العدد : ١٥٨٩٢ - الأحد ٢٦ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤٣هـ

العدد : ١٥٨٩٢ - الأحد ٢٦ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤٣هـ

قضايا و آراء

استراتيجيات الأمن القومي للدول بين أسس الصياغة ومتطلبات التطوير

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ١١ يناير ٢٠٢١ - 02:00

ضمن اهتمامي باستراتيجيات الأمن القومي استرعى انتباهي ربط العديد من الدول استراتيجياتها بالتداعيات التي أحدثتها جائحة كورونا ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر استراتيجية الأمن القومي الياباني بعد كورونا، وغيرها من الدول التي أعلنت إعادة النظر في استراتيجياتها بعد تلك الجائحة. واقع الأمر أن استراتيجيات الأمن القومي ليست بالأمر الجديد، ولكن التساؤل هو كيف كانت تصاغ تلك الاستراتيجيات وما  التحول الذي طرأ بشأنها؟ وهذا هو جل ذلك المقال.

فإذا تتبعنا ظهور تلك الاستراتيجيات فسنجد أنها كانت أكثر وضوحاً إبان الحرب الباردة، حيث كان لكل من القطبيين العظميين استراتيجية تستهدف ضم حلفاء من دول العالم إلا أن الولايات المتحدة طورت من استراتيجية صراعها مع الاتحاد السوفيتي آنذاك، وخاصة في مسألة سباق التسلح، الأمر الذي مثل إنهاكاً للقدرات السوفيتية، ما كان أحد عوامل انهيار المنظومة الاشتراكية. من ناحية أخرى فقد حرص حلف شمال الأطلسي «الناتو» على إصدار ما يسمى «المفهوم الاستراتيجي الجديد» منذ تأسيس الحلف بحيث يصدر كل عشر سنوات وهو بمثابة مراجعة أمنية لكل المستجدات التي تواجه الحلف، ويجد مسؤولو الحلف صعوبة في مواجهتها من خلال الميثاق المنشئ له من حيث تحديد مكان وكيفية استخدام القوة العسكرية لمواجهة تلك المستجدات وغيرها من الاستراتيجيات الأخرى التي ظهرت إبان العقود الماضية ومنها الكتاب الأبيض للدفاع والأمن في فرنسا، استراتيجية الأمن القومي لبريطانيا، الكتاب الأبيض بشأن السياسة الدفاعية في الصين.

والملاحظ على تلك الاستراتيجيات ثلاث نقاط، الأولى: أنها غالباً ظلت أسيرة للمجالين العسكري والأمني، وربما يجد ذلك تبريره في أن هذين المجالين يتطلبان خططاً بعيدة المدى لارتباطهما بالتحولات في البيئتين الإقليمية والدولية، والثانية: أنه لا توجد مدة زمنية محددة لأي استراتيجية كمعيار ثابت وإنما تتفاوت كل دولة من حيث متطلباتها وقدراتها على مواجهة تلك التحديات فتتراوح من ثلاثة إلى خمسة أعوام وتصل بالنسبة إلى حلف الناتو إلى عشر سنوات، والثالثة: أن تلك الاستراتيجيات ليست سرية بل معلنة وتوضع على المواقع الرسمية للدول ومتاحة للجميع، بل يتم إجراء حلقات نقاشية بشأنها.

ومع أهمية ما سبق تطرح ثلاثة تساؤلات ذاتها، الأول: ما الذي طرأ على تلك الاستراتيجيات من تغير؟ والثاني: لماذا تكتسب تلك الاستراتيجيات أهمية بالغة؟ والثالث: «ما الدروس المستفادة بالنسبة إلى الدول العربية والخليجية من تلك الاستراتيجيات؟

وبداية، يلاحظ أن أبرز التغيرات التي طرأت على تلك الاستراتيجيات أنها أضحت أكثر شمولاً لكل جوانب الأمن، بحيث تجاوزت الأبعاد العسكرية إذ أصبح للأمن السيبراني والبيئي بل والصحي مكاناً ضمن تلك الاستراتيجيات وهو ما يعني ضم خبراء في تلك المجالات إلى فرق صياغة تلك الاستراتيجيات بما يضمن واقعيتها وشمولها وقابليتها للتنفيذ. من ناحية ثانية، فقد لوحظ أن صياغة تلك الاستراتيجيات تعد عملاً قومياً؛ بمعنى أنه تشارك فيه العديد من الجهات المعنية، صحيح أن الأمر منوط بفرق عمل، ولكن تلك الفرق لا يكون عملها مكتبيا فحسب، بل للجولات والزيارات، وخاصة أن للمناطق التي سوف تستهدفها تلك الاستراتيجيات نصيبا من عمل تلك الفرق، ويلاحظ أن تلك الجولات لا تقتصر على اللقاءات الرسمية بل تشمل مراكز الدراسات ومؤسسات المجتمع المدني في الوقت ذاته، من ناحية ثالثة: نجد أن تلك الاستراتيجيات ليست جامدة بل تستجيب لأي تطورات أو مستجدات، ويفسر ذلك ظهور استراتيجيات منفصلة عن الأمن البحري أو الأمن السيبراني وغيرها من الاستراتيجيات الفرعية، وإن كان يجمعها إطار واحد هو الأمن القومي.

