خلال السنوات القليلة الماضية، وثانيها: استمرار الأزمات الإقليمية التي تمثل تهديدا مشتركا للدول كافة في مقدمتها أمن الملاحة البحرية، وثالثها: المستجدات الأمنية وخاصة تطور عمل الجماعات الإرهابية التي تتطلب وجود توافقات بين الدول لمواجهتها كان من بينها الاتفاق على اختيار القاهرة مقرا للمنتدى الاستخباراتي العربي.

من ناحية ثانية، على المستوى الإقليمي وعلى الرغم من ترويج العديد من الكتابات وخاصة الغربية منها لانتهاء مفهوم الأمن الإقليمي، فإن الواقع لا يشير إلى ذلك حيث تظل الصيغ الأمنية الإقليمية ضرورة استراتيجية ابتداءً بإعلان المملكة العربية السعودية تأسيس التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب عام 2015م ومرورا بمقترح مصر أمام القمة العربية التي انعقدت في مدينة شرم الشيخ عام 2015م بإنشاء قوة عسكرية عربية موحدة للتدخل في الأزمات، وانتهاءً بتبلور جبهة ثلاثية تضم كلا من مصر والأردن والعراق التي من شأنها أن تسهم في تحقيق فكرة توازن القوى الإقليمي.

من ناحية ثالثة وعلى المستوى الدولي، فلا شك أن وجود إدارة أمريكية جديدة لها اقترابات مختلفة لقضايا المنطقة فإن ذلك يتطلب تنسيقا إقليميا للتعاون معها في إيجاد حلول لإنهاء الصراعات الإقليمية بدلا من إدارتها التي تلقي بتداعياتها على أمن الدول كافة بل إنها أضحت بيئة لعمل الجماعات من دون الدول وكذلك الدول الراعية لها وخاصة في ظل التصريحات الرسمية للرئيس بايدن مفادها أن العمل سيكون من خلال التعاون والتشاور مع الحلفاء والشركاء، ولا يقتصر الأمر على تغير الإدارة الأمريكية فحسب بل المنظومة الدولية الجديدة الآخذة في التشكل وهو ما أشار إليه السيد أحمد أبوالغيط في ديسمبر 2020م بالقول: «العالم قد يواجه حربا باردة جديدة ليست على نمط الحرب السابقة ولكن على الدول العربية الانتباه لذلك».

ومع أهمية التنسيق المصري الخليجي تجاه كل المستجدات الإقليمية والدولية فإن ثمة قضية استوقفتني ألا هي الدعم الخليجي لمصر بشأن سد النهضة الأمر الذي يعكس وحدة مفهوم الأمن القومي العربي، فضلا عن أن إعادة التأكيد مجددا على رؤية دول الخليج العربي لحل الخلافات التي يجب أن تستند على مبادئ وقواعد القانون الدولي التي لا لبس فيها من بينها الاتفاقيات الدولية التي نصت وبوضوح على حقوق مصر المائية ولا سبيل للالتفاف حولها من خلال توظيف مستجدات إقليمية للتنصل من تلك الاتفاقيات، من ناحية ثانية لا أبالغ القول إن مصر هي الجسر الاستراتيجي للمصالح الخليجية في القارة الإفريقية والتي شهدت تناميا ملحوظا خلال السنوات الماضية سواء من خلال علاقاتها الثنائية مع تلك الدول أو دورها ضمن منظمة الاتحاد الإفريقي، تلك المصالح الخليجية التي تتنوع ما بين الاستثمارات والتجارة وتأسيس مشروعات تنموية في الدول الإفريقية تستهدف تحقيق الأمن الغذائي لدول الخليج العربي، من ناحية ثالثة فإن الواقع الجيو-استراتيجي الذي جعل القرن الإفريقي نقطة تماس استراتيجي بين أمن دول الخليج العربي والأمن القومي المصري يعني أن التنسيق بين الجانبين أمر ملح.

ومجمل القول إنه إذا ما سلمنا جدلا بأن الصراع بين مستويي الأمن الإقليمي والأمن العالمي لم ينته بعد فإن التنسيق المصري-الخليجي يجب أن يجسد مستوى الأمن الإقليمي، ليس للتصادم مع أي أطر دولية أخرى تستهدف مواجهة تهديدات الأمن الإقليمي وإنما للتكامل معها.

إن زيارة الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية لمصر قد أعادت مجددا تأكيد أهمية ومحورية العلاقات المصرية-الخليجية ضمن تحولات متسارعة وتيرتها ومن شأنها أن ترتب نتائج بعيدة المدى على منظومة الأمن الإقليمي بأسرها، تلك العلاقات التي لا تحكمها اعتبارات تاريخية وجيواستراتيجية فحسب، بل وحدة الهدف والمصير، وهو ما جسدته مواقف الجانبين عبر عقود خلت قولا وفعلا. 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news