العدد : ١٥٦٤١ - الاثنين ١٨ يناير ٢٠٢١ م، الموافق ٠٥ جمادى الآخر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٦٤١ - الاثنين ١٨ يناير ٢٠٢١ م، الموافق ٠٥ جمادى الآخر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

حقوق الجار.. ومنظومة القيم!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٢٢ نوفمبر ٢٠٢٠ - 02:00

عن ابن عمر وعائشة (رضي الله عنهما)، قالا: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): [مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه] متفق عليه.

هذا الحديث الجامع المانع يؤسس لعلاقة الجار في الإسلام بجاره، ولمنظومة القيم التي تحكم هذه العلاقة، وكان إصرار جبريل (عليه السلام)، وإلحاحه على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بأن يحفظ للجار حقوقه وكأنه واحد من الأسرة ما يؤكد المكانة الرفيعة للجار، ولهذا كان من تجليات اهتمام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالجار ان يقسم بالأيمان المغلظة على المسلمين بأن يحفظوا للجيران حقوقهم وألا يفرطوا فيها، قال صلوات ربي وسلامه عليه: [والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن! قيل: مَنْ يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه] متفق عليه. والبوائق: هي الغوائل والشرور.

تكرار الرسول (صلى الله عليه وسلم) القسم بالله ثلاثًا بعدم إيمان المؤمن الذي لا يأمن جاره شروره، ومعنى عدم الإيمان هنا ليس مطلقًا، بل معناه عدم كمال الإيمان، لأن الإساءة إلى الجار من المعاصي الكبيرة، وهي ليست ركنًا من أركان الإيمان، يؤكد هذا حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي رواه الشيخان، البخاري ومسلم، وذلك حين قال: [من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليسكت] متفق عليه.

هذه النصوص تبين أنه من ثمرات الإيمان الكامل عدم إيذاء الجار، والحرص على حقوقه.

هذه النصوص المباركة تؤكد بما لا يدع أدنى مجال للشك على منظومة القيم التي نادى بها الإسلام في التعامل مع الجار، وتحض المسلمين على الحرص الشديد، وعلى العناية الكبيرة بالجار، وينهى الإسلام عن إيذاء الجار والتطاول عليه بالبنيان بحيث تحجب النور والهواء عنه، ومن حقوق الجار عليك أن تشاركه أفراحه وأتراحه، وأن تعوده إذا مرض، وتجيب دعوته إذا دعاك، بل حتى أطفالك عليك أن تمنعهم من أن يسيئوا إلى أطفاله، فلا يغيظوهم بما حباهم الله تعالى من نعم لا يتمتع أطفال جارك بمثلها، بل عليك أيضًا ألا تؤذيه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منه.

الأحاديث التي ذكرها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في حقوق الجار تجعل الجار واحدًا من أفراد العائلة يحق له ما يحق لهم، ويراعي الجار مشاعر وأحاسيس جاره كما يفعل مع أهله وأقربائه، ومعلوم أن الجيران على ثلاث مراتب، فهناك الجار المسلم القريب، فله ثلاثة حقوق: حق الإسلام، وحق القرابة، وحق الجوار، وجار له حقان: حق الإسلام، وحق الجوار، وجار له حق واحد: هو حق الجوار. يقول تعالى: «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفًا كان ذلك في الكتاب مسطورًا» (الأحزاب/6)، وتأسيسًا على هذا المعنى قالوا: الأقرباء أولى بالمعروف.

هذه المنظومة من القيم الإسلامية فيما يخص الجيران على تفاوت مراتبهم قد تحققت على أرض الواقع من خلال تعامل المسلمين مع غيرهم، فقد كان لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) جار يهودي، وكان يحسن إليه، ويرعى حقوقه، فإذا صنعت زوجاته (رضوان الله تعالى عنهن) طعامًا يسألهن رسول الله: هل أهديتن إلى جارنا اليهودي شيئًا منه، وكان هناك غلام يهودي يخدم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فمرض وذهب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليعوده، وشعر صلى الله عليه وسلم أنه مشرف على الموت، فقال له رسول الله: قل أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله! فأخذ الغلام ينظر إلى أبيه وإلى رسول الله، فقال له والده: أجب أبا القاسم! فنطق الغلام بالشهادة، فخرج رسول الله من عنده، ثم سمع بكاء أهله عليه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ): الحمد لله الذي أنقذه بي من النار!

وكان للإمام أبي حنيفة (رضي الله عنه) جار يهودي، وكان يؤذي أبا حنيفة ويردد بيتًا من الشعر، وهو:

أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم عريكة وسداد ثغر.

ولما افتقده ذات يوم سأل عنه، قالوا: لقد ألقى العسس القبض عليه، فسعى الإمام عند الخليفة المنصور، فعفا عنه، فقال له أبو حنيفة: هل أضعناك يا فتى؟ قال: لا.. بل حفظتني حفظك الله. وفي هذا إشارة واضحة الدلالة على جواز مخالطة غير المسلمين، بل والعناية بهم، والحرص على حقوقهم، وجواز أيضًا الاستعانة بغير المسلمين كما فعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين استعان بعبدالله بن أريقط، -وكان على الكفر- دليلاً وقائدًا ليلة الهجرة لأمانته وخبرته بالمسالك، كما سبق أن ذكرنا الغلام اليهودي الذي كان يخدم سول الله (صلى الله عليه وسلم).

إذن، فالإسلام لا يغمط الناس حقوقهم حتى وإن كانوا غير مسلمين، فقد حفظ الرسول (صلى الله عليه وسلم) حقوق الأقليات في الدولة الإسلامية في المدينة، ووثق ذلك في صحيفة المدينة التي هي بمثابة أول دستور للدولة الإسلامية، وعامل غير المسلمين من أصحاب الملل غير السماوية كما يعامل أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وقال للمسلمين: سنوا فيهم سنة أهل الكتاب.

والإسلام كما أشرنا لم يحفظ لغير المسلمين حقوقهم فقط بل أشركهم في إدارة شؤون الدولة الإسلامية بما عهد إليهم من مناصب مهمة في الدولة، وهذا من إنصاف الإسلام لأصحاب الديانات الأخرى، واعترافه بهم كمواطنين لهم نفس الحقوق التي للمسلمين، وهذا ما يسمى في الفكر السياسي الحديث حقوق المواطنة التي صدع بها الإسلام قبل غيره من الديانات.

إذن، فهذه حقوق الجار، ومنظومة القيم التي حرص عليها الإسلام وحولها إلى واقع تنعم البشرية بوارف عدله وإنصافه.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news