العدد : ١٥٦٨٣ - الاثنين ٠١ مارس ٢٠٢١ م، الموافق ١٧ رجب ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٦٨٣ - الاثنين ٠١ مارس ٢٠٢١ م، الموافق ١٧ رجب ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

الجيوش وإدارة الأزمات الأمنية: حقل غاز أميناس نموذجًا

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٢١ ديسمبر ٢٠٢٠ - 02:00

ضمن اهتمامي بمجال إدارة الأزمات على كافة مستوياتها سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو العالمي استوقفتني أزمة استيلاء جماعة إرهابية مسلحة على حقل غاز أميناس بالجزائر عام 2013 والتي أعلنت مطالب محددة من الحكومة الجزائرية، ربما تكون هناك أزمات شهدتها دول مختلفة إلا أن تلك الأزمة بها العديد من الدروس المستفادة، وتعود القصة إلى السادس عشر من يناير عام 2013 عندما أعلنت جماعة منشقة عن تنظيم القاعدة استيلاءها على حقل لإنتاج الغاز في مدينة عين أميناس جنوب شرق الجزائر، وقد دخلوا من دول مجاورة واحتجزوا مئات العاملين في الحقل وكانوا من الجزائر وجنسيات مختلفة تتبع دولاً غربية، وقد قاموا بتلغيم الحقل والتهديد بقتل الرهائن وتفجير المكان ما لم تتم الاستجابة لمطالبهم الثلاثة وهي الأول: انسحاب قوات الجيش الجزائري التي بدأت تطويق المكان وأن يكون التفاوض مع حكومات الرهائن، والثاني: مطالبة الحكومة الجزائرية بإغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الفرنسية التي كانت قد بدأت في توجيه ضربات عسكرية للجماعات المتشددة في مالي، والثالث: إطلاق سراح 100 معتقل من الإسلاميين في الجزائر مقابل إطلاق سراح الرهائن وتأمين خروج المختطفين من الحقل.

ووفقًا لسيناريو كافة الأزمات عادة ما يكون سقف المطالب في البداية مرتفعًا في اختبار لقوة الطرف الآخر ومدى استعداده للتفاعل معها، وواقع الأمر أن تلك الأزمة قد جسدت بالفعل كافة عناصر الأزمة المتعارف عليها وهي المفاجأة وضيق الوقت ونقص وتضارب المعلومات والحاجة لاتخاذ قرار عاجل في ضوء ثلاثة عوامل ضاغطة أولها: عدم وجود معلومات كافية حول قوة هؤلاء الخاطفين وكيف دخلوا إلى البلاد حيث اتضح لاحقًا في أعقاب انتهاء العملية العثور على كميات هائلة من الأسلحة الحديثة بحوزتهم، وثانيها: أنه بالرغم من أن طرفي الأزمة هما الجيش الجزائري والخاطفين وهي أزمة محلية بيد أنه كانت لها أبعاد دولية لانتماء حوالي 150 فردًا لدول كبرى وما يعنيه ذلك من ظهور بوادر رأي عام بشأن كيفية حماية هؤلاء وتحريرهم من أيدي خاطفيهم، وثالثها: أهمية حقل إنتاج الغاز بالنسبة للاقتصاد الجزائري، إذ تعد الجزائر أحد أهم موردي الغاز للدول الأوروبية وما يعنيه ذلك من توقف تلك الإمدادات بل وتأثيرها على الشركات الأجنبية المماثلة العاملة في الدول المجاورة.

ومع التسليم بما سبق فإن الجيش الجزائري قد أدار تلك الأزمة ببراعة عالية ليقدم نموذجًا بشأن التعامل مع الأزمات الأمنية التي تمثل تهديدًا للأمن القومي للدولة متمثلاً في حقل الغاز عصب اقتصادها. ومجمل ذلك أنه كانت هناك محاور ثلاثة لإدارة تلك الأزمة أولها: الجاهزية العالية من حيث محاصرة المكان والاستعداد بأقصى درجة لشن هجوم شامل لتحرير الرهائن من خلال أسلوب المباغتة، وثانيها: انتهاج الغموض والسرية وذلك على نحو مغاير لما يتم اتباعه من ضرورة وجود متحدث إعلامي، إلا أنه لم تصدر أي بيانات أو تصريحات رسمية تشير إلى شيء ما في هذا الاتجاه أو ذاك، وثالثها: عدم مقابلة المطالب المرتفعة بموقف مضاد حيث تم الإيحاء بأن الجيش يؤيد خيار التفاوض مع الخاطفين من خلال زعماء القبائل القريبة من حقل الغاز.

