العدد : ١٥٦٤١ - الاثنين ١٨ يناير ٢٠٢١ م، الموافق ٠٥ جمادى الآخر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٦٤١ - الاثنين ١٨ يناير ٢٠٢١ م، الموافق ٠٥ جمادى الآخر ١٤٤٢هـ

الثقافي

قصة قصيرة: رائحة التعب

كتب: إبراهيم الدوسري

السبت ٢١ نوفمبر ٢٠٢٠ - 10:07

عانقت يداي المعاول والمطارق والطوب والصخور، وشربت مسامات راحتي كفي الاسمنت والرمل والطين، وعشقت التعب وغناء العمال وملوحة العرق فوق الجباه السمر والصدور العارية.

كنت قويًا وكان المقاول «عبدالله المسواك» يربت على كتفي وأنا اكسر الصخور بالمطرقة الثقيلة الصدئة، كنت أحس بخاتمه الذهبي يلامس جلد كتفي الملبد بالتراب والغبار والعرق، وأشم رائحة العطر تفوح من باطن كفه النظيفة الناعمة، والتفت إليه، يبتسم لي ابتسامة مصطنعة ويقول:

- القوة... القوة يا راشد.

ويلتفت إلى العمال بجسده المترهل وقامته القصيرة وكرشه الكبير، ثم يبتعد عني وهو يمشي بخيلاء بينهم بثوبه الأبيض الناصع وغترته وعقاله، وحذائه الجلدي اللامع وهو يردد كلماته المعتادة:

- الهمة.. الهمة.. يا جماعة، العمارة لا بد أن يكتمل بناؤها في الموعد المحدد.

العرق، سخونة الأحجار وأعمدة الحديد والشمس الحارقة تصلي الظهور فيتصاعد غناء العمال بأصواتهم المبحوحة، بغبار التعب:

- عان الله من عان السيد.. عان الله من عان السيد

المعاول ترتفع في الهواء وتهوي، اسطل الاسمنت تتلقفها الأيدي،، يحتقن الدم في العروق النافرة، والبطون خاوية، والأفواه جافة، والهواء مشبع بالغبار.

(وعبدالله المسواك) يراقب العمال من بعيد متكئًا على مقدمة سيارته الفارهة الحمراء يدخن سيجارته وينفث دخانها باستمتاع في الفضاء، وفص خاتمه الذهبي في خنصره يومض تحت ضوء الشمس، يأتيك صوتها كسولا، رخوًا، ترفع رأسها إليك من فوق الوسادة.

- ألم تنم حتى الآن يا راشد؟

العمر يمضي والجسد منهك القوى... والقلب يطحنه القهر.

- راشد، راشد ألا تسمعني؟

تطالعها بعينين ذابلتين من اثر السهر.

- لماذا لم تنم، لقد أوشك الفجر أن يبزغ.

- كيف أنام والقلب ينزف يا أمينة.

- ستبرأ الجراح يومًا يا راشد، ويطل الفجر، حمامات بيضاء تحمل إلينا البشارة، سترقص النخيل، سيولي القهر، سيكبر الأطفال، أطفالنا وأطفال كل القرى والمدن كل أطفال البلد وسيزرعون في الأرض الفرح.

في خارج البيت، هدير الرياح، وكلاب تنبح من بعيد، والليلة موحشة، تتقلب فوق سرير متهالك يفوح منه رائحة التعب.

تنهد راشد وقال: 

- اليوم أصيب عباس بضربة شمس، ومن يدري من سيصاب غدًا.

همست أمينة بحنان: 

- عباس رجل صلب، كلكم رجال،.. الصبر يا راشد.

- حملناه، كان فاقد الوعي، وضعناه في الظل، والمقاول يطالعنا بوجه مكفهر، وبغضب صاح فينا:

- هيا عودوا على العمل بسرعة.

- (عبدالله المسواك) مقاول غبي.. سوف يتسكع في الشوارع في يوم ما، دوام الحال من المحال يا راشد.. فلا تبتئس، حاول أن تنام.

خيط الفجر لاح في الأفق، فلاحت الازقة والطرقات مبللة بالندى، وفاحت رائحة النخيل.. وأشجار اللوز من المزارع القريبة.

وبدأ الصباح يعزف لحن الكادحين، تقبل أطفالك الثلاثة وتمسح فوق رؤوسهم فيتعلقون بك حتى باب البيت.

أمينة تنظر اليك بفخر واعتزاز، تطالعها، تحدق في عينيك، تبتسم لك.. تتذكر حوار البارحة، تضغط على يدها السمراء.. تعانقك، تقبل جبينك، ترفرف عصافير قلبك، تناولك (السفرطاس) تودعك بابتسامة حانية، تحملكم أنت والعمال الشاحنة، تتكدسون في المؤخرة، السيارة تذهب في الطريق المؤدي إلى موقع العمل.

