العدد : ١٥٨٩٢ - الأحد ٢٦ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤٣هـ

العدد : ١٥٨٩٢ - الأحد ٢٦ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤٣هـ

قضايا و آراء

المتطلبات الأساسية لمواجهة الكوارث الصناعية

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ١٦ نوفمبر ٢٠٢٠ - 02:00

أشرت في مقالات عديدة سابقة بشأن معايير التفرقة بين الأزمات والكوارث، وعلى الرغم من اهتمام العديد من دول العالم بآليات مواجهة الأزمات وكيفية إدارتها سواء من خلال الأساليب التقليدية أو الحديثة، فإن ذلك الاهتمام لم يجد طريقه بالقدر الكافي باتجاه الكوارث لأن بعض الدول لا تواجه كوارث طبيعية على نحو خاص، إلا أنه برأيي أن الكارثة ربما تفوق خسائرها ما تسببه الأزمة لأن الكارثة ليس لها مقدمات على عكس الأزمة وبالتالي تكون آثارها تدميرية وفي حين الأزمة قد تصيب قطاعاً محدداً من المجتمع أو مؤسسة ما فإن الكارثة الطبيعية قد تصيب المجتمع بأسره على غرار الفيضانات والزلازل والبراكين والعواصف الرعدية، ولا يقتصر الأمر على الكوارث الطبيعية، بل تظل الكوارث الصناعية مهدداً للدول كافة، ولعل المثال الأبرز هنا هو كارثة مصنع بوهبال في الهند عام 1984، والتي تعد الأبرز في تاريخ الحوادث الصناعية في العالم عندما تسرب الغاز السام من مصنع ينتج مبيدات حشرية بما يقدر بحوالي 30000 طن، الأمر الذي أدى إلى مقتل ما يقرب من 5 آلاف شخص وإصابة 200 ألف بإصابات خطيرة، حيث أدت سرعة الرياح لنقل الغاز السام لمدينة بوهبال من خلال تغطية السحب منطقة قدرت بحوالي 8 كم واستمرت نحو سبع ساعات، فضلاً عن الآثار التي رتبتها تلك الكارثة على البيئة سنوات لاحقة، وقد استرعت تلك الكارثة انتباهي لثلاثة أسباب أولها: أنها ترتبط بمنشأة صناعية وكافة دول العالم توجد بها منشآت صناعية لا غنى عنها، الأمر الذي يثير الحديث عن مدى كفاية إجراءات الأمان في تلك المنشآت سواء بالنسبة للصيانة أو كفاءة العناصر البشرية المسؤولة عن الصيانة الدورية لتلك المنشآت، وثانيها: كيفية التعامل مع تلك الكارثة من خلال الإجراءات الاحترازية المطلوبة عند وقوع مثل تلك الكوارث سواء بالنسبة إلى العاملين في المنشأة الصناعية أو التجمعات السكنية القريبة منها، وثالثها: مدى وجود خطط لمواجهة التسربات الإشعاعية عموماً سواء من منشأة صناعية أو من مفاعلات نووية.

ومع أهمية تعدد الكتابات التي تناولت تلك الكارثة، فإنها قد أجمعت على أنه كان لها مقدمات أو بالأحرى أسباب منها التقرير الذي تم إعداده في الشركة، ويتضمن أن هناك حالات تسرب لم تكن بشكل كبير ولكنها كانت بمثابة جرس إنذار، حيث خلص التقرير إلى ضرورة توفير نظام حديث لأنظمة السلامة إلا أنه لم يكن محل اهتمام الإدارة التنفيذية في الشركة، بالإضافة إلى ما كشفته التحقيقات من أن العامل المسؤول عن الصيانة لم تكن لديه الخبرة الكافية، بل لم يجتز البرنامج التدريبي الذي يؤهله لوظيفة أعمال الصيانة، كما أنه تم اكتشاف وجود عطل فني في نظام التبريد الخاص بالمصنع قبل وقوع الكارثة بيومين، ولكن لم يتم إيلاؤه الاهتمام الكافي.

