العدد : ١٥٦٨٣ - الاثنين ٠١ مارس ٢٠٢١ م، الموافق ١٧ رجب ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٦٨٣ - الاثنين ٠١ مارس ٢٠٢١ م، الموافق ١٧ رجب ١٤٤٢هـ

مقالات

الــوجود الـبـحــريني فـي الـهــند

بقلم: يوسف صلاح الدين

الجمعة ٢٢ يناير ٢٠٢١ - 02:00

بعض العوائل والتجار البحرينيين امتلكوا أسطولا من المراكب الشراعية للتجارة مع الهند


كان هذا عنوان ندوة أقيمت من خلال التواصل المرئي بجمعية البحرين والهند يوم الثلاثاء 21 ديسمبر 2020 لعرض بعض الأحداث التاريخية حول الوجود البحريني في الهند. وعلى الرغم من أن بداية العلاقات بين دول المنطقة وخاصة البحرين والهند كانت منذ قرون طويلة فإنني ركزت على الفترة الممتدة منذ بداية القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، وقد زودني الباحث السيد بشار الحادي بوثيقة تشير إلى وجود الشيخ محمد بن عبداللطيف المشاري من سكان الزبارة والبحرين، والذي ذهب إلى الهند لبيع اللؤلؤ في عام 1809 ولا شك أنه موجود وآخرون قبل تلك الفترة. 

كانت الهند في السابق مكونة من مقاطعات يحكمها ملوك، عرفوا باسم «مهراجا» وتعني باللغة السنسكريتية «الملك العظيم» واستخدم اللقب لحكام الهندوس ولقب «ناواب أو نظام» لحكام المسلمين، وكان أغلبهم تحت نفوذ مباشر أو غير مباشر من قبل شركة الهند الشرقية البريطانية التي تأسست حوالي عام 1600م، ولكن بعد انتهاء حكم المغول، أصبحت الهند تحت الحكم البريطاني المباشر، الذي عرف باسم الراج البريطاني «1858/1947». 

انتقل كثير من تجار الزبارة التي كانت جزءًا من البحرين آنذاك، الكويت، قطر، أبو ظبي، دبي، الشارقة، لينجا، بوشهر، الأحساء، نجد والحجاز إلى البحرين، واستقر بعضهم فيها وغادرها آخرون الى الهند، لذا تكونت عوائل خليجية وبحرينية من المصاهرة. 

كانت بداية العلاقات التجارية بنقل بضائع بواسطة السفن الشراعية بين البصرة، وكانت تحت الحكم العثماني حتى أواخر الحرب العالمية الأولى «1914/1918» وبعدها تحت الحكم البريطاني وموانئ الخليج والهند، وخاصة كاليكوت في مالابار وسورات في غوجارات التي كانت العاصمة الاقتصادية للهند آنذاك. وبحلول الربع الثالث من القرن التاسع عشر أصبحت بومباي التي تعرف الآن باسم «مومباي» مركزا تجاريا رئيسيا، وبدأ التجار من مختلف الدول وخاصة البحرين بالانتقال والاستقرار فيها بسب التطور الحضاري، التجاري، الزراعي، الصناعي ووجود بنية تحتية مثل سكك الحديد، الترام، الحافلات، الموانئ الحديثة، المستشفيات، المعاهد التعليمية وتوسع المدينة باستصلاح أراض جديدة. 

عرف تجار اللؤلؤ باسم «الطواويش» ومصائد اللؤلؤ باسم «الهيرات»، وكانت ممتدة من الكويت الى نهاية الخليج العربي، وكانت ضفتاه تحت الحكم العربي آنذاك، وأفضل الهيرات تقع فى الضفة الجنوبية الممتدة من البحرين الى أبوظبي ودبي والشارقة، وعرفت آنذاك باسم «الساحل المتصالح». ورغم وجود الهيرات في بلدان أخرى مثل هاواي والفلبين وسيلان التي تعرف الآن باسم «سريلانكا»، فإن لؤلؤ الخليج يتفوق في الجودة والنوعية والحجم والصلابة واللمعان، وكانت البحرين من أهم مراكز التجارة واللؤلؤ. 

اعتاد التجار في تلك الفترة السفر بالمراكب الشراعية في أوقات معينة «موسمية» لاعتمادها على الرياح، فإذا كان اتجاهها مع الرياح فإن الرحلة تستغرق أسبوعين للوصول الى بومباي، وهناك أنواع مختلفة من تلك المراكب التي تم بناء العديد منها من قبل عوائل معروفة في البحرين والكويت، وكذلك فإن مدينة كاليكوت كانت مشهورة ببناء المراكب الشراعية بعد تزويدها بمحركات منذ ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي.

