العدد : ١٥٧٢٤ - الأحد ١١ أبريل ٢٠٢١ م، الموافق ٢٨ شعبان ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٧٢٤ - الأحد ١١ أبريل ٢٠٢١ م، الموافق ٢٨ شعبان ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

مقترح إنشاء المركز البحري اللوجستي الروسي في السودان

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٣٠ نوفمبر ٢٠٢٠ - 02:00

في الثامن عشر من نوفمبر 2020م أوردت وسائل الإعلام مرسوم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي تضمن أمرا لوزارة الدفاع الروسية بإنشاء مركز لوجيستي للقوات البحرية الروسية في مدينة بورتسودان السودانية من أجل خدمة السفن الروسية في البحر الأحمر ليكون بإمكان ذلك المركز في الوقت ذاته استيعاب سفن مزودة بتقنيات نووية، ووفقاً لما جاء في تفاصيل الخبر فإن القدرة الاستيعابية لذلك المركز تم تحديدها بـ 300 جندي وموظف و4 سفن عسكرية يمكنها التواجد في ذات الوقت ومن بينها سفن نووية، بالإضافة الى إقامة مرافق لدعم متطلبات معيشة العسكريين الروس والبنى التحتية اللازمة لهم، وسوف تكون مدة ذلك الاتفاق 25 عاماً قابلة للتمديد، فضلاً عما تضمنته مسودة الاتفاق بشأن استعداد روسيا لتزويد السودان بالأسلحة والمعدات العسكرية من دون مقابل. 

وعلى الرغم من تأكيد رئيس أركان الجيش السوادني الفريق محمد عثمان الحسين أن السودان لم يوافق بعد على إقامة تلك القاعدة البحرية وأن ذلك الاتفاق لا يزال يخضع للدراسة، فإن جل هذا المقال هو مناقشة ذلك التوجه الروسي، إذ إنها ليست المرة الأولى التي تعلن فيها روسيا إقامة قواعد عسكرية بحرية في الشرق الأوسط والمنطقة العربية، ففي عام 2017م أعلنت كل من روسيا وسوريا إبرام اتفاق مدته 49 عاماً يتيح لروسيا الإبقاء على أسطولها البحري في ميناء طرطوس السوري، وقد تمت توسعته ليشمل 11 سفينة حربية، فضلاً عن غواصات نووية فإن المقترح الروسي يثير ثلاثة تساؤلات مترابطة الأول: يتعلق بواقع القدرات البحرية الروسية، والثاني: يرتبط بتأثير ذلك القرار على العلاقات الروسية-الغربية، والثالث: يدور حول تأثير القرار الروسي على معادلة الأمن الإقليمي.

فعلى صعيد القدرات البحرية الروسية، فإن تلك الخطوة تعكس تنامي تلك القدرات ومن ثم حرص روسيا على توظيفها بما يدعم مصالحها الحيوية وخاصة في المفاصل الاستراتيجية العالمية، وهو ما يؤكده مؤشران الأول: التقرير الذي أوردته إحدى المجلات الأمريكية في يونيو 2020م ومفاده أن روسيا تقوم بتطوير ستة أنواع من الغواصات الخارقة التي سوف تمنح الأسطول البحري الروسي القدرة على استخدام تلك الغواصات بكفاءة عالية في ساحات حرب مختلفة في مقابل نوعين فقط من الغواصات الاستراتيجية يقوم الأسطول الأمريكي بتطويرهما، وذلك ضمن أضخم مشروع عسكري لتطوير الغواصات الروسية منذ انتهاء حقبة الحرب الباردة، والثاني: أنه خلال الاحتفال السنوي للأسطول البحري الروسي في يوليو 2020م قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «إن البحرية الروسية سوف تمتلك أسلحة نووية هجومية أسرع من الصوت وغواصات نووية مسيرة».

