العدد : ١٥٦٨٣ - الاثنين ٠١ مارس ٢٠٢١ م، الموافق ١٧ رجب ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٦٨٣ - الاثنين ٠١ مارس ٢٠٢١ م، الموافق ١٧ رجب ١٤٤٢هـ

مقالات

في ظلم الزوج لزوجته

بقلم: المحامية هنادي عيسى الجودر

الأحد ٢٤ يناير ٢٠٢١ - 02:00

القراء الأعزاء، 

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، ما أكرم النساء إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم».. 

فالزواج هو الخطوة الأولى نحو تكوين الأسرة، ويتم ذلك من خلال عقد الزواج وهو عقد شرعي يخضع لضوابط شرعية يعلمها المسلمون، بيد أنه في المحصلة النهائية يعتبر عقدا بين طرفين يترتب عليه حقوق والتزامات مباشرة بين الزوجين وحقوق للغير (الأبناء). ومن الجدير بالبحث في موضوع تكوين الأسرة ما يُشاهد من أحوال الأسرة المعاصرة التي أعتقد أنها بحاجة إلى دعم وتقوية أواصرها لضمان استمراريتها، ويلزمها وعي حقيقي بحقوق والتزامات كلا الطرفين تجاه بعضهما، إذ يُعتبر هذا الفهم والعلم بالحقوق والالتزامات دعامات صلبة لاستمرارية الحياة الزوجية ولمّ شمل الأسرة، وقد يتسبب غياب الوعي في تقويض الأسرة وهدم كيانها.

وفي هذا الصدد، استوقفتني يوم أمس خطبة الجمعة 9 جمادى الآخرة 1442 هـ الموافق 22 يناير 2021، التي ألقاها فضيلة الشيخ عدنان القطان خطيب مسجد الفاتح بعنوان (التظالم بين الزوجين)، وما أدراك ما التظالم بين الزوجين!، فالخطبة مهمة وقيّمة جدا وهي رسالة جديرة بالوصول إلى المعنيين بها، إذ تكمن أهميتها وقيمتها في موضوعها من ناحية، وفي كونها قد صدرت من شخص مختص ومتخصص يمتلك الحنكة والخبرة أكاديمياً وعلمياً وعملياً في هذا الشأن باعتباره باحثا في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف من جانب وقاضيا تدرّج في المحاكم الشرعية وقضى في مختلف النزاعات الزوجية من ناحية أخرى. ولأن الخطبة تناولت جوانب مختلفة فإنني سأكتفي في هذا المقال بالتطرق إلى موضوع ظلم الزوج لزوجته، باعتباره الصورة الأكثر شيوعاً، وسأروي لكم حكاية زوجة شابة، من خلال تطبيق النقاط التي تناولتها الخطبة على هذه الحكاية كنموذج واقعي، قد تكون له أشباه تعاني بصمت.

بطلة قصة اليوم يتيمة الأبوين، تقدّم لها الشخص الذي تزوجته، وعاشت معه مدة من الزمن أنجبت خلالها ما أنجبت من الأبناء، كانت تعاني خلال مدة الزواج من الاستعباد والاستنزاف المالي والجسدي والنفسي بصمت وصبر، لا يعلم بما تعانيه سوى الله، فعانت من الآتي -وسأقتبس عناوين فقراتي من خطبة الشيخ عدنان القطان لأسقطها على القصة-:

احتيال الزوج على زوجته:

