العدد : ١٥٦٨٩ - الأحد ٠٧ مارس ٢٠٢١ م، الموافق ٢٣ رجب ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٦٨٩ - الأحد ٠٧ مارس ٢٠٢١ م، الموافق ٢٣ رجب ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

العلاقات الخليجية-الأمريكية في عهد الرئيس بايدن.. بين الثوابت والمتغيرات

بقلم: د. أشرف محمد كشك

الاثنين ٢٥ يناير ٢٠٢١ - 02:00

قد يكون من المبكر الحديث عن السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الخليج العربي والأمن الإقليمي في عهد الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي أدى اليمين الدستورية ليكون الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية في العشرين من يناير الجاري 2021، إلا أن المتتبع لمضامين تلك السياسة على مدى عقود مضت يمكنه تحديد عدد من الثوابت أولها: أن الحفاظ على أمن الخليج العربي كان -ولا يزال- أحد ثوابت تلك السياسة بل إنه تمت ترجمته في استراتيجيات ومبادئ تضمنت ما يمكن تسميته «الخطوط الحمراء» ومنها أمن الطاقة، فعندما قامت إيران باستهداف ناقلات النفط الخليجية إبان الحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينيات أعلنت الدول الغربية قيادة ما سمي «تحالف الراغبين» لحماية تلك الناقلات، فضلاً عن قيادة الولايات المتحدة الأمريكية تحالفًا دوليًا لتحرير دولة الكويت من الغزو العراقي عام 1991، وثانيها: أن السياسة الخارجية الأمريكية دائمًا ما تبنى على مفهومي المصلحة والقيم، صحيح أن إعلاء أحدهما دون الآخر يرتبط بشكل وثيق بتوجهات الرئيس الجديد إلا أنه دائمًا ما تسعى الإدارة الأمريكية لتحقيق التوازن بين الأمرين ولا ينسحب ذلك بالضرورة على كافة القضايا أو المناطق، وثالثها: أن السياسة الخارجية ترتبط على نحو وثيق بالداخل الأمريكي، بمعنى آخر أنه إذا كانت هناك أولويات داخلية فإنها تطغى على الاهتمام الخارجي وخاصة إذا ما ارتبط الأمر بمسألة التدخلات العسكرية وما تثيره من نفقات يتحملها دافعو الضرائب أو ما تثيره من اعتراضات داخل أروقة الكونجرس الأمريكي.

وقد يقول قائل إنه يمكن قراءة السياسة الخارجية الأمريكية عمومًا ببساطة أنها تحكمها ثوابت منذ عقود بيد أن تنفيذها يرتبط بتكتيكات كل رئيس جديد دون المساس بتلك الثوابت، أو بمعنى آخر أن تلك السياسة تشهد حالات من المد والجزر على غرار الحرب على الإرهاب في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 ثم تلتها حقب من الهدوء، وقد يكون ذلك كله صحيحًا ولكن ليس على إطلاقه إذ يتعين الأخذ بالاعتبار المتغيرات أو بالأحرى آليات واقعية لقراءة مضامين تلك السياسة وأولها: استراتيجيات الأمن القومي المعلنة والتي يلتزم بها الرئيس الذي يتولى مقاليد الحكم في البيت الأبيض، ففي ديسمبر عام 2017 أعلن الرئيس السابق دونالد ترامب استراتيجية الأمن القومي الأمريكي وكان نصيب الشرق الأوسط والخليج العربي منها ما يلي (مكافحة الإرهاب، مواجهة التهديدات الإيرانية، عملية السلام، الأزمة السورية، تعزيز الشراكات وتقاسم الأعباء)، وثانيها: مسألة الأولويات، فبالنظر إلى حالة الانقسام الداخلي الراهنة في الولايات المتحدة -غير المسبوقة- بالإضافة إلى التحديات الاقتصادية التي أوجدتها جائحة كورونا، فإن الرئيس بايدن ربما ستكون أولوياته الداخل وهو ما عكسه خطاب التنصيب بوضوح ولكن ليس على حساب قضايا الأمن القومي الخارجية وكانت الرسائل الأولية من الفريق المعاون له في هذا الشأن واضحة لا مجال للبس فيها سواء من جانب وزير الدفاع أو الخارجية بشأن التهديدات الإيرانية، صحيح أن مقاربة بايدن تجاه ذلك الملف ربما تكون مختلفة ولكن لن يكون ذلك على حساب ثوابت السياسة الأمريكية المشار إليها آنفًا، وثالثها: البيئة التنافسية للسياسة الخارجية الأمريكية، فالولايات المتحدة لديها حرص على مواجهة منافسيها الدوليين وعدم إتاحة المجال لتمدد نفوذهم في المناطق التي تحتوي على مصالح حيوية للولايات المتحدة وفي مقدمتها منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي، ربما تقوم بذلك بذاتها أو من خلال حلف الناتو الذي تسهم فيه بحوالي 75% من ميزانيته الدفاعية.

