العدد : ١٥٥٨٦ - الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٨٦ - الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

مقالات

خليفة بن سلمان شخصية خُلقت لتبقى

بقلم: المحامية هنادي الجودر

الأحد ٢٢ نوفمبر ٢٠٢٠ - 02:00

يضطلع الإعلام بصورته التقليدية والحديثة بدورٍ مهمٍ في نقل الأخبار والمعلومات، فهو نافذة مشرعة على عالم الأخبار، له قدرة فائقة على تكوين الرأي العام والتأثير فيه، لذلك استخدم مُدركو قيمة هذه القدرة وسائل الإعلام في خلق المرحلة المعاصرة التي تسمى (مرحلة الحروب الإعلامية)، ولا سيما إذا كان المتلقي من أولئك الذين يتلقّون الخبر كما يصل إليهم من دون أن يكلف نفسه عناء التحقق من مدى صحته بل ينساق وراءه كما وصل إليه, بل يكوّن عقيدته وآراءه بناء عليه.

لذا، في زمن الثورة التكنولوجية وتأثير مواقع التواصل الاجتماعي كوسائل إعلامية حديثة ومؤثرة، تنتشر ظاهرة ما يسمى الترند (Trend) وهي تعني تزايد أعداد المشاهدة والبحث والتداول لموضوع معين في فترة زمنية محددة وفي نطاق جغرافي معين (الموسوعة العربية الشاملة)، وقد يكون على نطاق عالمي أيضاً، وما تلبث أن تنتهي أهمية هذا الموضوع في فترة قصيرة جداً لتتلقف المواقع موضوعا آخر وهكذا، فذاكرة وسائل التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا) هي ذاكرة قصيرة الأجل، متسارعة لا وقت لديها للمكوث في موضوع واحد، لأنها متعطشة للجديد دائماً، وقد راودتني فكرة فترة المكوث في الذاكرة كثيرا خلال الأسبوع الماضي بعد إعلان خبر الرحيل المُحزن لفقيد البحرين سمو الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، إذ كنت ألاحظ تزايد المواضيع وأعداد المشاهدات في البدء ثم تراجعها يوماً بعد يوم في وسائل التواصل الاجتماعي، وفي وسائل الإعلام التقليدية، فسرعان ما يتراجع حجم الأخبار وعدد الأقلام، وشيئاً فشيئا يختفي الموضوع من ذاكرة وسائل الإعلام إلا من ومضاتٍ متباعدة، وما ذاكرة البشر عن ذلك ببعيدة!، فلكل ذاكرة متّسع وطاقة، فذلك هو شأن الدنيا، إذ تمضي قدماً من دون توقف إلى أن يأذن الله، وقد حدثتني نفسي: هل هذا هو كل شيء؟ هل هذا هو فقط عمر الحزن ومظاهر الحزن؟ لا، فللبحرين ذاكرة لا تخون أحبابها. 