وفي قصتنا هذه لم يقع الاحتيال من الزوج فقط ولكن من والديه أيضاً، فهو لم يكن شخصاً سويّا أبدا، وهم على علم بذلك وأخفوه، فيما أظهر هو نفسه أنه شخص متديّن ومتّزن وكريم، ولكن كان عكس ذلك تماماً، فقد كان بخيلاً لم يعرف من الدين سوى أن «الرجال قوامون على النساء»، وطاعة الزوجة للزوج طاعة مطلقة، حتى بلغ في معاملتها مرتبة الاستعباد، واتّخذ الدين سلاحا في مواجهتها ولا سيما أنها من المؤمنات الصالحات اللاتي يخشين الله ويتقينه فسهُل عليه استغلالها من هذا المنطلق، وقد كان عليها أن تواجه حياتها معه بصمت متسلحة بالصبر واحتمال أنواع الأذى حالمة بالجنة التي يعدها بها في ظل تطمين والديه، اللذين كانا يشاهدان سوء معاملته لها لسكناهما معهما، وأن الرجل يتغير بمضي الأيام، ومضت الأيام وتغيّر هو فعلاً ولكن إلى الأسوأ والأسوأ.

سوء العشرة وقسوة المعاملة: 

عانت بطلة قصتنا من الإهانة، السب، الضرب، التحقير، التهميش، تسفيه الرأي، التعدي على أهلها ومحاولة منعها عنهم وقطع صلة رحمها والحطّ من شأنها، رغم أنها تفوقه على جميع الأصعدة، يحمّلها مسؤولية كل شيء، حتى أعماله الخاصة تؤديها على أكمل وجه، وقد بلغت قسوة معاملته لها حدّ أنها تتحمل وزر كل ضيق يمرّ به وكل خلاف يواجهه خارج البيت، وكان يطالبها بالكمال بينما هو يفتقد أبسط مقوماته فقضت حياتها معه بين اللوم والتعنيف ومختلف أنواع الأذى.

ظلم الزوجة في حُرّ مالها: 

وهو أهم وأكثر أنواع الظلم الذي يقع على الزوجة، وفي قصتنا ومن منطلق اعتقاد بطلتها بأن الزواج مشاركة وتعاون، اعتمد الزوج على دخل الزوجة منذ البداية، وامتنع عن الإنفاق عليها بحجة أن راتبه لا يكفي، فكانت تنفق عليه وعلى بيتها ثم على أبنائها منه، ثم على بناء بيت الزوجية وكان في بعض الأحيان يحتال عليها لأخذ راتبها بأكمله منذ بداية الشهر بحجة احتياجه إلى المبلغ، حتى أصبحت الآن بنصف راتبها لأن النصف الآخر يستقطعه البنك في قرض لصالحه من راتبها.

وأخيراً، فالحديث عن إهمال الزوج لبيته وعدم النظر في احتياجات زوجته المادية والمعنوية يطول ويؤلم، وسأكتفي بترك ذلك لمخيلتكم، فلكم أيها القرّاء أن تتخيلوا زوجا لا يهمه إلا نفسه، ولكم أن تتخيلوا الوضع حينما يؤتمن غير الأمين.

مثل هذه القصة -وأعتقد أن لها العديد من الحالات المماثلة- يجب أن تُبرز لتصحيح الخلل ومعالجته، لأن مثل هذه العلاقات ينتج عنها أفراد مُعتلون نفسياً سواء كانت الزوجة أو الأبناء، ومتى ما كانت الأسرة غير سويّة امتد هذا الأثر على المجتمع، وفي رأيي أن الحلّ يكمن في جملة قالها الشيخ عدنان في خطبته وهي «أن من أهم أسباب كثرة المشكلات الزوجية وتفاقم الخلافات والنزاعات الأسرية وارتفاع نسبة الطلاق التقصير في معرفة الأحكام الشرعية وآداب الحياة الزوجية وما تقتضيه المسئولية الأسرية». ولذا فإنني أنادي بأن تكون هناك خطة احترازية للحفاظ على سلامة المجتمع من نشوء مثل هذه الحالات، وتتمثل هذه الخطة في إيجاد برامج إلزامية للتعريف بالأحكام الشرعية وآداب الحياة الزوجية ومقتضيات المسؤولية الأسرية للأفراد المقبلين على الزواج، وللشباب بشكل عام ليُصبح ذلك ثقافة عامة لدى الأجيال القادمة.

layalialshoug@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news