العدد : ١٥٦٨٣ - الاثنين ٠١ مارس ٢٠٢١ م، الموافق ١٧ رجب ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٦٨٣ - الاثنين ٠١ مارس ٢٠٢١ م، الموافق ١٧ رجب ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

إسرائيل والفلسطينيون ولقاح «كوفيد-19»

بقلم: د. جيمس زغبي

الثلاثاء ٢٦ يناير ٢٠٢١ - 02:00

يحب الإسرائيليون استخدام ماكينات الدبلوماسية العامة، المعروفة باسم «هَسْبَرَة» أو «هاسبارا» من أجل الحصول على «صحافة جيدة»، لكن كما هو الشأن دائما لمحترفي الدعاية، فإن القصص التي ينتجونها لا تعكس الواقع. فالطريقة التي تعاملت بها إسرائيل مع جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) تعطينا عدة أمثلة على ذلك. 

في المراحل الأولى لتفشي الجائحة كانت هناك عدة تقارير صحفية تقول إن العلماء الإسرائيليين على وشك تطوير لقاح ضد الفيروس. مرت عدة أشهر بعد ذلك من دون أن يتم إعلان التوصل إلى هذا اللقاح. 

في مطلع الصائفة الماضية كانت إسرائيل تتبجح بأنها سجلت أدنى معدل من الإصابات بالفيروس في العالم، وأنها تعتبر دولة نموذجا في التعامل مع هذه الجائحة. لم تكد تمر فترة قصيرة حتى سجلت حالات كثيرة من الإصابات بسبب تفشي الفيروس على نطاق واسع عبر إسرائيل، وهو ما اضطر الحكومة إلى فرض حالة الإغلاق أكثر من مرة.

تصدت ماكينات الدبلوماسية العامة للأمر، حيث أرجعت سبب ازدياد حالات الإصابة إلى اليهود الأرثوذوكس المتشددين والمواطنين من عرب إسرائيل والذين اتهموا بخرق الحظر المفروض.

بعد ذلك دفعت إسرائيل ثمنا يفوق أكثر من ضعفي الثمن الموجود في السوق لشراء ملايين الجرعات من اللقاحات المتوافرة. لقد تحدث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن «نجاحه» أمام قمة أوروبية رفيعة المستوى وهو يعلق آماله على هذا «النجاح» من أجل إعادة انتخابه فترة جديدة على رأس الحكومة الإسرائيلية.

بدأت الصحافة تدريجيا تطعن في هذا النجاح الذي حققته إسرائيل وتقول إنه لم يشمل خمسة ملايين فلسطيني يعيشون تحت سيطرة إسرائيل، الأمر الذي لم يرق لممارسي الدعاية لإسرائيل. 

عشية الاحتفال بأعياد الميلاد شاركت في برنامج في محطة MSNBC التلفزيونية للحديث عن فشل إسرائيل في توفير جرعات اللقاح للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. قبل ذلك بأسبوع نشرت صحيفة الواشنطن بوست خبرا بعنوان «إسرائيل تبدأ في التلقيح، أما الفلسطينيون فيمكنهم الانتظار لأشهر أخرى». نقلت الصحيفة عن جماعات حقوق الإنسان الدولية قولها «إن إسرائيل تتحمل المسؤولية الأخلاقية والإنسانية عن توفير اللقاح للسكان الفلسطينيين الذين يعيشون تحت سيطرتها». 

في نفس ذلك المقال الذي نشرته صحيفة الواشنطن بوست قال وزير الصحة الإسرائيلي: «ليست هناك أي مسؤولية.. لا يمكننا أن نحرم أي مواطن إسرائيلي من اللقاح لأننا نريد أن نساعد أشخاصا آخرين». 

عندما طلب مني التعليق على هذه السياسة قلت إن معاهدة جنيف الرابعة التي تتطرق إلى الاحتلال العسكري تحتم على دولة الاحتلال تحمّل المسؤولية عن الصحة العامة للسكان الذين يعيشون تحت سيطرتها. لم تكد تمر أيام قليلة حتى تعرضت أنا ومقدم البرنامج المذكور على محطة MSNBC لهجمات وانتقادات الإعلام الموالي لإسرائيل.

