العدد : ١٥٦٨٩ - الأحد ٠٧ مارس ٢٠٢١ م، الموافق ٢٣ رجب ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٦٨٩ - الأحد ٠٧ مارس ٢٠٢١ م، الموافق ٢٣ رجب ١٤٤٢هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

الأعياد الوطنية.. والاحتفاء باجتياز عام التحديات الصعبة

يأتي الاحتفال بالأعياد الوطنية هذا العام وسط أجواء تتسم بنوع من المشاعر المختلطة بعد أن مرت البحرين والعالم كله بعام استثنائي على كل المستويات وهو عام 2020, الذي خيمت عليه آثار وتداعيات جائحة وبائية لفيروس كورونا المدمر في كل أنحاء العالم بوتيرة صاعقة تشبه التسونامي.

وبلا أدنى شك.. لقد كان عام 2020 هو عام التحديات الصعبة, فلم تقتصر الآثار الكارثية لوباء كورونا على صحة وسلامة الناس في كل مكان من أرجاء المعمورة, وإنما امتدت على نحو مفجع لتصيب الاقتصاد العالمي بالارتباك والانكماش والكساد والتدهور الاقتصادي ما أدى إلى خسائر كبيرة في كل الاقتصادات العالمية، في طليعتها الاقتصادات الكبرى في الدول المتقدمة شرقا وغربا, ناهيك عن مضاعفة الأزمات المعيشية والصحية وتفاقم المعاناة في بلدان العالم الثالث والدول النامية.

ومن هنا, كان حجم التحدي والاختبار كبيرا, سواء على المستوى الصحي في مواجهة أزمة وبائية تهدد حياة الناس على نحو مباغت وداهم, أو على المستوى الاقتصادي والاجتماعي بعد أن شلت الأزمة الوبائية الحركة الاقتصادية والحركة التجارية في ظل تراجع النشاط الاقتصادي, وإعطاء الأولوية للحفاظ على حياة الناس, وصعوبة مواصلة الحياة الطبيعية في ظل حالة الرعب والهلع التي سيطرت على مشاعر الناس خوفا من انتشار الوباء.

وفي الحقيقة, لقد كان حجم التحدي كبيرا. وفي مثل هذه الأجواء الصعبة ليس من المبالغة القول إن هذه هي الظروف التي تختبر معادن الشعوب والقيادات.

وكما يقول المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي إنه كلما كان حجم التحدي عظيما كانت الحاجة ماسة بصورة أكبر إلى أن يكون قدر الاستجابة في مواجهته عظيما أيضا.

ولعله من الإنصاف القول إنه من حسن حظ البحرين أن أنعم العلي القدير عليها بقيادة إنسانية حكيمة ممثلة في جلالة الملك الذي نجح في قيادة البلاد إلى بر الأمان في مواجهة هذه الأزمة المباغتة العاتية بفضل توجيهاته وقراراته الصائبة والسريعة والتي جعلت البحرين واحدة من أنجح التجارب العالمية في التصدي لجائحة كورونا.

وفي هذا السياق, لابد من الإشادة بالجهود الجبارة التي بذلها سمو ولي العهد رئيس الوزراء الأمير سلمان بن حمد آل خليفة الذي قاد فريق البحرين الوطني لمواجهة أزمة فيروس كورونا واللجنة التنسيقية التي تعمل تحت إشرافه في ظل توجيهات جلالة الملك.

لقد قاد سمو ولي العهد رئيس الوزراء اللجنة الوطنية لمكافحة فيروس كورونا بكل جدارة واقتدار وظهرت خلال هذه الأزمة القدرات القيادية المتميزة لسموه في مواجهة مثل هذه الأزمات المصيرية, فقد اتسم نهجه بالهدوء والدقة والحزم والالتزام بالنهج العلمي الصارم والتخطيط الاستراتيجي المحكم, وهو ما ظهر في التشديد على تطبيق الإجراءات الاحترازية مع السماح باستمرار حركة الأنشطة الاقتصادية في قطاعات رئيسية مع الالتزام بضوابط وتدابير فائقة الدقة, الأمر الذي أسهم في استمرار عجلة الحياة الاقتصادية بقدر ملحوظ وتجنب الكثير من الخسائر التي تكبدتها اقتصادات دول أخرى اضطرت إلى تنفيذ إجراءات الإغلاق التام للاقتصاد وحظر التجوال أسابيع متتالية.

