العدد : ١٥٨٩٢ - الأحد ٢٦ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤٣هـ

العدد : ١٥٨٩٢ - الأحد ٢٦ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤٣هـ

قضايا و آراء

اجتماع وزراء خارجية دول حلف الناتو: بين الإصلاحات الداخلية وتحديد الخصوم

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ١٤ ديسمبر ٢٠٢٠ - 02:00

على مدى يومين في الأول والثاني من ديسمبر الجاري عقد وزراء خارجية حلف شمال الأطلسي «الناتو» اجتماعًا عبر منصات افتراضية، صحيح أنه يعد اجتماعًا دوريًا لبحث تحديات الحلف وكيفية التعامل معها، إلا أن توقيت الاجتماع ومضمون القضايا التي تناولتها وسائل الإعلام يؤكد وبما لا يدع مجالاً للشك أن المنظمة الدفاعية الأقوى في العالم منذ الحرب العالمية الثانية حتى الآن تواجه تحديات هائلة، ربما لا تكون المرة الأولى التي يثار فيها ذلك الحديث لكنه لطالما كانت هناك تلاسنات لفظية بين قادة دول الحلف والتي بلغت ذروتها مع تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبل عام من الآن من أن حلف الناتو يعاني من «موت سريري»، إلا أن ذلك الاجتماع قد أوضح مدى عمق المأزق الذي يواجه الحلف سواء على صعيد العلاقة بين أعضائه أو التحديات الخارجية الهائلة والمتزامنة والتي يتعين على الحلف التعامل معها في وقت واحد.

فمن خلال تتبع نشأة الحلف وتطور أدواره نجد أنه يعد ترجمة للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة والتي تتيح للدول حق الدفاع عن النفس فرادى أو جماعات ومن ثم فقد كان الأداة الرئيسية للدول الغربية في صراعها مع الاتحاد السوفيتي إبان حقبة الحرب الباردة، إلا أنه قد استطاع التأقلم مع حقبة ما بعد انتهاء تلك الحرب سواء من خلال مناطق العمل أو إطلاق شراكات جديدة، بما يعني أن المرونة والرؤية الاستراتيجية سمتان لعمل تلك المنظمة، وعلى الرغم من ذلك فإن المتتبع للعلاقات البينية داخل الحلف يجد أن حجم التناقض كبير للغاية، وهذا ما عكسه الاجتماع الأخير المشار إليه من خلال ثلاثة مؤشرات لافتة، المؤشر الأول: ما أشارت إليه وسائل الإعلام بأن الاجتماع تضمن مناقشة تقرير جديد أعده مجموعة من الخبراء يتضمن أفكارًا للإصلاح بلغت 140 مقترحًا منها تعزيز دور الحلف كمنصة استشارية بالإضافة إلى بحث إيجاد آليات لمنع استخدام حق الفيتو ضمن القرارات التي يتخذها أعضاء الحلف، والثاني: مطالبة وزير الخارجية القبرصي دول الحلف بضم اليونان إلى عضوية الناتو وذلك كانعكاس واضح للصراع في شرق المتوسط الذي يمثل تحديًا هائلاً للناتو كونه يعكس مواجهة بين عضوي الحلف (تركيا واليونان)، إلا أن ذلك المقترح لن يكون من السهولة بمكان في ظل امتلاك تركيا حق الاعتراض على ضم أعضاء جدد، والثالث: وجود تباين بين دول الحلف تجاه مسألة الأمن الجماعي ذاته وهو ما كان سببًا أساسيًا في تأخر صدور المفهوم الاستراتيجي والذي يعد بمثابة مراجعة للتهديدات التي تواجه دول الحلف وتحديد آليات مواجهتها حيث دأب الحلف على إصداره كل عشر سنوات، ففي رده على سؤال في عام 2018م عما إذا كان الحلف يعتزم إصدار مفهوم استراتيجي جديد قال ينس ستولتنبرج الأمين العام للحلف « إن الأهم من المفهوم الاستراتيجي هو الإجراءات الاستراتيجية».