وفي ظل تلك الاستراتيجية المتكاملة قام الجيش بعمل عسكري مفاجئ بعد أيام قليلة من وقوع تلك الأزمة معلنًا مقتل 32 مهاجمًا من 6 جنسيات مختلفة، و23 رهينة من جنسيات مختلفة، وتحرير 685 عاملاً جزائريًا و107 أجانب.

وفي تقديري أن تلك الأزمة بها العديد من الدروس المستفادة، أولها: التقدير الصحيح للموقف ويرتبط ذلك بشكل وثيق بعامل الوقت الذي يعد مهمًّا للغاية خلال إدارة الأزمات، حيث تشير المصادر إلى أن الخاطفين لم يكتفوا فقط بالتهديد بقتل الرهائن بل بدأوا بالفعل في إعدام 6 منهم، الأمر الذي اعتبر تحديًا كبيرًا للجيش الجزائري حيث كان يتعين اتخاذ قرار بتحرير الرهائن والقضاء على الإرهابيين، وثانيها: أسلوب الخداع الاستراتيجي من خلال إبداء الموافقة على مبدأ التفاوض من خلال وسيط في حين أنه كان يتم إتمام الاستعدادات لشن هجوم شامل على هؤلاء المسلحين، بمعنى آخر التلازم بين الأساليب الضاغطة والتوفيقية إبان الأزمات في إطار القرار الاستراتيجي المتخذ، وثالثها: الغموض الإعلامي لأنه في الأزمات فإن الطرف المسبب للأزمة يسعى للاستفادة من أي تصريحات حتى لو كانت بسيطة إلا أن تعمد عدم الإدلاء بتصريحات سواء كانت أخبارا عامة كنوع من طمأنة الرأي العام العالمي بشأن رعايا الدول الغربية أو غيرها، وكان ذلك جزءًا من استراتيجية انتهجها الجيش الجزائري ثبتت فاعليتها في إنهاء تلك الأزمة على النحو الذي تم التخطيط له مسبقًا.

وعلى الرغم من مرور سبع سنوات على انتهاء تلك الأزمة وعدم وجود الكثير من المعلومات بشأنها فإنها تقرع أجراس الإنذار بشأن استراتيجيات إدارة أزمات من هذا النوع، صحيح أنها وقعت داخل التراب الوطني للدولة ولكنها لن تخلو من أبعاد إقليمية ليس أقلها المخاوف التي سادت الشركات الأجنبية العاملة في الحقول المماثلة واحتمال أن تكون هناك هجمات أخرى مماثلة بالنظر إلى قدرة تلك الجماعات على عبور الحدود محملة بأسلحة متنوعة ومتعددة بما يعنيه ذلك من ضرورة التأكد من حماية المنشآت الحيوية ليس فقط من خلال إجراءات الحماية التقليدية بل ضد وسائل الحرب الحديثة ومنها طائرات الدرونز وكذلك الهجمات السيبرانية، من ناحية ثانية ضرورة وجود فرق متخصصة لإدارة الأزمات الأمنية والتي يمكنها الاجتماع في غضون وقت قصير للغاية في أعقاب وقوع أزمات من هذا النوع على أن تضم في الوقت ذاته خبراء في القانون الدولي والإعلام والتخطيط الاستراتيجي بجانب أفراد القوات المسلحة على غرار إدارة الرئيس الأمريكي روبرت كيندي لأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 والتي تعد الأزمة الدولية الأشهر في التاريخ من خلال تشكيل ما عرف بلجنة الأمن القومي التي ضمت 15 فردًا متساوين في الرتب وطلب منهم العمل على مدى أربع وعشرين ساعة لوضع تفسيرات عاجلة لسلوك الاتحاد السوفيتي غير المعهود بنصب صواريخ بعيدة المدى في كوبا، وكذلك صياغة خيارات أمريكية للرد، ومن ناحية ثالثة تدريب فرق إدارة الأزمات على التعامل بحرفية مع أزمات من هذا النوع وذلك من خلال الاطلاع على أزمات مماثلة من ناحية وعمل سيناريوهات لأزمات وهمية يمكن من خلالها تحديد القدرات والمخاطر والأهم الفجوات وكيفية مواجهتها، الأمر الذي من شأنه أن يمثل مدخلاً مهمًّا ليس لمنع الأزمات ولكن لإدارتها وفق منظور استراتيجي متكامل وخاصة تلك التي ترتبط بالأمن القومي للدول وتحتاج لقرارات حاسمة في ظل عدم وجود رفاهية الانتظار.

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news