العدد : ١٥٦٨٣ - الاثنين ٠١ مارس ٢٠٢١ م، الموافق ١٧ رجب ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٦٨٣ - الاثنين ٠١ مارس ٢٠٢١ م، الموافق ١٧ رجب ١٤٤٢هـ

مقالات

كي لا تكون نفقة الأبناء أحد أسلحة حرب الطلاق

المحامية هنادي عيسى الجودر

الأحد ١٠ يناير ٢٠٢١ - 02:00

القراء الأعزاء،، 

انتهينا في مقال الأسبوع الماضي إلى تكريس بعض المقالات لتسليط الضوء على قضايا المرأة والطفل في محيط الأسرة باعتبارها أساس المجتمع وفقاً لدستور مملكة البحرين المعدّل 2002، ذلك الأساس الذي متى ما ضعُف أضعف المجتمع بأكمله، وليس بخافٍ أن ارتفاع نسب الطلاق يُعدّ مؤشراً على خلل في أسس الرابطة الزوجية يؤثر على استمرارية الاسرة بشكلها الطبيعي. وأسباب عدم استمرار نسبة من الزيجات كثيرة، منها أسباب شخصية تتعلق بكل علاقة على حدة، وأخرى عامة قد تُعزى إلى الانفتاح الإعلامي على ثقافات أخلاقية روّجتها البرامج التلفزيونية والمسلسلات المدبلجة وما إليها، ناهيك عن الأبواب الشاسعة التي تفتحها وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة على مصراعيها وتؤثر على الفكر.

وليكن معلوماً أن الطلاق هو الصورة الظاهرة لانتهاء الرابطة الزوجية، إذ إن لها صورا أخرى ولكنها غير ظاهرة للمجتمع كانفصام العلاقة الزوجية واقعاً واستمرارها ظاهراً، أو اضطرار المرأة إلى قبول الاستمرار في العلاقة الزوجية على مضض ورغماً عنها لأسباب مختلفة، منها على سبيل المثال الاستمرار خوفاً من الرجل أو خجلاً من المجتمع، أو خوفاً من المستقبل المعتم أمام عينيها، ولا سيما إن كانت قد تجاوزت سنّا معينة ولا تملك مكانا يؤويها بعد الطلاق.. وأسباب أخرى كثيرة، ومثل هذه الحالات لها قضاياها الخاصة.

وعوداً على بدء.. الطلاق إن وقع رسمياً تترتب عليه نتائج وآثار، أهمها حقوق الزوجة بعد وقوعه وفقاً لنوع الطلاق، وحقوق الأبناء من حضانة ونفقة ومسكن، وسنتناول في هذا المقال حقّ الأبناء في النفقة، وهو من الحقوق التي قد تخلق معضلة كبيرة للحاضنة غالباً، وذلك في غير الحالات التي يحكم فيها القضاء بنفقة كافية أو يتم التوافق على نفقة مماثلة وكافية بين الطليقين رضائياً، فبعض الآباء يضع مصلحة الأبناء نصب عينه دائماً وفي مقدمة أولوياته، أما البعض الآخر فلا يرى أمام عينه سوى نفسه وصالحه، وقد يلجأ إلى أي سبيل ينتهي به إلى حرمان طليقته من جميع حقوقها، بما يشمل نفقة الأبناء باعتبارها ستكون تحت يدها، واقعا في التباس بأنها حق للأم فيما هي حق للأبناء وليس لوالدتهم، وفي الحالات التي يستخدم المنفق نفقة الأبناء كسلاح من أسلحة حرب ما بعد الطلاق فإن النفقة تصبح عبئاً ثقيلاً على المرأة الحاضنة يُثقل كاهلها ويقضّ مضجعها، لأن النفقة مرتبطة باحتياجات الأبناء الأساسية، ويجب أن تكون بقدر الكفاية لسد هذه الحاجات بما يحفظ للأطفال حياة إنسانية كريمة، وبالتالي يجب أن تكون كافية وأن تتوافر في مواقيت معينة لا تقبل التغيير أو التأجيل وبشكل ثابت ومستمر دون انقطاع.