ولا تقل التحديات الخارجية حدة عن نظيرتها الداخلية، حيث جاء انعقاد ذلك الاجتماع تزامنًا مع ثلاثة تحديات مهمة، الأول: إعلان الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب أن الولايات المتحدة سوف تقوم بسحب 2500 جندي من 4500 جندي في أفغانستان، وذلك قبل يناير 2021، تلك القوات التي توجد هناك منذ حوالي عشرين عامًا كرد فعل على هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001م والتي كانت اختبارًا حقيقيًا لمضمون المادة الخامسة جوهر عمل الحلف كمنظمة للأمن الإقليمي الجماعي، بما يعنيه ذلك من أن انسحابًا وشيكًا للولايات المتحدة والتي تمثل النسبة الأكبر من القوات الغربية في أفغانستان والتي تبلغ 11 ألف جندي سيكون مأزقًا لحلف الناتو، والثاني: زيادة خصوم ومنافسي الحلف، ففي أعقاب إعلان الحلف وخاصة منذ اندلاع الأزمة الليبية أن روسيا تمثل تحديًا هائلاً للحلف وهو ما عبر عنه الجنرال برادفورد جيرنج قائد العمليات في قيادة القوات الأمريكية في إفريقيا «أفريكوم» بالقول «روسيا تحاول تأسيس نقاط ارتكاز رئيسية في الجناح الجنوبي لحلف الناتو»، فقد تضمن التقرير الذي قدمه الأمين العام للحلف للنقاش في الاجتماع المشار إليه بعنوان «الوحدة في عصر جديد» أنه يجب على الحلف الانتباه إلى التحديات التي تمثلها الصين بالنسبة للحلف، ومن التوصيات التي طرحت في هذا الشأن أنه يجب على حلف الناتو تأسيس هياكل خاصة تضمن هيمنة تقنية لدول حلف الناتو على الصين، فضلاً عن حماية دول الحلف من السيطرة على قطاعات اقتصادية يرى دول الحلف أنها تمثل تحديًا لهم، والثالث: تأثير الأزمات الخارجية على التضامن بين أعضاء حلف الناتو، حيث تناقلت وسائل الإعلام وقوع تلاسن بين مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي ونظيره التركي مولود جاويش أوغلو حول الصراع في شرق البحر المتوسط وشراء تركيا منظومة الدفاع الصاروخية الروسية إس 400. وبغض النظر عن صحة ذلك من عدمه فإن الأمر الثابت هو وجود توتر واضح بين عدد من أعضاء الحلف نتيجة لتباين مواقف دول الحلف تجاه التهديدات الخارجية.

ومع التسليم بما سبق فإن حلف الناتو يبقى هو الإطار الدفاعي الأهم للدول الغربية ويؤكد ذلك ثلاثة أمور أولها: تأكيد الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن على أهمية العمل مع الحلفاء وهو التصريح الذي وجد صدى سريعًا لدى ينس ستولتنبرج الأمين العام لحلف الناتو من خلال الإعلان عن اعتزامه دعوة الدول الأعضاء لقمة مبكرة عقب تنصيب الرئيس بايدن وأنه من بين موضوعاتها تعزيز الدور السياسي للحلف لكونه الركيزة الأساسية للدول الغربية في الدفاع الجماعي، وثانيها: أنه في ظل التمدد الروسي في المفاصل الاستراتيجية للحلف ومنها ما تم تداوله مؤخرًا من نية روسيا تأسيس مركز بحري في السودان، ومع وجود مؤشرات تشي بتركيز الرئيس الأمريكي الجديد جون بايدن على عدة ملفات داخلية في الولايات المتحدة فإن ذلك يعني استمرار الحاجة للاعتماد على حلف الناتو للاضطلاع بدور أكبر في العالم حتى لا تكون هناك فراغات يمكن لمنافسيه الاستفادة منها، وثالثها: أنه على الرغم من وجود مقترحات أوروبية بشأن تأسيس هوية أمنية للدول الأوروبية فإن حجم التأييد الأوروبي للناتو لا يزال كبيرًا مقارنة بتأييد تلك المقترحات التي تحتاج لسنوات لتنفيذها على أرض الواقع.

 ومجمل القول أن الخلافات بين أعضاء حلف الناتو ليست بالأمر الجديد بل وجدت طريقها إبان مشاركة قوات دول الحلف في الحروب، البعض يفضل الهجوم والبعض الآخر يفضل الدفاع، إلا أن الأمر الثابت هو امتلاك الحلف لآليات لإدارة الخلافات ليكون التوافق هو مرتكز عمل الناتو المنظمة الدفاعية الأقوى في العالم. 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news