العدد : ١٥٦٨٩ - الأحد ٠٧ مارس ٢٠٢١ م، الموافق ٢٣ رجب ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٦٨٩ - الأحد ٠٧ مارس ٢٠٢١ م، الموافق ٢٣ رجب ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

المال.. بين الحركة والسكون!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٢٤ يناير ٢٠٢١ - 02:00

الفرق بين الثروة ورأس المال أن الثروة اكتناز، ورأس المال حركة واستثمار، يقول تعالى: «والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم(34) يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون(35)» التوبة.

قد يفرح الذي يكنز المال بتنامي رصيده في الخزانة أو المصرف لكنه في هذه الحالة لا يعدو أن يكون كانزًا للمال، حارسًا له، وهو رغم ثرائه فإنه يعيش عيشة الفقراء لكنه في الآخرة يحاسب حساب الأغنياء لأن الله تعالى إذا أعطى حاسب، وإذا سلب ما وهب أسقط ما وجب، فإذا أعطى المال حاسب على كسبه، وعلى إنفاقه، وإذا سلبه من صاحبه، أو ضيق عليه في الرزق لم يطلب منه من الطاعات إلا الفرائض، وإذا أعطى الصحة حاسب عليها، وإذا سلبها أعفاه من الزيادة في الطاعات، بل ويعفيه حتى من بعض الطاعات، فيخفف عليه من شروط العبادة، فإن لم يستطع الوقوف في الصلاة صلى قاعدًا أو مستلقيًا أو على جنبه، وإن لم يجد الماء تيمم، وخفف عليه الصلاة في السفر، فيصلي الصلاة الرباعية ركعتين، وله أن يجمع الظهر والعصر جمع تقديم أو تأخير، وكذلك له أن يجمع المغرب والعشاء جمع تقديم أو تأخير.. وهكذا.

إذن، فعلى المسلم ألا يتعجل الفرحة والاستبشار بالنعمة تنزل عليه حتى يرى توفيق الله تعالى له بحسن التصرف فيها، ولهذا فقد يدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير، فمثلاً يدعو ربه أن يرزقه نعمة المال، وهو لا يعلم مآل هذه الدعوة خيرًا أم شرا، يقول تعالى: «ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا» (الإسراء/11)، ويقول تعالى: «ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير» الشورى/27.

إن التحذير الشديد الذي جاء في سورة التوبة للذين يكنزون الأموال ولا ينفقونها في سبيل الله تعالى يلفتنا إلى أن الاكتناز ليس من وظائف المال، بل وظيفة المال هي الحركة والسعي في استثماره في وجوه الخير، وتنميته من خلال استثماره ليؤدي المال دورته المباركة، وليعود بالنفع على أصحاب رؤوس الأموال، وبقية أفراد المجتمع، وعلى الغني أن يعلم أنه محاسب على كسبه كما هو محاسب على إنفاقه، وهذا ما تؤكده سورة البقرة في قوله تعالى: «مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم» الآية:261.

استثمار بالغ العظمة والروعة، وثراء في الاختيار والاستثمار.. حبة واحدة إذا أنفقتها في سبيل الله تعالى أنبتت لك سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، فما بالكم لو أنفقتم أكثر من حبة، فكم من الحب سوف تجنون، وهذا الخطاب موجه إلى أصحاب رؤوس الأموال الذين تفيض أموالهم عن حاجاتهم وحاجات من يعولون، فماذا عن الذين لا يجدون من المال ما يزيد على حاجتهم هل هم محرومون من المشاركة في هذا الخير؟ الذي لا يملك المال الفائض عن حاجته وحاجة من يعول، فبإمكانه أن يدعو غيره إلى الإنفاق في سبيل الله تعالى، لأنه في الإسلام «الدال على الخير كفاعله»، أيضًا هناك وجه من وجوه الاستثمار وهو القرض الحسن، وهو حين لا تملك مالاً يبلغ حد النصاب، فتستطيع أن تقرض من يحسن الاستثمار على أن يرد إليك مالك حين ميسرة، وهؤلاء جاءت الإشارة إليهم في قوله تعالى: «من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا فيضاعفه له أضعافًا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون» البقرة:245.

المال في القرض الحسن لا يبقى راكدًا من دون حركة، بل يتحرك في وجهة أخرى، فينتفع به صاحب المال وإن كان قليلاً، ويساهم في عمل الخير، ويكون له شرف الانتماء إلى هذه الطائفة، وهم طائفة المستثمرين في سبيل الله تعالى، ولقد ضمن الحق سبحانه وتعالى لصاحب القرض ماله حين جعل الحق سبحانه من ذاته العلية وسيطًا وكفيلاً في هذا المشروع الاستثماري الخيري ليطمئن صاحب المال على ماله دون تعب منه أو سعي.

واعلم أيها المؤمن أن من عوائد الإنفاق في سبيل الله تعالى وبركته أنك سوف تجد فيما قدمت من إنفاق، سوف تجده يوم القيامة عظيم البركة، كثير النفع لك ولمن تسبب أو شارك فيه، يقول سبحانه وتعالى: «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير» البقرة: 110.

هذه المعاملات الكريمة، والاستثمار الخيِّر، والتعاون على البر والتقوى لها من الثمار الطيبة ما تسعد به الأمة، وتجني ثماره من خلال الإنفاق المباشر في إنفاق المال في وجوه الخير، والاستثمار غير المباشر عن طريق القرض الحسن الذي ينتقل المال من يد صاحبه الذي لا يحسن استثماره إلى يد من يحسن استثماره لفترة محدودة من الزمن.

إن الفرق البَيِّن بين الثروة ورأس المال أن الثروة مال مكنوز، جامد لا يتحرك، وهو يربو في اتجاه واحد، هو اتجاه الكنز، وهو لا يتحرك حتى في حاجة صاحبه حيث يعيش عيشة الفقراء لكنه في الآخرة سوف يحاسب حساب الأغنياء، أما رأس المال فهو مال متحرك بين صاحبه ومن يحسن استغلاله سواء كان استثمارا مباشرًا يقوم به صاحب المال نفسه، أو غير مباشر يمارسه صاحب الخبرة في الاستثمار، وذلك عن طريق القرض الحسن.

إن الحق سبحانه وتعالى لا يكتفي بضمان رأس المال الذي قدمه صاحب القرض الحسن إلى من يجيد استثماره، بل لقد ضمن له أيضًا أن يعود إليه ماله وما حققه من أرباح.

هذا هو موقف الإسلام من المال في حركته وسكونه حين يكون ثروة يكتنزها صاحبها، وعندما يكون رأس مال يسعى بين الناس في مشاريع استثمارية ينعم بها الأفراد والجماعات، وتلك هي وظيفة المال الحقيقية.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news