وعلى صعيد تأثير القرار الروسي على مسار العلاقات الروسية الغربية، فعلى الرغم من نفي كل من روسيا والدول الغربية عموماً وحلف الناتو على نحو خاص رغبة الطرفين تجنب بدء حرب باردة جديدة، فإن الواقع يشير إلى مؤشرات للفعل والفعل المضاد، بدءًا من التدخل العسكري الروسي في سوريا عام 2015 م والذي رآه مسؤولو حلف الناتو بمثابة تشابكاً لجبتهي الصراع مع الحلف «الشرقية في أوكرانيا والجنوبية في سوريا»، ومروراً بتنامي النفوذ الروسي في الشمال الإفريقي وهو ما عكسته كثافة ونتائج الزيارات المتبادلة بين المسؤولين الروس ونظرائهم من كل من مصر وتونس والجزائر والمغرب، وانتهاءً بما رأته الدول الغربية تهديداً روسياً مباشراً لها في ليبيا وهو ما عبر عنه صراحة الجنرال برادفورد جيرنج قائد العمليات في قيادة القوات الأمريكية في إفريقيا «أفريكوم» بالقول «روسيا تحاول تأسيس نقاط ارتكاز رئيسية في الجناح الجنوبي لحلف الناتو»، من ناحية ثانية فإنه إذا ما أخذنا في الاعتبار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي سوف تنتهي ولايته في يناير 2021م تخفيض عدد القوات الأمريكية في الخارج، وخاصة في كل من العراق وأفغانستان والصومال، فإن ذلك من شأنه إيجاد فراغات إقليمية تتيح دوراً لروسيا وغيرها من الدول التي تستهدف إعادة صياغة أسس النظام العالمي الجديد على الرغم من أنه من المبكر الحكم على توجهات الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن بشأن تخفيض أو إعادة زيادة القوات الأمريكية في مناطق الصراعات في الخارج إلا أن ذلك الأمر يجب أن تتم قراءته في إطار تحالفات الولايات المتحدة، وبخاصة ضمن حلف شمال الأطلسي الناتو الذي قال أمينه العام ينس ستولتنبرج إن «أي انسحاب متسرع للحلف من أفغانستان سيكون ثمنه باهظاً جداً»، ومن ناحية ثالثة فإنه يجب قراءة التمدد البحري الروسي في ضوء ما يواجهه حلف الناتو من تحديات سواء بالنسبة الى القدرات البحرية، وهو ما أشار إليه صراحة الأمين العام للحلف في عام 2017م بالقول «حلف الناتو بحاجة إلى زيادة عدد السفن والغواصات وطائرات المراقبة البحرية من أجل تعزيز قدراته في المجال العسكري البحري»، أو ما يمكن اعتباره غموضاً بشأن التعاون الدفاعي الجماعي بين أعضاء الحلف، مما كان سبباً في تأخر صدور المفهوم الاستراتيجي الثامن للحلف كما كان مقرراً له في عام 2020م، بالإضافة إلى إصرار تركيا - عضو الناتو- على المضي قدماً في إبرام صفقة الصواريخ إس 400 مع روسيا ورفض إدماجها في المنظومة الصاروخية لحلف الناتو.

وعلى صعيد تأثير التوجه الروسي على الأمن الإقليمي فيجب الأخذ في الاعتبار ثلاثة تطورات أولها: افتتاح الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في يناير 2020م افتتاح أكبر قاعدة عسكرية على ساحل البحر الأحمر شرق مدينة أسوان بالقرب من الحدود الجنوبية لمصر والتي لا تبعد كثيراً عن مدينة بورتسودان ومن ثم فإن التنسيق بين القاعدتين يظل أمراً محتملاً حال اقتضت الضرورة ذلك -وفقاً لاستنتاج الكاتب-، وثانيها: إن الوجود الروسي في البحر الأحمر يمثل الضلع الثالث للمثلث الاستراتيجي للنفوذ الروسي «سوريا، السودان، ليبيا» بما يعنيه ذلك من تنامي ذلك النفوذ في منطقة الشرق الأوسط عموماً والقارة الإفريقية على نحو خاص وانعكاس ذلك على تعزيز الشراكات الاستراتيجية مع دول المنطقة لمواجهة مخاطر القرصنة والإرهاب البحري، وهو ما عبرت عنه الصحيفة الرسمية الناطقة باسم الحكومة الروسية روسيسكايا جازيتا بالقول «إن روسيا تدرك الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن. ومن ثم، فإن تحديد ومتابعة الأوضاع في تلك المنطقة يعد مهماً للأمن القومي للاتحاد الروسي»، وثالثها: في ظل توقيع روسيا اتفاق عام 2018م مع حكومة أرض الصومال لإنشاء قاعدة عسكرية في أحد الموانئ بالقرب من الحدود مع جيبوتي، فضلاً عن الاتفاق مع إريتريا في العام ذاته لتأسيس مركز دعم لوجيستي وعسكري روسي، فإن الحضور الروسي في القرن الإفريقي آخذ في التنامي وهو ما سوف ينعكس بلا أدنى شك على معادلة الأمن الإقليمي في تلك المنطقة الاستراتيجية من العالم.

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news