أدى استخدام السفن البخارية في حوالي عام 1870 إلى السفر في جميع الأوقات واختصار المدة بين 5 و8 أيام بحسب الموانئ التي تتوقف فيها السفن. 

امتلكت بعض العوائل والتجار أسطولا من تلك المراكب الشراعية مثل: فخرو والقصير وموسى عمران العصفور وغيرهم وقاموا بنقل المسافرين والبضائع إلى موانئ الخليج، الهند، مسقط، زنجبار، تنزانيا والصومال وعينوا الأبناء والأقارب والمندوبين في العديد من الموانئ لتمثيلهم وإنجاز الأعمال.

لم تكن تلك الرحلات ممتعة، فقد كان على التجار والبحارة مواجهة العواصف والأمراض والقراصنة والغرق، وبسبب طول مدة السفر، فقد استقر الكثير منهم مع عوائلهم في بومباي والبعض تزوج من السكان المحليين وأقاموا علاقات أسرية منذ بدايات القرن التاسع عشر ومازال البعض إلى الآن موجودين ولديهم أعمال تجارية ومنازل ومكاتب، وتوفي البعض منهم ودفنوا هناك ومنهم من انتقلوا بالقطار إلى مناطق أخرى مثل كلكتا ودلهي وحيدر آباد. واستقر أغلب التجار في منطقة محمد علي رود والمناطق المحيطة بها وأصبح الشارع مثيرا لذكريات الأقارب والأصدقاء والأبناء الذين تدمع أعينهم عند سماعهم اسم الشارع لأنه يثير الذكريات الجميلة الماضية. ومن التجار والعوائل الذين استقروا أو ترددوا على بومباي: المنديل، العريض، العلوي، المناعي، مصطفى بن عبداللطيف، خنجي، الخاجة، القصيبي، الزياني، كانو، هجرس، بن هندي، المسلم، السلمان، عبد النبي كلعوض، كيكسو، المحمود، بن مطر، المناعي، أجور وآخرون، وكل منهم له أعمال وتجارب وحكايات جميلة تستحق التدوين. وهناك كثير من تجار المجوهرات المشهورين الذين أقاموا في بومباي مثل: روزنتال، كارتيه، البرت حبيب وآخرون، وقد زار العديد منهم ومن التجار الهنود البحرين مرات عديدة. 

أسس كثير من تجار البحرين والخليج العديد من الأعمال الخيرية وساعدوا المحتاجين وبنوا مساكن تسمى «مسافر خانة» لسكن الغرباء ومن دون مقابل، وكانت لديهم مجالس وملاحق في منازلهم لاستضافة الأصدقاء والمعارف ومنهم التاجر المعروف محمد بن أحمد بن هجرس الذي بنى مسجدا ومازال قائما، وله الكثير من الوقفيات والأعمال الخيرية وتوفي ودفن في مقبرة المسلمين في بومباي. وكان للتجار مساهمة في تأسيس أول شركة بواخر خليجية في عام 1911. 

لم تكن تجارة اللؤلؤ مربحة في جميع الأوقات فقد تضررت مرات عديدة، وخاصة خلال الحرب العالمية الأولى والثانية وانهيار البورصة الأمريكية يوم الثلاثاء الأسود 29 أكتوبر 1929 وتبعها ظهور اللؤلؤ الصناعي من اليابان في عام 1930، ما أدى إلى كساد كبير وإفلاسات لأغلب التجار، وقد أدى فرض الحكومة الهندية ضرائب مرتفعة على استيراد اللؤلؤ والمجوهرات في عام 1946 الى تدهور آخر لتجارة اللؤلؤ، وأدى الى هجرة عكسية لأغلب العوائل والتجار الخليجيين الى بلدانهم تزامنا مع استقلال الهند وانفصال باكستان في عام 1947 وظهور النفط. 