ولا شك أن تلك الاستراتيجيات تمثل أهمية بالغة ليس فقط كونها تحدد بوضوح للعالم المسار المستقبلي لأي دولة بما يعنيه ذلك من أن تغير النخب الحاكمة، وخاصة في الدول الكبرى، لن يكون سبباً في تحول جذري في سياساتها، ربما تكون هناك أولويات أو سياسات تكتيكية، ولكن لن يكون ذلك على حساب الثوابت التي تتضمنها تلك الاستراتيجيات. من ناحية ثانية، فإن الاستراتيجيات تحدد بوضوح التحديات وقدرات الدولة على مواجهتها، وبالتالي تكون لدى مؤسسات الدولة فرصة في معالجة الفجوات، إن وجدت، بل إن تضمين تلك الاستراتيجيات مؤشرات بشأن الأزمات والكوارث وكيفية التعامل معها يعد أحد أبرز مضمون للتحول الذي طرأ على تلك الاستراتيجيات. من ناحية ثالثة، فإن تلك الاستراتيجيات تعكس بوضوح مصالح الدول، وخاصة الثابت منها والمتغير.

وبرأيي أن هناك حاجة للدول العربية والخليجية إلى إيلاء استراتيجيات الأمن القومي أهمية بالغة، ولا يعني ذلك أنه لا توجد استراتيجيات، بل هناك العديد منها وتشهد تطوراً بشكل مستمر، ولكن ما أعنيه يتلخص في خمس نقاط، الأولى: أهمية إعادة النظر في مضامين استراتيجيات الأمن القومي في ضوء المستجدات الأمنية الراهنة إما بتعديل تلك الاستراتيجيات وإما صياغة استراتيجيات منفصلة تشمل قضايا بذاتها مثل استراتيجية مواجهة تهديدات الأمن السيبراني أو البحري أو استراتيجية للتعامل مع الأزمات والكوارث، والثانية: إشراك العديد من الجهات في صياغة تلك الاستراتيجيات انطلاقاً من تغير مفهوم الأمن ذاته ليشمل الأمن الصحي والبيئي وغيرها من مجالات الأمن المختلفة، والثالثة: أهمية مناقشة تلك الاستراتيجيات في المؤسسات المعنية بحيث يكون الأمر بمثابة اختبار لمضامين تلك الاستراتيجيات من ناحية والتعرف إلى آراء المعنيين بها من ناحية ثانية، والرابعة: ضرورة بل حتمية الاستفادة من تجارب الدول الكبرى، وخاصة تتبع ظهور استراتيجياتها وكيف تطورت وكيف واجهت الدول من خلالها مهددات أمنها القومي، والخامسة: ضرورة تنمية الوعي المجتمعي بتلك الاستراتيجيات بحيث تكون هناك معرفة كافية وعلمية لدى كل الأفراد والمؤسسات بمهددات الأمن القومي التي ربما يكون من السهولة بمكان التعرف عليها من خلال وسائل الإعلام والتصريحات الرسمية إلا أن الأهم هو تعزيز الوعي بالقدرة على مواجهة تلك التحديات.

ولا يعني ما سبق أن هناك نمطا واحدا أو محددا لصياغة تلك الاستراتيجيات أو كيفية تنفيذها بحيث يرتبط ذلك بقدرات كل دولة وظروفها وأولوياتها إلا أن الأمر الثابت هو أن تلك الاستراتيجيات تعد بوصلة مهمة للغاية لصانع القرار والمجتمع في آن واحد في ظل تنامي مخاطر الأمن القومي وسعي الجماعات الإرهابية والدول التي ترعاها لاستخدام كل السبل لتهديد أمن الدول في ظل الثورة المعلوماتية والتكنولوجية التي بقدر ما بهما من فرص فإنهما تحملان تحديات جمة. ومجمل القول أن هناك حاجة ماسة إلى تطوير آليات صياغة تلك الاستراتيجيات ليس فقط على المستوى الرسمي، بل مسؤولية الأكاديميات المعنية بالدراسات الأمنية من حيث تخصيص مناهج دراسية معنية باستراتيجيات الأمن القومي، بالإضافة إلى مسؤولية وسائل الإعلام لإيضاح مضامين تلك الاستراتيجيات وأهميتها سواء حالياً أو مستقبلاً في ظل المستجدات الأمنية السريعة التطور. 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news