وسوف يسجل التاريخ بحروف من نور لجلالة الملك النهج الحكيم والرؤية الثاقبة التي أدار بها هذه الأزمة المصيرية, وهنا لا بد من التنويه بعدد من المبادرات المهمة التي اتخذتها قيادة البلاد والتي ستظل نبراسا للأجيال القادمة في كيفية التعامل مع هذه التحديات الكبرى:

أولا: أن جلالة الملك كان حريصا باستمرار على التواصل مع أبناء شعبه والمقيمين طوال فترات الأزمة عبر سلسلة من البيانات والخطابات لطمأنتهم والتأكيد على حرص الدولة على اتخاذ كل الإجراءات الكفيلة بالحفاظ على صحتهم وتسخير كل مقدرات الدولة الطبية والصحية لضمان توفير أعلى درجات الرعاية الصحية للمواطنين والمقيمين في مواجهة الجائحة.

ثانيا: أن جلالة الملك كان حريصا باستمرار على الإشادة بجهود المرابطين في الصفوف الأمامية من كوادر وطنية طبية وصحية وتمريضية وإدارية وأمنية وعسكرية ومدنية لما يبذلونه من جهود قياسية لأنهم يتقدمون الصفوف في مواجهة الوباء وعلى استعداد متواصل لتقديم التضحيات.

ثالثا: أن جلالة الملك كان سباقا وذا رؤية استشرافية ثاقبة في إدراك النتائج الصعبة لهذه الأزمة على الظروف الاقتصادية وحياة المواطنين والمقيمين, فكانت مبادرته المبكرة بالتوجيه إلى إصدار الحزمة المالية والاقتصادية التي وفرت للقطاع الخاص القدرة على الاستمرار في النشاط الاقتصادي ووفرت الحماية للمواطنين من شبح البطالة, كما وفرت الدعم للمواطنين والمقيمين عبر تحمل الدولة تكاليف دعم الكهرباء عدة شهور, فضلا عن التسهيلات التي أتاحت تأجيل سداد أقساط القروض حتى نهاية العام.

فهذه الحزمة المالية والاقتصادية لدعم الاقتصاد والمواطنين والمقيمين والتي كلفت خزينة الدولة عدة مليارات من الدنانير قدرت بنحو ثلث ميزانية الدولة, هي التي جعلت الاقتصاد البحريني قادرا على الصمود في مواجهة الأزمة, وفتحت الآفاق للتفاؤل بقدرته على تجاوز الأزمة سريعا بحيث بات متوقعا إمكانية تحقيق نمو اقتصادي بنحو 5% خلال العام المقبل 2021, كما أشار إلى ذلك وزير المالية والاقتصاد الوطني.

رابعا: لقد أتاحت مبادرة جلالة الملك بتوفير حزمة الدعم المالي والاقتصادي القدرة والإمكانية للشركات الصغيرة والمتوسطة أن تواجه أعباء الأزمة, وتواصل البقاء في السوق وتجنب الكثير من الخسائر لتظل من الدعائم الأساسية للاقتصاد الوطني, فهذه المشروعات الصغيرة والمتوسطة لم تكن لتواصل الصمود لولا الدعم الكبير الذي وفرته لها الدولة بتوجيهات من جلالة الملك.

خامسا: ستظل تجربة فريق البحرين الوطني بقيادة سمو ولي العهد رئيس الوزراء في مواجهة أزمة وباء كورونا نموذجا يحتذى في الإدارة الحصيفة والقديرة في مواجهة الأزمات الكبرى, ويكفينا فخرا أن منظمة الصحة العالمية قد أشادت على نحو متكرر بالتجربة البحرينية في مواجهة الأزمة ودعت الدول الأخرى إلى اتخاذها نموذجا يحتذى.

ولعل هذا ما يدعو إلى الزهو والافتخار الوطني, لأن نجاح البحرين في مواجهة الأزمة -وهي البلد الصغير من حيث المساحة وتعداد السكان وحجم الاقتصاد- قد جاء بالمقارنة مع الفشل الذريع الذي تهاوت إليه دول أوروبية وغربية متقدمة ذات اقتصادات كبيرة وإمكانيات طبية وصحية هائلة، ولكنها تحولت إلى بؤر لانتشار الوباء وتحولت الجائحة فيها إلى كارثة وطنية بكل المقاييس في ضوء الخسائر في الأرواح البشرية التي قدرت بمئات آلاف الضحايا بالإضافة إلى الخسائر الاقتصادية التي قدرت بالمليارات.