وربما تكون تلك الأسباب هي ذاتها أسباب وقوع حوادث أخرى مماثلة، إلا أنه مما زاد من حدة تلك الكارثة وزيادة خسائرها كيفية إدارتها، فعلى الرغم من تشكيل فريق لإدارة تلك الأزمة من مسؤولي الشركة فقد لوحظ أنه لم تكن لديهم معلومات كافية عن أبعاد الكارثة، وبالتالي لم تكن التقديرات صحيحة ليس أقلها تشخيص الأطباء الخاطئ الذين استقبلوا حالات الإصابات جراء التسرب الإشعاعي بأنهم يعانون من حساسية وسعال ومن ثم ازدادت حالات الوفاة، فضلاً عن سوء الاتصالات ما بين الشركة الرئيسية في الولايات المتحدة الأمريكية وفرع الشركة بالهند بل إنه في أعقاب وقوع الكارثة فقد تم إرسال عدد محدود من الفنيين والأطباء بما لايتلاءم وحجم الكارثة.

وبعيداً عن مقدمات الكارثة وآليات إدارتها، فقد لوحظ أن الشركة لم يكن لديها خطة بشأن توعية قاطني التجمعات السكنية القريبة من ذلك المصنع حال حدوث تسربات إشعاعية من هذا النوع، بالإضافة إلى عدم وجود خطة للطوارئ في الشركة ذاتها للتصرف حال وقوع مثل تلك الكوارث، فضلاً عما أوردته بعض التقارير أنه كانت هناك عيوب في تصميم المصنع وأخطاء في التشغيل وإهمال في الصيانة، وكذلك القصور في عمليات التدريب بالنسبة إلى الكادر البشري في المصنع.

 إن تلك الكارثة وعلى الرغم من مرور ما يقرب من 36 عاماً على وقوعها، لا يزال بها الكثير من الدروس المستفادة سواء بالنسبة إلى الدول التي لديها منشآت صناعية أو تلك التي يحتمل أن تواجه تسربات إشعاعية، وذلك إما من خلال إجراءات احترازية للحد من آثار تلك الكوارث، ومنها ضرورة وجود صيانة دورية للمنشآت الصناعية بل والتأكد من قدرة الكادر البشري على القيام بتلك الصيانة في موعدها وبالكفاءة المطلوبة والاهتمام بتنظيم دورات تدريبية متخصصة للمسؤولين عن الصيانة في المنشآت الصناعية، بالإضافة إلى ضرورة التأكد من دراية جميع العاملين بالمنشآت الصناعية بطبيعة المواد الكيمائية التي توجد بالمنشأة من خلال دليل إرشادي يكون متاحاً لكل العاملين في المنشأة ويتضمن سبل التعامل مع حالات التسرب الإشعاعي، أو من خلال ترسيخ عدة متطلبات للتعامل مع تلك الكارثة وأولها الابتعاد عن التعتيم والضبابية، لأن إعلان وجود خلل ما في إحدى المنشآت لا يعني قصورا في عملها، بل يعد أمراً مهماً للحد من الآثار التدميرية التي يمكن أن يرتبها التسرب الإشعاعي منها والتي تتجاوز المنشأة لتطول المناطق القريبة منها، فضلاً عن ضرورة وضع خطة متكاملة للطوارئ خلال كوارث من هذا النوع وتدريب كل العاملين عليها بالإضافة إلى سكان التجمعات السكنية القريبة منها.

ومع أهمية ما سبق، فإن هناك بعض الدول قد خطت خطوات أكثر تقدماً من خلال إجراء تمرينات وهمية للتعامل مع حالات التسرب الإشعاعي؛ لأن تلك التمرينات -كما أشرت في مقالات سابقة- تستهدف تحديد المخاطر والقدرات المتوافرة لمواجهتها ومن ثم معالجة الفجوات إن وجدت.

وعلى الرغم من أن ما سبقت الإشارة إليه من إجراءات لن يحول دون وقوع الكوارث الصناعية، حيث حدثت في دول مختلفة وربما بأشكال مختلفة في منشآت صناعية، فإن الخطورة تكمن في سرعة انتشار تلك الغازات السامة وما قد تسببه من خسائر في الأرواح، وخاصة في المناطق السكنية القريبة منها، بل إن آثارها تمتد لأجيال قادمة، فإن ذلك لا يعني أن الإجراءات الاحترازية ليست مطلوبة، بل إن الحاجة تبقى لخطط أشمل من المنشآت وكذلك مناطق جوارها الجغرافي لتطول تحديد المستشفيات القريبة من تلك المنشآت وتوعية العاملين فيها بأنواع الإشعاعات، وضرورة التأكد من توافر مخزون كاف من الأدوية اللازمة لمعالجة آثار تلك الإشعاعات حال تسربها، بل والأهم التدريب على العمل خلال كوارث من هذا النوع.

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news