العدد : ١٥٨٩٢ - الأحد ٢٦ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤٣هـ

العدد : ١٥٨٩٢ - الأحد ٢٦ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤٣هـ

قضايا و آراء

عالم ما بعد كورونا: ما بين تغير مفهوم الأمن وإعادة ترتيب النفوذ

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٠ - 02:00

كانت – ولا تزال - جائحة كورونا تستقطب اهتمام مراكز الفكر والبحث في دول العالم كافة ليس للبحث في ماهية ذلك الوباء وكيفية انتشاره إذ أن ذلك الأمر منوط بأجهزة الدولة المُختصة، بالإضافة إلى المعامل العلمية التي تولي تلك القضية اهتمامًا بالغًا، لكن اهتمام مراكز الفكر قد عكس ما توافق عليه الباحثون وهو «عالم ما بعد كورنا»، وهو النتيجة الاستراتيجية التي خلص إليها المشاركون في منتدى دراسات الثالث الذي عقد الشهر الماضي تحت عنوان «دور المراكز الفكرية في دعم الجهود الوطنية: محاربة جائحة كورونا وتداعياتها»، صحيح أن الأزمة لم تنته فصولها بعد إلا أنه إذا ما وضعنا الأمور في سياقها الصحيح فيمكن القول أننا نعيش الآن مرحلة التأقلم، فالأزمة تبدأ بالصدمة ثم التراجع فالتأقلم، بعض الدول شهدت انحسارًا ملحوظًا في عدد الإصابات وزيادة حالات التعافي والبعض الآخر لا يزال يعيش حدة تلك الأزمة، ولكن هذه الدول وتلك تشكل معًا لبنات لعالم واحد، بمعنى آخر لم يواجه العالم قط أزمة مشتركة على هذا النحو من قبل ولكن لم ينعكس ذلك الأمر على التعاون الدولي بالضرورة بما يعني أن تعارض المصالح وتناقضها سوف يظل سمة المشهد العالمي الراهن، ويثير ذلك تساؤلين مهمين الأول: ما هي الحقائق التي كانت أزمة كورونا كاشفة لها بالنسبة لقوة الدول؟ والثاني: ما هو تأثير تلك الحقائق على مجمل النظام العالمي بأسره وبالأحرى منظومة العلاقات الدولية؟

وللإجابة عن التساؤل الأول يمكن تحديد خمسة أمور أولها: لم تكن أزمة كورونا كاشفة لمضامين جديدة للأمن فحسب مثل الأمن الغذائي والصحي والبيئي بل في كيفية تحقيق ذلك الأمن، وخاصة بالنسبة للدول التي تعتمد بشكل أساسي على الواردات لتأمين احتياجاتها الغذائية، أو الدول التي لم تكن تخصص سوى ميزانيات ضئيلة للقطاع الصحي ضمن موازناتها السنوية، أو تلك التي كانت تعتبر الحفاظ على البيئة في أدنى أولوياتها، وثانيها: أن الدول مهما بلغت إمكاناتها المادية والبشرية ليس بإمكانها أن تحول دون وقوع الأزمة بيد أن الدول التي لديها مؤسسات معنية بإدارة الأزمات ليس فقط اعتمادًا على أداء مؤسسي وإنما من خلال إجراء تمرينات افتراضية حول أزمات متوقعة بما يعنيه ذلك من إمكانية تصميم سيناريوهات استشرافية والتدريب فإنها سيكون لديها القدرة على الحد من آثار ومخاطر تلك الأزمات، وثالثها: أوضحت أزمة كورونا الدور الذي تنهض به الدولة بمؤسساتها إبان الأزمات وخاصة تلك التي ترتبط بالأمن القومي للدول والتي تتطلب تكامل ذلك الدور مع أدوار مؤسسات المجتمع المدني سواء الأعمال التطوعية أو الإنسانية بما يعنيه ذلك من أن الأزمات تعد اختبارًا حقيقيًا لواقع التضامن المجتمعي داخل الدول، بمعنى آخر فإن أزمة كورونا قد أسست لعلاقات جديدة بين الدول ومواطنيها، ورابعها: مع أنني لست من أنصار نظرية المؤامرة ولكن استمرار حالة الغموض حول طبيعة ذلك الوباء وكيفية نشأته قد قرع أجراس الإنذار حول مخاطر الحروب البيولوجية والتي تعد برأيي الخطر الأكبر الذي سوف يواجه دول العالم مستقبلاً لرخص تكلفتها وفداحة خسائرها، وخامسها: أوجدت كورونا تحديًا لكل دول العالم ومضمونه «إدارة الموارد»، ففي ظل حالة الركود التي أصابت كافة القطاعات الحيوية في الدول فإن التحدي الأكبر يتمثل في كيفية إدارة موارد الدولة لتلبية الاحتياجات المعيشية لمواطنيها.

