العدد : ١٥٦٨٩ - الأحد ٠٧ مارس ٢٠٢١ م، الموافق ٢٣ رجب ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٦٨٩ - الأحد ٠٧ مارس ٢٠٢١ م، الموافق ٢٣ رجب ١٤٤٢هـ

مقالات

مسكن المطلقة بين الواقع والقانون

بقلم: المحامية هنادي عيسى الجودر

الأحد ١٧ يناير ٢٠٢١ - 02:00

القراء الأعزاء، 

تكمن أهمية الأسرة للفرد في أنّها تُشبع لديه الشعور بالانتماء وتكون الملاذ الآمن له، فهي الكيان الذي يوفر له الحماية المادية، الاقتصادية، العاطفية، الاجتماعية والنفسية، ويُعد المسكن من أهم العوامل التي تكفل للأسرة مستوى معيشي ملائما وكافيا، وتحفظ خصوصيتها، وهو يُمثل حق الإنسان في أن يعيش في مكان خاص به في أمن وسلام بشكل يحفظ له ولأسرته كرامتها الإنسانية، وهو حقّ كفلته الشرعية الدولية لحقوق الإنسان إذ تناولته الفقرة (1) من المادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ووفقاً لبيان اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أمام مؤتمر الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (الموئل الثاني) في دورتها الثالثة عشرة عام 1995، فإنه ينبغي ألا يُفسر هذا الحق تفسيراً ضيقاً أو تقييدياً بحيث يصبح مساوياً لمجرد تزويد المرء بسقف يحتمي به، بل ينبغي أن يُفسر بأنه يعني حق المرء في أن يعيش في مكان ما أو في أمن وسلام وكرامة طبقاً لمبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ولمبادئ العهد ذاته، وطبقاً لما ذكرته لجنة المستوطنات البشرية، فإن (المأوى الملائم يعني... التمتع بالدرجة الملائمة من الحياة الخاصة، والمساحة الكافية، والأمن الكافي والإنارة والتهوية الكافيتين والهيكل الأساسي الملائم، والموقع الملائم بالنسبة لأمكنة العمل والمرافق الأساسية – وكل ذلك بتكاليف معقولة) (http://hrlibrary.umn.edu/). وقد كفل دستور مملكة البحرين الحق في المسكن الملائم في الفقرة (و) من المادة (9) منه، كما كفل حرمة المسكن في المادة (25)، باعتباره حقّا يتكامل مع بقية حقوق الإنسان الأخرى ويرتبط بها وبالكرامة الإنسانية المتأصلة به.

وتتمثل إشكالية الحق في المسكن، بعد انفصام رابطة الزوجية بالطلاق، في حالتين، إحداهما حالة المطلقة الحاضنة فترة الحضانة وبعد انتهائها والأخرى حالة المطلقة بدون أبناء، إذ تكمن الإشكالية الحقيقية فيما تواجهه المرأة من صعوبات وفترات انتظار قد تطول وتطفئ الأمل في قلوب من يكابدن مشقة الترقب والانتظار، إذ إنه على الرغم من التشريعات والقرارات المنظمة لحق المطلقة في السكن، فإنه مازال هذا الحق يُشكلّ عقدة حقيقية للمرأة بحاجة إلى حلٍّ بعيد عن قواعد البيروقراطية وإجراءاتها الطويلة ومتطلباتها المعقدة.

وسنتناول معاً موضوع المسكن في ظل علاقة الزواج من خلال ثلاث صور رئيسية هي: مسكن الحضانة للمرأة الحاضنة، ومسكن المطلقة الحاضنة بعد انتهاء مدة الحضانة أو المطلقة غير الحاضنة، وقبلهما سنلقي ببعض الضوء على مسكن الزوجية في حال قيامها، كالآتي:

أولاً: نصت المادة (58) من قانون الأسرة على أنه: (على الزوج أن يهيئ لزوجته مسكناً خاصاً ملائماً مجهزاً يتناسب وحالته المادية) واستطردت أحكام المواد (59،60،61) في تنظيم هذا الشأن بتفاصيلٍ أخرى تتعلق بمسكن الزوجية، فعندما يتقدم طالب الزواج لأسرة الزوجة، يكون من ضمن أهم المواضيع التي تتم مناقشتها هو مسكن الزوجية، ويتم التوافق على ذلك بين عائلتي الزوجين أو بينهما بحسب الأحوال، فيخلصا إلى أن يكون مسكن الزوجية إما مسكنا مستقلا قد يكون مملوكا للزوج أو مستأجرا، أو يتم السكن بالتوافق أيضاً في منزل عائلة أحد الزوجين في حجرة أو قسم أو شقة تابعة لمسكن العائلة، وغالباً ما يتعهد الزوج في الوضع الثاني بأن وضع السكن مع عائلته هو مجرد حل مؤقت لمدة يحددها، ثم يقضي الله من أمره ما يشاء، ولي مع الخيار الثاني حكاية عرفتها بحكم طبيعة عملي، إذ قبلت الزوجة بالسكن في غرفة واحدة في منزل عائلة زوجها بوعد منه أن يكون مدة ذلك سنة واحدة فقط ينتقلا بعدها إلى مسكن خاص بهما، وامتدت هذه السنة إلى ثماني سنوات عانت فيها ما عانت بصمت وأمل. المحزن في هذه القصة أن مساحة الغرفة كانت ثلاثة أمتار في ثلاثة، والأغرب من ذلك أنّها احتملت وصبرت على أمل أن تحظى بحبه واحترامه وتقديره للصبر والتضحيات، ثم نالت عكس ذلك تماماً، وما هذه إلا نموذج من نماذج مختلفة وحكايات كثيرة. 

