العدد : ١٥٦٤٨ - الاثنين ٢٥ يناير ٢٠٢١ م، الموافق ١٢ جمادى الآخر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٦٤٨ - الاثنين ٢٥ يناير ٢٠٢١ م، الموافق ١٢ جمادى الآخر ١٤٤٢هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

الإيمان في زمن الشك والمعاناة

منذ أكثر من ربع قرن، أحرص كل عام على أن أكتب مقالا بمناسبة أعياد الميلاد.

وفي كل هذه المقالات، كنت أحرص باستمرار على أن أتجنب الحديث عن أي موضوع باستثناء الحديث عن الأديان، والقيم الروحية والإنسانية العامة التي يجب أن يتحلى بها البشر.

 لكن كما تعلم عزيزي القارئ، هذا العام يختلف تماما عن كل الأعوام السابقة. هذا العام حمل معه الموت، والحزن، والأسى، والألم، والمعاناة، في كل دول العالم بلا استثناء.

 كل أوجه المعاناة والألم هذه ارتبطت بطبيعة الحال بفيروس كورونا الذي ضرب العالم، ولا يزال، وبكل ما خلفته هذه الأزمة من تأثيرات وتداعيات كارثية ومدمرة على كل المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وعلى حياة كل البشر.

منذ أن انتشر هذا الفيروس بكل ما سببه من معاناة وآلام، فان السؤال الكبير الذي يطرحه كثيرون في العالم هو: هل كان هذا الفيروس عملا من أعمال الطبيعة، أم كان من عمل البشر، أي تم تخليقه في المعامل وخرج عن السيطرة؟

الإجابة عن السؤال صعبة جدا اليوم، وقد يحمل المستقبل إجابة له، وقد لا يحمل أي إجابة. لكن في كل الأحوال، الشكوك حول نشأة الفيروس ومن يقف وراء ذلك موجودة ومطروحة بإلحاح.

هذه الشكوك ليست وليدة اليوم، وانما هي موجودة منذ سنوات طويلة. صراعات الدول والقوى الكبرى وسعيها للسيطرة على العالم ومقدرات الشعوب تثير دوما مثل هذه الشكوك.

وهناك مفكرون وكتاب كثيرون في الغرب طرحوا في العقود الماضية أفكارا تعزز هذ الشكوك، وتعزز النظريات التي يحلو للبعض أن يسميها نظريات مؤامرة. وما يقال اليوم عن كورونا يمكن أن ندرجه في هذا الاطار.

قرأنا عديدا من الكتب، وشاهدنا عديدا من البرامج تتعلق بالموضوع.

ولعل أهم ما طرح هنا كان نظرية «صراع الحضارات» التي صاغها المفكر السياسي الأمريكي صمويل هنتنجتون، والتي ذهب فيها الى أن الهويات الثقافية والدينية ستكون هي السبب الأول للصراع العالمي في فترة ما بعد انتهاء الحرب الباردة.. هذا على الرغم من أنه منطقيا وتاريخيا، فإن الحضارات يجب ألا تتصارع بل يكمل بعضها البعض.

 مثل هذه الأفكار جعلت الكثيرين في العالم يعتقدون بوجود أصابع خفية وقوى كبرى هي التي تحرك الأحداث الكبرى في العالم وتقف وراءها.

ينطبق هذا مثلا على شكوك الكثيرين في العولمة وما وراءها. وينطبق أيضا على ما سمي «الربيع العربي».

في هذا السياق، يعتقد الملايين في العالم أن فيروس كورونا ليس من أعمال الطبيعة، وإنما من اختراع البشر لأهداف وغايات خفية من جانب جهات وقوى نافذة محددة.

الكثيرون يتساءلون مثلا: هل تم تطوير فيروس كورونا كأداة تدميرية أكثر خطورة من القنبلة النووية؟

بالطبع، لو كان الأمر هكذا فعلا، فإن أي قوة عالمية عظمى تقف وراء هذا التطور لا يمكن أن تقر بما فعلته.

في هذا الإطار أيضا، يتساءل كثيرون مثلا: كيف يمكن تفسير أن أكبر قوة عظمى في عالم اليوم مثل الولايات المتحدة تحتل المرتبة الأولى عالميا في عدد الوفيات بسبب كورونا على الرغم من أن بيل جيتس حذر من فيروس كهذا قبل خمس سنوات؟

في عام 2015، قال بيل جيتس مؤسس شركة مايكروسوفت ان الولايات المتحدة ودول العالم الأخرى ليست مستعدة لوباء عالمي سوف يضربها في المستقبل. وقال: «اذا كان هناك شيء سوف يقتل عشرة ملايين شخص في العقود القليلة القادمة، فسوف يكون على الأرجح فيروسا وليس حربا.. ليس صواريخ ولكن فيروسات».

إذا كان قد حذر من هذا قبل خمس سنوات، فكيف نفسر أن السلطات الأمريكية المسؤولة لم تأخذ الأمر بجدية؟

القضية التي تشغل بال العالم كله اليوم هي: كيف يمكن أن نعود إلى حياتنا الطبيعية؟

اليوم، أصبحت اللقاحات متاحة بالتدريج في الدول الغنية والقادرة، ولكن ماذا عن الدول الفقيرة التي لا تستطيع تحمل تكلفة اللقاحات؟.ليس من المقبول أبدا التخلي عن هذه الدول.

المفارقة أن أزمة فيروس كورونا حتى لو صح أن وراءها «مؤامرة» ما من أي نوع، فإنها أظهرت أن مصير البشرية واحد، وعظمت من قيم التعاون والتكافل بين البشر والشعوب، وليس الصراع والحروب.

لهذا، حين نكتب اليوم بمناسبة أعياد الميلاد، نقول إنه في هذا الزمن الذي نعيشه، زمن الشك والمعاناة، فان البشرية أحوج ما تكون الى السلام والتعايش والتعاون، بغضّ النظر عن الدين أو العرق أو اللون.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، البشرية أحوج ما تكون إلى الايمان بالله تعالى، والتمسك بالقيم الروحية النبيلة التي تسعى اليها كل الأديان السماوية.

اليوم كل البشر بحاجة إلى أن يدركوا أنه مهما بلغ التقدم العلمي، ومهما امتلكنا من أسباب القوة، فلن يغنينا هذا عن حاجتنا الحاسمة الى السلام والطمأنينة والتكاتف والتعاون والتمسك بالقيم الإنسانية.

وفي مناسبة مولد المسيح عليه السلام، أتمنى من كل قلبي لكم جميعا بلا استثناء الصحة والسلام والسعادة.. لكم ولكل من تحبون وللبشرية بأسرها.

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news