ومع أهمية التحديات السابقة فإن الحقيقة التي لا جدال فيها هي أن الدول مجتمعة تشكل منظومة دولية، بمعنى آخر فإن قوة الدول لن تقاس بما يمكن أن تقدمه ضمن النقاط الخمس المشار إليها فحسب بل ضمن أطر دولية أخرى ويتمثل ذلك في خمس نقاط الأولى: أن أزمة كورونا لن تعيد تشكيل النظام العالمي لأن ذلك الأمر مرتبط بأمور عديدة منها القدرات الاقتصادية والقوة الصلبة والناعمة وغيرها، لكن في ظل ظهور تنافس دولي محموم على سرعة إنتاج لقاح لذلك الوباء وظهور مؤشرات أولية لشركات دولية كبرى في هذا الشأن أمر من شأنه أن يسهم في بلورة معيار جديد يتم من خلاله تصنيف ترتيب دول العالم وهو المعرفة العلمية والتكنولوجية بما يعنيه ذلك من ارتباط الدول النامية بهذا التكتل أو ذاك، والثانية: أن تلك الأزمة ربما تعيد تفعيل العمل الجماعي الدولي من خلال المنظمات الأممية سواء من خلال الأمم المتحدة التي أطلقت مشروعًا بحثيًا لتقييم الآثار الاجتماعية والاقتصادية لوباء كورونا شمل 117 دولة في العالم من بينها مملكة البحرين، أو منظمة الصحة العالمية التي لديها خبرات وإمكانات فنية للتعامل مع الأوبئة ومن ذلك إطلاق المنظمة لتجربة التضامن من أجل إجراء بحوث ذات صلة بالجائحة، أو من خلال مجموعة العشرين التي استحدثت مجالاً بحثيًا جديدًا على أجندتها البحثية مستقبلاً حول إدارة الأزمات، والثالثة: تأثير أزمة كورونا على قضية نقل التكنولوجيا، صحيح أن تلك القضية ليست بالأمر الجديد حيث أنها لطالما أثيرت ولكن ارتباطًا بالمجال العسكري البحت، إلا أن كورونا والتي كانت اختبارًا حقيقيًا للقوة التكنولوجية لكل دولة سوف تؤدي إلى تنافس دولي مجددًا حول إنتاج التكنولوجيا وسبل احتكارها وانعكاس ذلك على ليس فقط على العلاقات بين الدول الكبرى بل بين تلك الدول والدول النامية وخاصة ما يرتبط بمسألة الشراكات البحثية من خلال المنح العلمية وغيرها، والرابعة: إذا كانت السمة العامة للأزمات الإقليمية في الوقت الراهن هي التدخلات الدولية فإن تداعيات كورونا التي سوف تستمر لسنوات ليست بالقليلة سوف تعزز من تلك التدخلات وخاصة أن الجماعات الإرهابية دائمًا ما تجد ملاذًا لها في الدول التي تواجه تحديات هائلة وخاصة الاقتصادية منها، والخامسة: في ظل عدم وجود تعاون دولي لمواجهة ذلك الوباء سواء من خلال تعثر صدور قرارات أممية أو عدم وجود دعم كاف للمبادرات الأممية في هذا الشأن فإن كورونا قد أعادت الجدل مجددًا حول آليات العمل الجماعي الدولي وسبل تفعيلها عمومًا وخلال الأزمات على نحو خاص.

ومجمل القول أن الأزمات عمومًا تحمل فرصًا للتعلم والاستفادة لتطوير الأداء مستقبلاً سواء بالنسبة للدولة أو المجتمع الدولي ككل إلا أن ذلك الأمر يرتبط بمدى ما توليه كل دولة لدراسات المستقبل والدراسات الاستشرافية لأهميتها في التعامل مع أزمات غير مسبوقة على غرار جائحة كورونا التي تطلبت من الدول العمل في مسارات وطنية ودولية في آن واحد لارتباطها ليس فقط بكافة نواحي الحياة وإنما في تبعاتها التي حددت وبوضوح مكامن الضعف والقوة لدى كافة دول العالم بما يتطلبه ذلك من حتمية تغير الاستراتيجيات الوطنية والدولية بشأن التعامل مع الأزمات.

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news