وإذا أردتم معرفة لماذا قد يستخدم المحضون له نفقة الأبناء سلاحا في حرب الطلاق! فالجواب هو لأسبابٍ عديدة، وسأتناول أهمّها، إذ قد يتّخذها بعضهم وسيلة للإضرار بطليقته، وبالفعل هناك ضرر نفسي يطول المرأة، ولكن الضرر الأكبر والحقيقي سيلحق بأبنائه وحاجاتهم، وقد يعاند المحضون له للمحافظة على استمرار وضع الإنفاق بعد الطلاق كما كان قبل الطلاق، إذ اعتادت الزوجات في شريحة من المجتمع مشاركة الأزواج في الإنفاق بنسبة قد تفوق نسبة إنفاق الزوج وبالتالي يعاني الأخير من صدمة تحمّل مسؤولية الإنفاق على الأبناء بعد وقوع الطلاق ويحاول أن يتّقيها بكل الوسائل المتاحة لدفع المرأة إلى الاستمرار في الإنفاق.

وفي النفقة قضت المادة (46) من قانون الأسرة بأن (النفقة حق من حقوق المنفق عليه وتشمل الطعام والكسوة والمسكن وما يتبع ذلك من تطبيب وخدمة وغيرهما مما يقتضيه العرف)، فهي حقّ أقرّته الشريعة الاسلامية ونظّمه القانون، ويدخل في تقديرها سعة المنفق وحال المنفق عليهم مع مراعاة الزمان والمكان والأعراف، فالأصل أن الفكرة في النفقة هي تلبية احتياجات الأبناء الأساسية من طعام وكسوة ومسكن وتطبيب وخدمة ودراسة وما إليها، ولكن واقع الحال أن النفقة التي استقر القضاء عليها غالباً ما تكون أقل من قدر الكفاية من حيث الواقع، كقضية سيدة حُكم لها بمبلغ 73 دينار لابنيها (ولد وبنت) اكتفى والدهما به، ويرفض تقديم أي مساعدة لهما سواه حتى في حالات حاجتهما الماسة إلى المساعدة، وتلك السيدة كما قالت لي «قد بلغت من الإرهاق النفسي والمادي ما أفقدني الشعور بالأمان وجعلني في حالة قلق لأنني قد كرّست نفسي لأكون المصدر المادي والنفسي الوحيد لأبنائي».. فبالله كيف تستطيع امرأة كهذه أن تمنح أبناءها الشعور بالأمان المادي إن كانت هي نفسها تفتقده؟! 

وتلعب سعة المنفق له دوراً مهماً في تقدير النفقة، ولكن التحقق من هذه السعة رهين بما يظهره المنفق له من مستندات، أما واقع الحال وما يخفيه فهو أعظم، إذ غالباً ما يكون للمنفق مصادر دخل أخرى وكبيرة ولكن تعجز الحاضنة عن إثباتها أمام القضاء، مقابل ما قد يقدمه المنفق للمحكمة من مستندات تفيد بإعساره ليجعل إنفاقه في أضيق الحدود، وتحضر ذاكرتي قصة احدى السيدات التي قدّم طليقها للمحكمة شهادة قرض بنكي تم الحصول عليه قبل يوم واحد فقط من تقديم المستند!

وقد سبق لي أن اقترحت في مقال قديم -وأكرر- ضرورة أن يتم تحديد الحد الأدنى لنفقة الأبناء بقانون ويترك الحد الأعلى لتقدير القاضي الشرعي، بحيث يتم احتساب الحد الأدنى من قبل مختصين من ذوي الخبرة بعد إجراء بحث ميداني يوضح احتياجات الأبناء وأسعار السلع الأساسية المتعارف عليها بين أقرانهم من أبناء جيلهم لضمان أن يكون الحدّ الأدنى المقرر قانونا مستوفياً لقدر الكفاية التي تمنح الأبناء العيش الكريم بعد وقوع الطلاق، وتمنع استخدام نفقتهم سلاحا من أسلحة حرب الطلاق. 

كلمة أخيرة

نفقة الأبناء هي واجب والتزام على المولود له تجاه أبنائه، وهي السبيل لتحقيق الكفاية لهم وحمايتهم من العوز والحاجة إلى الآخرين، ما قد يسهم في تسهيل انحرافهم إلى سُبل قد تكون عاقبتها وخيمة، فأبناؤكم فلذات أكبادكم. تذكرّوا دائماً الشعور الذي تولّد في قلوبكم وأعينكم عند رؤيتهم للمرة الأولى، ولا تنسوا أنهم يوماً ما سيكونون الذراع التي تستندون إليها، فاجعلوها ذراعاً قوية قادرة على مساندتكم بحب وامتنان.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news