وما بين الثوابت والمتغيرات فإن التساؤل الذي يطرح ما هو موقع أمن الخليج العربي ضمن مسار السياسة الخارجية المتوقع للرئيس جو بايدن؟ ولا شك أن الإجابة عن ذلك التساؤل لا تخلو من تعقيد بقدر تعقيد بيئة الأمن الإقليمي الراهنة ذاتها، صحيح أنه من التبسيط اختزال العلاقات الخليجية-الأمريكية في معادلة تقليدية مفادها النفط مقابل السلاح لأن وقائع الأحداث أكدت وبما لا يدع مجالاً للشك أن للشراكة بين الجانبين أبعادًا أخرى ليس أقلها أن دول الخليج العربي الركيزة الأساسية والشريك الأول لتحقيق الأمن الإقليمي، والشواهد على ذلك عديدة لا يتسع المقال لذكرها، وأخذًا بالاعتبار أن الاستراتيجيات الأمريكية تجاه أمن الخليج العربي ظلت مرتبطة بالرؤية الأشمل لمنطقة الشرق الأوسط عمومًا إلا أن ذلك لا يعني التخلي عن الثوابت المشار إليها.

ومع أهمية ما سبق فإن الإدارة الأمريكية الجديدة سوف تواجه ثلاثة تحديات على مستوى الأمن الإقليمي أولها: التهديدات الإيرانية المتنامية والتي من الخطأ اختزالها في المسألة النووية، صحيح أنه الملف الأهم إلا أن التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية لدول الجوار، ودعم المليشيات المسلحة في مناطق الصراعات، بالإضافة إلى تطوير أجيال متعاقبة من الصواريخ البعيدة المدى جميعها ملفات تحتاج لآليات ردع من جانب الإدارة الأمريكية الجديدة، وثانيها: الأزمات الإقليمية الراهنة والتي طال أمدها وتمثل تهديدًا للمصالح الأمريكية والخليجية على السواء، سواء كونها تستقطب مقاتلين تحت دعاوى الجهاد أو غيرها أو ما تتيحه من تدخلات خارجية لقوى منافسة للولايات المتحدة ومساعيها لتأسيس نقاط ارتكاز لها ضمن تلك الصراعات، وثالثها: الحفاظ على أمن الطاقة والذي أضحى مهددًا بشكل غير مسبوق، سواء منشآت إنتاج النفط أو الناقلات، وقد بدأت الإدارة الأمريكية السابقة بعمل آليات منها تأسيس التحالف العسكري البحري لأمن وحماية الملاحة البحرية، فضلاً عما تردد عن التوجه لتأسيس قوات للتدخل السريع في الأزمات، وربما تكون الإدارة الجديدة مدعوة لتطوير تلك الآليات أو استحداث ما يلزم للحفاظ على ذلك المورد الحيوي لدول الخليج العربي والدول الغربية على حد سواء.

وعود على بدء، ثمة شواهد تؤكد الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج العربي للولايات المتحدة الأمريكية، منها على سبيل المثال لا الحصر التقرير الموسع الذي أعده مجموعة من الخبراء في السياسة الخارجية بمؤسسة بروكينجز للبحوث وتم تقديمه للرئيس باراك أوباما في يناير عام 2013 وكانت خلاصته «أن أي تغييرات دراماتيكية في منطقة الخليج العربي من شأنها أن تمثل ضررًا للمصالح الاستراتيجية الأمريكية في تلك المنطقة» ويؤكد ذلك التقرير بما لا يدع مجالاً لأدنى شك أنه بغض النظر عن أجندة السياسة الخارجية المتوقعة في عهد الرئيس جو بايدن فإن منطقة الخليج العربي ستكون في بؤرتها تأسيسًا على خبرات الماضي بتنوعها ومستجدات الحاضر بضروراتها والتطلعات نحو المستقبل بمتطلباته وخاصة لجهة صياغة شراكة متكاملة تأخذ باعتبارها الاحتياجات الأمنية والدفاعية لدول الخليج العربي وخاصة في ظل وجود تهديدات أمنية غير تقليدية، وربما تكون هناك حاجة لتطوير أجندة الحوار الاستراتيجي بين دول الخليج العربي والإدارة الأمريكية الجديدة لتقديم نموذج يحتذى به لتكامل الأمن الإقليمي مع نظيره العالمي بين دولة كبرى وتجمع إقليمي نجح في الحفاظ على توازن القوى عبر عقود خلت. 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news