وجوه العمال مكفهرة، هالات سوداء تحت العيون من أثر السهر.

البعض صامتون منكسو الرؤوس والبعض يحدق بعيدًا.

التعب أخذ منكم نضارة الجسد وأذاقكم المرارة والأسى، والقهر أنبت في قلوبكم غابات من الشوك والعوسج، تتلفت حولك.. الصمت مازال مستبدا.

عباس.. أين عباس؟

عاودت تبحث بعينيك.. عباس غير موجود مع العمال.

سألت أين عباس؟

- صمت.

- كررت السؤال، أين عباس؟

- صمت.

- هل لا يزال مريضا؟

- صمت.

- لماذا أنتم صامتون كالأحجار؟

- صمت.

- أين عباس؟

صوت مخنوق يأتيك.. وجه صاحبه مدفون بين راحتي يديه:

- عباس مات.

يفترسك الحزن والأسى وتنغرز كل أشواك الغابات في صدرك تتفرس في وجوه العمال.. تصيح بغضب في وجوههم:

- أما زلتم صامتين.

- عبدالله المسواك قتل عباس، لم يسعفه ولم يبال به حين تعرض لضربة الشمس.

العمال يهمهمون همهمات كالأنين.

- صدقت يا راشد صدقت.

- لم يأخذه إلى المستشفى.

- لم يلمسه.

- مجرم.

- وما العمل يا راشد.

- لن نسكت، سنضرب عن العمل، يجب أن يحاسب المقاول عبدالله المسواك، عباس روحه تسكن في قلب كل واحد منا.

في زاوية مؤخرة الشاحنة كان صوت يتهدج:

- لقد شاهدت زوجة عباس وهي تمرغ وجهها في التراب من شدة الحزن وطفلاها يبكيان عند رأس الجثمان ووالد عباس «الشيخ» الضرير صامت وكفاه ترتعشان وهو يرفعهما إلى أعلى والدموع تنهمر من عينيه ويردد: حسبي الله ونعم الوكيل.

- وصلت الشاحنة إلى موقع العمل.. نزل العمال.. وقفوا متجاورين.. تقدمت أمامهم تحمل في يدك مطرقتك الثقيلة الصدئة.. بعد قليل وصل المقاول عبدالله المسواك في سيارته الفارهة، نزل من السيارة.. تقدم نحوهم وصاح كعادته:

- الهمة يا جماعة هيا ابدأوا العمل فالوقت يمضي بسرعة.

- العمال صامتون.

- يتأجج جمر الغضب في صدرك، تضغط بيدك على مقبض المطرقة.

صاح عبدالله المسواك بغضب:

- ألا تسمعون؟ هيا إلى العمل.

- يتقدم بوجه جامد كالصخر ويصيح في وجه عبدالله المسواك.

- لن نعمل

يلتفت إليك عبدالله المسواك.

- ماذا تقول؟

- قلت لن نعمل.

- إنني صاحب العمل وآمرك أنت ورفاقك أن تواصلوا العمل.

- لقد مات عباس.. وأنت السبب في موته.

بان الذعر على وجه عبدالله المسواك، وانكمش في ثوبه وتفصد العرق فوق جبينه.

- لم تسعفه، تركته ملقى كالذبيحة يحتضر، ولم تستجب لنداءات العمال، بأن تحمله في سيارتك إلى المستشفى.

تراجع عبدالله المسواك بخطوات مرتبكة إلى الخلف، وأنت تتقدم نحوه والعمال خلفك.

رفعت المطرقة، واتجهت نحوه، ومن خلفك العمال.

فانطلق عبدالله المسواك مذعورًا يعدو متعثرًا فوق أكوام الرمل والأحجار وأعمدة الحديد والأخشاب، دخل ممرات العمارة التي لم تكتمل وراح يبحث عن مكان يختبئ فيه.

صعد إلى الطابق الأول، ثم الطابق الثاني والثالث. والرابع والخامس والسادس، كان يتلفت خلفه فيصطدم بالجدران وأدوات البناء، وكلما شاهدك أنت والعمال مستمرين في مطاردته تعثر أكثر في كل شيء أمامه وكان يسقط.. ويترنح ويقوم من جديد.. يواصل الهروب.

وحين وصل إلى فتحة في الجدار في الطابق السادس، فقد توازنه فهوى إلى الأسفل وارتطم جسده بالحجارة وأعمدة الحديد المكومة عند مدخل العمارة.

وقفت والعمال تحدقون من فتحة الجدار إلى المكان الذي سقط فيه عبدالله المسواك.

فكان هناك جسده مغمور بالدماء وبالقرب من المكان كانت سيارته الفارهة تقف وحيدة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news