ثانيا: مسكن الحضانة للمرأة الحاضنة، إذ بعد أن تنفصم رابطة الزوجية بأي نوع من أنواع الطلاق، وفي ظل وجود أبناء من هذا الزواج، ينشأ حق الحضانة والحق في مسكن الحضانة، وهي حقوق لصالح الأبناء من حيث الأصل، وقد نظمت المادة (91) من قانون الأسرة احكام سكن الحاضنة والمحضون، فللمرأة الحاضنة الحق في أن تسكن مع المحضون في مسكن الزوجية حتى يهيئ والد المحضون مسكناً مستقلاً مناسباً مجهزاً لإقامة الحاضنة مع المحضون طوال مدة الحضانة، وإذا كان مسكن الزوجية قابلاً للقسمة فللزوج قسمته، أو تحصل الحاضنة على أجرة سكن، (ولن أتناول في هذا المقال دور المرأة ومشاركتها المادية في بناء مسكن الزوجية، وحقها القانوني في ذلك، لكوني قد تطرقت إليه في مقال سابق)، فالخياران الأولان اللذان تناولهما المشرع من الناحية القانونية هما بحاجة إلى ضمانات من الناحية الواقعية تحمي حق المرأة الحاضنة وسلامتها، في حال ما إذا شكّل المحضون له مصدر خطر يتهدد الحاضنة، الأمر الذي قد يدفعها إلى القبول بأقل الحلول للابتعاد عنه وعن المشاكل التي قد يتسبب لها فيها، حفاظاً على سلامتها، أما أجرة السكن فهي رهن بالسلطة التقديرية للقاضي الشرعي في حال عدم الاتفاق بين الطرفين، وهنا يكمن أحد أصعب التحديات التي قد تواجهها الحاضنة، فهل سيكفيها الحكم لها بمبلغ 90 دينارا أو 70 دينارا، ليغطي أجرة سكن حاضنة مع أربعة أبناء أو أكثر؟ أليس من المنطق أن توضع تحت يد المختصين دراسات توضح أسعار الإيجارات في المناطق المختلفة، ليتم الاستعانة بها في تقدير أجرة السكن للحاضنة بما يتوافق مع واقع الحال وقيمة الإيجارات الحقيقية؟ وإذا ما كانت أجرة سكن الحاضنة تُقدّر وفقاً لسعة المحضون له، وكان المحضون له غير قادر فعلاً فما هو الحل؟ وماذا إن كان المحضون له غير مهتم أصلاً بمصير طليقته وأبنائه منها وتعمّد الظهور بمظهر المعسر؟ هل تترك الأسر المكونة من الأم المطلقة وأبنائها من دون مسكن لائق؟ أعتقد أن مثل هذا الوضع بحاجة إلى دراسة واقعية وحلول عاجلة.

ثالثاً: مسكن المطلقة الحاضنة بعد انتهاء مدة الحضانة، فالأصل أن مسكن الحضانة يكون حقا للحاضنة والمحضون طوال فترة الحضانة، وتنتهي حضانة الأم ببلوغ الذكر خمس عشرة سنة وبالنسبة للأنثى حتى تتزوج ويدخل بها الزوج، وفقاً للفقه السني وعند اتمام سن السابعة للإبن أو البنت وفقاً للفقه الجعفري (م 124) من قانون الأسرة.

(وإذا استبعدنا الحلول القضائية واللجوء إلى المحاكم)، ماذا إذا انتهت فترة الحضانة، وامتنع الزوج عن توفير مسكن لأبنائه ووالدتهم؟! أو ماذا لو تُركت الأم لتواجه مصيرها بعد انتقال الحضانة إلى الأب، وهنا تبدأ مشكلة سكن المطلقة بعد انفصام علاقة الزوجية أو بعد انتهاء حضانتها لأبنائها، وتجد الكثير من المطلقات أنفسهن أمام مشكلة السكن، وعلى الرغم من أن الدولة قد كفلت الحق في السكن لهاتين الفئتين، إذ تقدم لهم الخدمات الإسكانية للفئة الثانية إن كانت المطلقة مع أبناء، وخدمات الفئة الخامسة إن كانت المطلقة بلا أبناء، كما يلعب المجلس الأعلى للمرأة دوراً مهما في هذا الصدد، ولكن مع ذلك مازالت المرأة تعاني من مشكلة المدد الطويلة التي يستغرقها حصولها على الخدمة الإسكانية، ولا سيما أولئك اللاتي بلا قنوات تواصل تربطهن بالجهات المختصة للحصول على شيء من العون ولو على صعيد التطمين، فهناك من النساء المطلقات العاجزات من يرزحن تحت عبء انتظار الحصول على سكن لائق يحقق الأمن الأسري لهن ولأبنائهن أو بمفردهن بعيداً عن الحاجة إلى الآخرين، وتلك الحالات تستحق أن تمنح أولوية في الحصول على الحق في السكن بحجم مدى إلحاح حالاتهم باعتبار أن المنتفعين بها هم أصحاب المراكز القانونية الضعيفة ضمن فئات المجتمع (النساء والأطفال) وهي فئات جديرة بمزيد من الحماية وأن تجعل ضمن أولويات الجهات المختصة.

layalialshoug@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news