سادسا: لقد كشفت هذه الأزمة مجددا عن الطابع الحضاري العريق والحس الإنساني العميق لشعب البحرين, فباستثناء بعض التجاوزات في أوقات محدودة, أظهر عموم الشعب البحريني وعيا حضاريا كبيرا في التعامل مع الأزمة عبر التجاوب مع توصيات فريق البحرين الوطني ولجنة مكافحة فيروس كورونا بالالتزام بالإجراءات والتدابير الاحترازية لحماية صحة المواطنين والمقيمين, ولقد لعب هذا الوعي والتجاوب الحضاري الكبير في مواجهة الأزمة دورا محوريا في نجاح الدولة في الحد من الآثار السلبية للأزمة في كافة المستويات صحيا واقتصاديا واجتماعيا ومعنويا.

كما أظهرت الأزمة من جانب آخر الحس الإنساني الحضاري الرفيع ذاته الذي يتميز به شعب البحرين, وذلك من خلال التجاوب الكبير الذي عبرت عنه كل قطاعات وفئات المجتمع البحريني سواء المقتدرة ماليا أو ذات الدخل المحدود عبر التجاوب مع الحملة التي أطلقها سمو الشيخ ناصر بن حمد بعنوان «فينا خير», والتي نجحت في جمع ملايين الدنانير من التبرعات للمساعدة في تخفيف الآثار الاجتماعية لجائحة كورونا على الفئات المحتاجة في المجتمع, وهو الأمر الذي يجسد مجددا مشاعر التضامن والتكاتف الاجتماعي بين أبناء الأسرة البحرينية الواحدة وخاصة في مواجهة الأزمات الكبرى.

سابعا: استمرارا لنهج المبادرات الكريمة لجلالة الملك تجاه المواطنين والمقيمين, كان من الأنباء السارة أنه عندما تأكد التوصل عبر تجارب علمية وطبية آمنة تصل نسبة نجاحها إلى 95% لإنتاج لقاح أو مصل مضاد لفيروس كورونا, كانت البحرين من أوائل الدول التي تعاقدت على شراء كميات كافية من هذا اللقاح, وتوفيره في أسرع وقت ممكن بالتوازي مع الدول المتقدمة في العالم.

وجاءت المبادرة الإنسانية لجلالة الملك بتوفير اللقاح المضاد لفيروس كورونا لكل المواطنين والمقيمين مجانا, لتؤكد مجددا أن جلالة الملك ليس فقط قيادة حكيمة وإنما قائد إنساني رحيم كل ما يشغله هو توفير الأمن والأمان والعيش الكريم لأبناء شعبه والمقيمين, وهو ما يمثل خير تمثيل قيمة ومكانة البحرين الحضارية والإنسانية في كل أنحاء العالم.

ورغم كل هذه المشاعر من الزهو والافتخار بما أنجزته البحرين في عام التحديات الكبرى عام مواجهة جائحة كورونا, فإن عام 2020 أبى أن يغادرنا من دون أن يشعرنا بقدر كبير من الحزن والأسى بعد رحيل المغفور له بإذن الله تعالى سمو الأمير خليفة بن سلمان رئيس الوزراء الراحل, الذي جاء نبأ وفاته بمثابة الصدمة لكل أبناء البحرين والمقيمين فيها, لما كان يتمتع به من مكانة رفيعة ومحبة عميقة تقديرا لدوره الوطني التاريخي في نهضة البحرين وتقدمها على مدى أكثر من 50 عاما, ويكفي أن نشير إلى الإشادة بجهوده الكبيرة في تأسيس بنية تحتية قوية في القطاعات الحيوية التي تهم حياة الناس مثل الصحة والتعليم والإسكان.

فنجاح البحرين على المستوى الصحي والطبي استند إلى البنية التحتية القوية والراسخة والمتقدمة التي وفرتها حكومة خليفة بن سلمان في القطاع الطبي والرعاية الصحية منذ ما قبل استقلال البحرين حتى رحيله في هذا العام.

ورغم خسارة الوطن الفادحة برحيل قائد تاريخي ذي بصمات تنموية واضحة, فإن مشاعر الأمل والثقة في المستقبل تبقى دائما مرتكزة إلى شعور الشعب بالاطمئنان والأمان في ظل قيادة جلالة الملك وحكمته وحسه الحضاري والإنساني العميق, وإلى الثقة المتزايدة بالقدرات الإدارية والقيادية الكفؤة لسمو ولي العهد رئيس الوزراء الأمير سلمان بن حمد والتي ظهرت بجلاء خلال مواجهة أزمة كورونا وفي قيادته للعمل الحكومي وإدارة الملف الاقتصادي بكفاءة واقتدار.

ومن هنا تغمرنا مشاعر التفاؤل والثقة بقدرة البحرين على تجاوز آثار هذه الجائحة سريعا والانطلاق مجددا في استكمال مسيرة التطور والنهضة الحضارية.. أدام الله علينا فرحة الأعياد الوطنية في وطن آمن حرّ مزدهر بعون الله.

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news