العدد : ١٥٦٤١ - الاثنين ١٨ يناير ٢٠٢١ م، الموافق ٠٥ جمادى الآخر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٦٤١ - الاثنين ١٨ يناير ٢٠٢١ م، الموافق ٠٥ جمادى الآخر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

الإشكاليات الراهنة والتوجهات الحديثـة في مجال التعليم العالي.. فكـر ما بعد الجائحة

بقلم: د. ميرفت البوفلاسة {

الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ - 02:00

إن ما يحدث اليوم من متغيرات جسيمة بفعل فيروس كورونا المستجد يقتضي إعادة النظر في ترتيب أولويات منظومة التعليم الجامعي، التي تأتي على رأسها مخرجات التعليم ومؤهلات الخريجين ومتطلبات سوق العمل. ولعل من أهم التساؤلات المُــثارة هذه الأيام، التي يَــعكِــف الباحثون على إيجاد إجابات لها في أبحاثهم هي: ماذا سيفعل الخريجون بعد حصولهم على الشهادة الجامعية أكثر من مجرد التفكير فيما يجب عليهم فعله للحصول على تلك الشهادة، فهذا الأمر له بالغ الأهمية بالنسبة إلى خريجي الجامعة؛ بحيث أصبح يجب عليهم التفكير فيه إذا أرادوا حقًا التأهل إلى سوق العمل والانضمام إليه.

تسعى مملكة البحرين جاهدة لمواكبة الاتجاهات الحديثة التي تنتهجها الدول المتقدمة في التعليم الجامعي، مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا، لتحقيق التفوق الأكاديمي والكفاءة المنشودة، وذلك من خلال تقديم تعليم ذي جودة عالية يغرس في الخريجين روح تحمل المسؤولية، من خلال تعزيز التعلم الذاتي. وبعد أن طالت جائحة كورونا منظومة التعليم الجامعي، أصبح القائمون على العملية التعليمية من مسؤولين وأساتذة وطلبة يواجهون تحديات هائلة في التدريس والتعلم والتقييم.

وبشكل عام، يمكن تعريف المُخرجات المرجوة من التعلم بأنها مجموعة من النتائج المحددة سلفاً، التي يجب على البرامج الأكاديمية أن تراعي وضعها في عين الاعتبار، مثل سمات الخريجين واحتياجات سوق العمل. ويمكن أن ترتبط كلمة «مخرجات التعليم» بثلاثة مستويات مختلفة ولكنها متكاملة هي: المُتعلِم، والبرنامج الأكاديمي، والمؤسسة التعليمية، وفيما يتعلق بمستوى المتعلم، ترتبط نتائج التعلم بما يُـــتوقع أن يحققه المتعلمون في نهاية المقرر الدراسي على المدى القصير، أو البرنامج الأكاديمي على المدى الطويل، كما ترتبط أيضًا بقدراتهم على إثبات ما اكتسبوه من نتائج التعلم المنشودة. لذلك فإنه يجب على طرفي هذا التصور السعي لإعداد الخريجين لسوق العمل. ووفقاً لتصنيف بلوم - وهو إطار لتصنيف الأهداف التعليمية نُــشِـر في عام 1956 ونُــقِــح في عام 2001- فإنه يمكن تحقيق ثلاثة مستويات من نتائج التعلم في المجالات المعرفية والعاطفية والنفسية، وبالتالي ترتبط النتائج هنا بمجموعة من المهارات والكفاءات. 

إن ما سبق ذكره يضمن تحقيق أفضل سمات من الجودة لدى الخريجين، التي تعد غاية أساسية لمستوى البرنامج الذي يحصل فيه المتعلمون على درجة علمية، تمثّل تطورهم وتحصيلهم للمهارات والكفاءات المطلوبة للتوظيف والتنقل الوظيفي، وأيضًا من أجل تحسين نمط الحياة بالنسبة لهم. وهذا الأمر يؤدى إلى تعريف أكثر واقعية لمخرجات التعليم على المستوى المؤسسي وإلى أي مدى يتم تقييم أداء الجامعات من حيث معايير ضمان الجودة من خلال جمع الأدلة التي تُـظهِــر تحقيق الخريجين لمخرجات التعلم بالجامعة. وبات من الضرورة الاستعانة بمؤشرات الأداء لقياس فعالية وكفاءة برامج المؤسسات التعليمية من أجل تحقيق أغراض التنمية المستدامة.