ها قد انقضت سبعة أيام على رحيل المغفور له بإذن الله تعالى صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، وبالأمس انتهت فترة الحداد الرسمي على وفاة سموّه، وزالت مظاهر الحزن الرسمية، ولكن الحداد على من هو مثله لا ينتهي، إذ تستمر فترة الحداد الشعبي وستستمر في قلب كل بحريني عاصر سموّه وكل شخص التقاه وشعر بدفء تحيته وطيب استقباله بوجهٍ طلق، فالحزن على رحيله باقٍ بحجم الحب الذي يكنّه أبناء الأجيال التي عاصرت عقود حياته الثمانية ومدّة شغله لمنصب رئيس الوزراء في مملكة البحرين، وبعدد وقفاته ومواقفه المشرّفة، الحازمة، الحانية والمستجيبة لنداءات المستغيثين بكرمه وعطائه، وبقدر ما حمل البحرين وأهلها في قلبه ودأب على تلمس احتياجاتهم، بابتسامة أبٍ لا يغيب حُنوّه عن تقاسيم وجهه، وبقدر ما رسخ في ذاكرة الجميع عن فراسته وحفظه لأصول كل عائلة بحرينية أباً عن جد، ففقيد البحرين كان قد أتقن فنّ الموازنة بين ممارسة السلطة وتحقيق حبّ الشعب، فمارس حنكته وبراعته الإدارية كرئيس للسلطة التنفيذية بترؤسه الحكومة عبر رئاسته لمجلس الوزراء بكل ما تتطلبه هذه المهمة من حنكةٍ، وحزمٍ، وحياد، وموضوعية وصرامة، بجانب نزوله إلى الشعب شخصياً ملء قلبه من مشاعر الأبوّة، الحنو، حُسن الاستماع والعطاء متقرباً منهم ومنصتاً إلى همومهم، شؤونهم وشجونهم عبر زياراته الدورية للمجالس الأهلية في جميع مناطق البحرين، داعماً لهذه المجالس مادياً ومعنوياً, مؤكداً دورها الفاعل في خدمة المجتمع وتربية الأجيال والحفاظ على الموروث البحريني الأصيل مؤكداً مقولته (مجالسنا مدارسنا)، وأيضاً عبر اقتطاعه مساحة من وقته المزدحم بالاجتماعات الرسمية، لاستقبال جموع المواطنين في مجلسه الأسبوعي.

فالقلوب في حداد على رحيل سموّه، وحزنها عليه مرتبط بحجم تفانيه وعطائه للبحرين وبحجم الأثر الذي تركه بعد رحيله، فلا يوجد شبر في البحرين إلا كان له أثر فيه، فكما كان هو قطعة من البحرين فإنها هي أيضاً بقيت حتى آخر رمق قطعة منه. وبالحديث عن أثر سموّه، فللمحرق في ذلك شجون حيث أحبّها وأحبّ أهلها ولم يُخفِ هذا الحب بل كان يسعد بإظهاره، فبادلته المحرّق وأهلها حُباً بحب ووفاءً بوفاء حتى اختار اسم (المحرق) ليكون الشارع الذي يقع عليه قصر سموّه، ولي في ذلك الحب شواهد خبرتها شخصياً من خلال تنظيمي عددا من الزيارات التي حظيت فيها سيدات المحرق بلقاءٍ أهلي مع سموّه، لقاءٌ كان أشبه بالنسبة للكثير منهن بضرب من ضروب الخيال وتحقيق الأحلام، أن يقفن وجهاً لوجه أمام قامة شامخة كقامة خليفة بن سلمان وأن يجدن منه ما وجدنه من حسن استقبال، طيبة، كرم، سماحة نفس، طولة بال وحوار شيّق، وأكاد أجزم بأن قلوبا كثيرة ستبقى حزنى على رحيله ما حييت.

فخليفة بن سلمان شخصية خُلقت لتبقى، قد يغيب جسده ولكن لا يغيب أثره، ولن تبارح روحه البحرين، فهي ستبقى كملاكٍ حارس لها دائماً، رحم الله فقيد البحرين وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وإنا لفراقك يا (بوعلي) لمحزونون، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وبرحيله فقدت المملكة رئيس وزرائها ورأس السلطة التنفيذية فيها، ولكن البحرين العريقة التي قصدها جلجامش طالباً الخلود هي أرض الخلود، البقاء، الحب والعطاء وكما أنجبت عظيما كخليفة بن سلمان، أنجبت أيضاً من تتجه إليه أنظار البحرين الآن، وهو صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة رئيس الوزراء ولي العهد الأمين الذي حمل أمانة رئاسة مجلس الوزراء خلفاً لفقيد البحرين، وهو رجل أثبتت المواقف كفاءته وحُسن إعداده لتولي القيادة، وتؤكد جميع الشواهد لكونه قيادة سياسية شابة مُحنكة وقلبا أثبتت المواقف دائما أن البحرين بكل نسيجها الاجتماعي المنوّع مستقرة به، فاللهم اجعله خير خلف لخير سلف.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news