بعد مرور بضعة أيام تولت عضوة منتخبة حديثا في الكونجرس الأمريكي عن ولاية إلينوي انتقاد إسرائيل لفشلها في توفير جرعات من اللقاح للسكان الفلسطينيين، وهو ما جعلها تتعرض بدورها لانتقادات ائتلاف من المنظمات اليهودية الأمريكية في إلينوي. 

كانت الأدلة التي يقدمها المدافعون عن إسرائيل غير مقنعة لأنهم كانوا يبنون كلامهم دائما على بنود اتفاقيات أوسلو لسنة 1993 وبروتوكولات باريس لسنة 1994 والتي تعطي الفلسطينيين إمكانية «توفير اللقاحات واستيراد المستحضرات الطبية بأنفسهم». 

سيتطلب من هؤلاء المدافعين عن إسرائيل الكثير حتى يمكن الاستناد في كلامهم إلى اتفاقيات أوسلو أو بروتوكولات باريس. فعندما يتعلق الأمر بالسياسات الإسرائيلية، فإن هذه الاتفاقيات التي يتحدثون عنها قد انتهكت ولم يتم احترامها بالمرة. 

كانت اتفاقيات أوسلو عبارة عن اتفاقيات انتقالية ومؤقتة في انتظار إجراء مفاوضات الوضع النهائي بعد مرور خمسة أعوام، وهي تتعلق بالقضايا الحساسة التي تشمل مدينة القدس والمستوطنات والحدود على وجه الخصوص، وقد نصت تلك الاتفاقيات على ضرورة التزام كلا الطرفين بعدم الإقدام على اتخاذ أي إجراءات من طرف واحد يستبق نتائج مفاوضات الوضع النهائي. 

أما بروتوكولات باريس لسنة 1994، فقد ركزت على تحديد العلاقات الاقتصادية خلال الفترة الانتقالية، والتي يكون للفلسطينيين بمقتضاها مطار وميناء بحري. احتفظت إسرائيل لنفسها بحق التفتيش والموافقة على البضائع المستوردة وجمع الرسوم الجمركية وتحويلها إلى الفلسطينيين بشكل شهري (مع استقطاع رسوم إدارية). 

لم تنص تلك البروتوكولات على أي عمليات تفتيش إدارية تعسفية، كما أنها لم تعط إسرائيل الحق في الاحتفاظ بتلك الأموال والامتناع عن تحويلها إلى الفلسطينيين، لأنها بكل وضوح عبارة عن عائدات فلسطينية.

منذ التوقيع على اتفاقيات أوسلو في عام 1993 ظلت إسرائيل تنتهك بنودها من خلال ما تتخذه من إجراءات أحادية تستبق مفاوضات الوضع النهائي بشأن القدس والمستوطنات والحدود، كما ظلت إسرائيل تنتهك بنود برتوكولات باريس من ذلك امتناعها عن تحويل مستحقات الفلسطينيين من عائدات الضرائب والرسوم. 

لقد منعت إسرائيل الفلسطينيين من امتلاك مطار أو ميناء بحري وحرمتهم بالتالي من حرية التصدير والاستيراد. فهي من جهة توفر كمية محدودة من التجهيزات والمعدات الطبية للسلطة الفلسطيني غير أنها تحد بالمقابل من قدرة الفلسطينيين على الحصول على المعدات الضرورية مثل الأوكسجين، علما بأن المستشفيات الفلسطينية في أمس الحاجة إليها. 

رغم أن إسرائيل قد ألغت اتفاقيات أوسلو وبروتوكولات باريس ولا تعترف بها، فإنها تستند إلى نفس هذه الاتفاقيات والبروتوكولات لتبرير رفضها تحمل أي مسؤولية قانونية عن صحة وسلامة الشعب الفلسطيني الذي تفرض عليه سيطرتها. 

منذ نشر الخبر المشار إليه في صحيفة الواشنطن بوست راحت الكثير من وسائل الإعلام الأخرى تتحدث عن انتهاكات إسرائيل وفشلها في تحمل مسؤولياتها التي يحتمها عليها القانون الدولي تجاه الشعب الفلسطيني.

تعود حالة الفزع إلى الخوف من أن تتسبب وسائل الإعلام في تدمير «القصة الجميلة» القادمة من إسرائيل التي تقول إنها الدولة الأولى في العالم التي وفرت اللقاح لشعبها. أما أولئك الذين يمارسون الدعاية لإسرائيل فهم لا يتحملون أن يكذبهم الواقع.

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news