كانت الهند أكبر سوق للؤلؤ الذي كان جزءًا من التراث والثقافة والدين والحياة الاجتماعية، فقد اعتاد الحكام والأثرياء على ارتداء أسوار اللآلئ أكثر من النساء لاعتقادهم بأنها تجلب الحظ. كانت الهند محطا لطلاب العلم، وخاصة في جامعة عليكرة المشهورة، التي أسسها السير سيد أحمد خان في عام 1875، فقد درس السيد علي أحمد يتيم التميمي الصيدلة في عام 1908 وفتح أول صيدلية خاصة في عام 1910، وكان معه السيد خليل إبراهيم كانو الذي درس الهندسة الميكانيكية وأصبح من أهم وكلاء السيارات، ودرس جدي السيد أحمد بن حسن إبراهيم مع السيد جاسم وأخيه علي أبناء محمد بن أحمد كانو في عام 1910 مدة أربع سنوات، وهناك العديد من البحرينيين الذين درسوا في الهند، منهم السادة سلمان أحمد كيكسو ومؤيد أحمد المؤيد وإبراهيم محمد بن أحمد هجرس ومحمد إسحاق الخان، كما كانت بومباي محطة للأديب والشاعر والصحفي وتاجر اللؤلؤ عبدالله الزايد مؤسس أول صحيفة في البحرين، وهو أول من دعا إلى تكوين كيان اتحادي لمنطقة الخليج العربي في عام 1944.

وتم إرسال العديد من المرضى لتلقي العلاج الطبي في بلدة «ميرج» عن طريق بلدية المنامة في الثلاثينيات من القرن الماضي، فقد كانت الحكومة هي البلدية آنذاك، كما أصبحت بومباي منفى للسياسيين الوطنيين ضد السلطات البريطانية، منهم محمد قاسم الشيراوي في أواخر عام 1921، والسيد سعد الشملان في منتصف عام 1923 والشيخ عبدالوهاب بن حجي الزياني في 10 نوفمبر 1923، وكان تاجراً وسياسياً ووطنياً مع صديقه أحمد بن لاحج البوفلاسة، وقد رفع الشيخ عبدالوهاب دعوى ضد الحكومة البريطانية وفاز بالقضية وتوفي ودفن في بومباي عام 1925.

كما كان السيد أحمد بن عبدالرحمن الزياني من التجار المعروفين في بومباي وله علاقات شخصية مع كبار تجار الخليج والهند والمسؤولين، وهناك السيد محمد علي زينل علي رضا من الحجاز ويعتبر عميد التجار واستقر في بومباي منذ وصوله وعمره أحد عشر عاما حتى وفاته في عام 1969، وكان يحظى باحترام كبير من قبل الحكومة الهندية قبل وبعد الاستقلال. 

وكذلك ذهب الى بومباي الكثير من الموسيقيين من الخليج واليمن من بينهم مطربون مشهورون من البحرين، منهم الفنان محمد بن فارس وضاحي بن الوليد ومحمد زويد، وكان وليد أول خليجي غنى أغنية «المراكب الهندي بو دقلثين (السفينة الهندية ذات الصاريتين)» المشهورة، وهي من كلمات الشاعر اليمني يحيى عمر أبو معجب اليافعي، ومن ثم المغني العماني سالم الصوري ثم قدمها محمد عبده في مسلسل «أغاني في بحر الأماني» عام 1969 «بتصرف».

ولأهمية الهند فقد تداول الكثيرون قول: «الهند هندك إذا قل ما عندك».

يعتبر شاعرنا وفيلسوفنا الشهير السيد إبراهيم العريض المولود في بومباي لأسرة بحرينية ودرس فيها، وكذلك السيد سالم أحمد العريض الذي درس المحاماة وألف كتابا عن القانون باللغة الإنجليزية، والمحامي السيد حميد صنقور الذي درس قانون الكومنولث البريطاني، كما ألف السيد سلطان بن محمد بن علي المناعي كتاباً مشهوراً عن الأوزان القياسية للؤلؤ في عام 1886 وأصبح مرجعاً للتجار والمسؤولين الحكوميين وأقرته الحكومة البريطانية، وقد أعاد السيد محمد عبدالله المناعي الذي واصل على طريق تجارة اللؤلؤ والمجوهرات الممتدة في العائلة منذ 1824 ونشر ذلك الكتاب مرتين حيث أصبح الأصل نادراً جداً. 

أتمنى أن تدعم الجهات المعنية إنتاج فيلم أو مسلسل عن هذه الحقائق التاريخية وحفظها من الضياع، فقد تم إنتاج مسلسل كويتي بعنوان «محمد علي رود» عن التجار الكويتيين في تلك الفترة، كما قامت غرفة تجارة وصناعة البحرين مشكورة بتشكيل فريق عمل لتدوين الوجود البحريني في الهند في تلك الفترة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news