إن إحدى عواقب جائحة كوفيد-19 التي يجب على مؤسسات التعليم العالي الانتباه إليها هي مستقبل نموذج وأسلوب التدريس والتعلم، الذي يحتاج إلى تغيير جذري من حيث الفلسفة والممارسة التعليمية الراهنة. ومن هنا، فقد بات واجبا إحداث العديد من التغييرات في تصميم المناهج الدراسية التي تشمل مخرجات التعليم، وأساليب التدريس، والتقييم، من أجل تعزيز وتحسين سمات الخريجين التي تناسب سوق العمل. 

وفي السياق ذاته، أصبح هناك إجماع على ضرورة زيادة التحولات الرئيسية في عملية التدريس(التعلم) نحو تنفيذ المناهج الدراسية التي تتمحور حول الطالب، بحيث تصبح مخرجات التعلم والتعليم هي المكون الرئيسي والمركزي لهذه المناهج. ومن أجل مواجهة المتطلبات التي يفرضها الوضع الراهن الناشئ عن انتشار فيروس كورونا، فقد بات من اللازم توجيه تصميم البرامج التعليمية وتقييمها نحو دمج نماذج مخرجات التعلم المرجوة، بحيث يتم تقليل المناهج التي تركز على المعلم، وتعظيم المناهج التي تركز على الطالب من أجل التعامل مع هذه المتطلبات. 

ويمكن القول بأن الانتقال من المناهج التي تركز على المعلم إلى المناهج التي تركز على الطالب هو بمثابة ترديد لأفكار ومفاهيم مثل استقلالية المتعلم، والكفاءة الذاتية، والاستعداد والتأهب للقيام بالمهام المطلوبة، التي تعدّ المتغيرات الرئيسية لدى خريجي المستقبل القريب. ومما لا شك فيه أن الأمر لم يَــعُـد يتعلق بحفظ المعلومات والحقائق ومهارات التفكير الأخرى التي تأتي في أسفل تصنيف بلوم، بل على العكس من ذلك، فإنه يجب دمج مهارات التفكير العليا في تصميم المناهج من أجل تمكين الطلاب من المهارات التي ستساعدهم، ليس فقط في الحصول على وظيفة، ولكن أيضًا تساعدهم على الارتقاء بها وتحسينها. 

ونظرًا إلى الوضع الراهن وضرورة التباعد الاجتماعي، فقد بات واضحًا أن إحدى أهم المهارات وأكثرها طلبًا واحتياجًا هي التكنولوجيا، والمهارات الشخصية لاستخدام المنصات الإلكترونية، وعمليات التحميل والتنزيل، وتتبع التقارير والتقدم، ومهارات العرض، والبقاء على الاتصال عبر شبكة الإنترنت. 

وبصفة عامة وشاملة، فإنه يمكن مراجعة العملية التعليمية من حيث تحديد مخرجات تعلم الدارس وتخطيطها على جميع الأصعدة والمستويات، بدءًا من المقرر، ثم البرنامج فالكلية وأخيرًا الجامعة. ومما لاشك فيه أن تطابق هذا التخطيط على جميع المستويات سوف يضمن تحقيق المخرجات والنتائج المنشودة من حيث ضمان الجودة ومعايير التقييم الراسخة. 

هذا ومن ناحية المعايير الدولية ومدى توافق ذلك معها، فمن الواضح أن التحول في نموذج وأسلوب التدريس والتعلم يتوافق مع نظرية جون بيغز (2003) في شأن «المواءمة البناءة» التي تشجع على التحرك نحو تصميم الأنشطة والمناهج الدراسية، والتي تتماشى مع مخرجات ونتائج التعلم والتقييمات المنشودة، ومن هذا المنطلق نجد أن أكاديمية التقدم للتعليم العالي في المملكة المتحدة تُــسَلِّط الضوء على ثلاثة عوامل في شأن حالة ووضع التدريس والتعلم، وهى: المجالات، والمعرفة، والقيم المنصوص عليها في إطار معايير المهنية في المملكة المتحدة UKPSF. وبذلك، فإن هذا المثلث يضمن أن يكون جوهر التعلم وغايته هو النتائج والمخرجات، ولهذه الغاية وحدها يجب تصميم جميع العوامل الأخرى لتحقيق هذا الغرض من خلال ربط نموذج بيغز بالسمات المرغوبة في الخريجين واحتياجات سوق العمل من أجل ضمان الانتقال السَــلِس من الحياة النظرية في الجامعة إلى الحياة العملية في العالم الحقيقي.

‭{‬ أستاذ اللغويات التطبيقية المساعد في جامعة البحرين 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news