العدد : ١٥٦٨٣ - الاثنين ٠١ مارس ٢٠٢١ م، الموافق ١٧ رجب ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٦٨٣ - الاثنين ٠١ مارس ٢٠٢١ م، الموافق ١٧ رجب ١٤٤٢هـ

مقالات

الاقتصاد العالمي والحاجة إلى رؤية اقتصادية جديدة

بقلم: عدنان يوسف

الأربعاء ١٣ يناير ٢٠٢١ - 02:00

اعتدنا في مطلع كل عام أن نكتب حول توقعاتنا للاقتصاد الإقليمي والعربي والعالمي من واقع قراءاتنا وتحليلاتنا، وما تصدره المؤسسات الدولية بهذا الشأن. ولكن هذه هي المرة الأولى الذي أكتب فيها حول هذا الموضوع وأنا خارج منصبي كرئيس تنفيذي لمجموعة البركة المصرفية، وهو المنصب الذي كنت أشغله طوال العشرين السنة الماضية. وأعتقد أن رؤية الأحداث الاقتصادية تصبح بصورة أوضح وأعمق عندما ننظر إليها ونحن خارج مناصبنا الرسمية.

وبداية لم تكن أكثر السيناريوهات تشاؤما التي صدرت عن المؤسسات الدولية تتوقع أن تتواصل معنا جائحة كورونا وبهذا الزخم الكبير ونحن نلج عام 2021، لذلك اضطرت هذه المؤسسات إلى مراجعة توقعاتها أكثر من مرة. وفي حين استجابت المؤشرات الاقتصادية العالمية إيجابا لبدء العمل باللقاحات ضد الفيروس، فإن موجة الإغلاقات التي تشهدها الدول الأوروبية في الوقت الحاضر، علاوة على عدد من دول العالم الأخرى، ألقت بظلال سلبي على توقعات العام، لذلك فإن العنوان العريض لعام 2021 هو حالة عدم اليقين، حيث سيظل العالم يسير على حبل مشدود تتجاذبه التطورات الايجابية من جانب والسلبية من جانب آخر. لكننا كالعادة نحن نميل نحو التفاؤل، ونعتقد أن النصف الثاني من العام سوف يكون العالم بحال أفضل.

وفيما يخص اقتصاديات دول المنطقة، فنحن ندرك جميعا أن سعر النفط يلعب دورا حاسما في تحسن وضعها الاقتصادي خلال عام 2021. ويبدو أن أسعار النفط التي تبلغ حاليا 55 دولارا للبرميل تتجه للتماسك بضوء قرار أوبك بلس بتخفيض الإنتاج وقرار المملكة العربية السعودية بالتخفيض الطوعي لحصتها خلال شهري فبراير ومارس القادمين وتوقعات تحسن الطلب وبالذات من الدول الآسيوية ولا سيما الصين. فإذا ما بلغ سعر النفط 60 دولارا فإن الأوضاع المالية للدول المصدرة للنفط بما في ذلك دول الخليج سوف تتحسن بشكل أفضل، وسوف ينعكس إيجابا على التوقعات الاقتصادية. لكننا لا ننسى بذات الوقت أن بلوغ سعر النفط مستويات 60 دولارا وما فوق سوف يحفز منتجي النفط الصخري ولا سيما في الولايات المتحدة من العودة للإنتاج بقوة، مما يهدد جانب العرض في الأسواق. وهكذا نلاحظ إن حالة عدم اليقين تظلل أيضا على الاقتصادات الخليجية.

ومن المتوقع أن يتعافى النمو إلى 1.8% في العام الجاري في الدول المصدرة للنفط، بدعم من عودة الطلب على النفط إلى الوضع الطبيعي والتخفيف المقرر لخفض إنتاج النفط في بلدان أوبك+ والدعم على صعيد السياسات والتخفيف التدريجي للقيود المحلية المرتبطة بالجائحة.

بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي، فمن المتوقع أن ينمو بنسبة 4% عام 2021، بافتراض أن التوزيع الأولي للقاحات فيروس كورونا (كوفيد-19) سيصبح واسع الانتشار خلال العام. لكن البنك الدولي يفيد بأن التعافي سيكون ضعيفا على الأرجح، ما لم يتحرك صانعو السياسات بحسم لكبح جماح الجائحة وتطبيق إصلاحات لتعزيز الاستثمار. ولقد تسببت الجائحة في خسائر فادحة من الوفيات والإصابات المرضية، ودفعت بالملايين نحو هوة الفقر، وربما تقلص النشاط الاقتصادي والدخل لفترة طويلة. وتتمثل قمة الأولويات على صعيد السياسات في الأمد القريب في السيطرة على انتشار الفيروس وضمان سرعة توزيع اللقاحات على نطاق واسع. وبغية دعم التعافي الاقتصادي ستحتاج السلطات أيضا إلى تيسير دورة إعادة الاستثمار التي تهدف إلى نمو مستدام أقل اعتمادا على الدين الحكومي.

وفي الاقتصادات المتقدمة، تعثر الانتعاش الناشئ في الربع الثالث عقب ارتفاع الإصابات مجددا، مما يشير إلى بطء التعافي ومواجهة كثير من التحديات. ومن المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة 3.5% في 2021، بعد انكماشه بمعدل يُتوقع أن يبلغ 3.6% في 2020، وفي منطقة اليورو من المنتظر أن ينمو الناتج 3.6% في العام الجاري، بعد انخفاضه 7.4% في 2020، ومن المتوقع أن ينمو النشاط في اليابان، التي شهدت انكماشا بنسبة 5.3% في السنة التي انتهت للتو، بمعدل 2.5% في 2021، لكننا نعتقد أن تداعيات كورونا سوف تظل متواصلة في الدول المتقدمة هذا العام والعام المقبل على الأقل.

ومن المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي الكلي في اقتصادات الأسواق الناشئة والبلدان النامية 5% في 2021، بعد انكماشه 2.6% في 2020، ومن المتوقع أن ينمو الاقتصاد الصيني 7.9% في العام الجاري بعد تسجيل معدل نمو يصل إلى 2% في العام الماضي. وسوف يكون للصين دور رئيسي في تحسن الوضع الاقتصادي العالمي. 

وأخيرا، فإننا نرى أنه بالرغم من أن سياسات التيسير المالي هي ضرورية في الوقت الراهن من أجل التعافي، فإن تجربة استخدامها بعد أزمة عام 2008 أثبتت أن لها الكثير من الآثار الجانبية السلبية، خاصة فيما يخص تشجيع تراكم الديون على الشركات والحكومات، ودفع البنوك والمستثمرين للمضاربات والاستثمار في أصول منخفضة النوعية، وخاصة أن الحاجة للإنفاق من المالية العامة وانهيار مستويات الإنتاج أدى إلى ارتفاع الديون السيادية العالمية إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق لتصل إلى 100% من إجمالي الناتج المحلي العالمي، لذلك لا بد لدول العالم، وخاصة الدول النامية أن تسعى لتبني رؤية اقتصادية جديدة تقوم على التركيز على تنمية الاقتصاد الحقيقي الذي أثبتت الأزمة أننا بحاجة إلى ضخ استثمارات كبيرة فيه، مثل قطاعات التعليم والصحة والصناعات المعرفية والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية لكي نخلق تنوعا في الاقتصاد أولا، وثانيا لكي نخلق اقتصادا قادرا على مقاومة الصدمات المفاجئة ويحمي البشر والمجتمع بصورة مستدامة. وهذا الموضوع سوف نتناوله في مقالات قادمة إن شاء الله.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news