العدد : ١٥٨٩٢ - الأحد ٢٦ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤٣هـ

العدد : ١٥٨٩٢ - الأحد ٢٦ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤٣هـ

قضايا و آراء

نحو استراتيجية إعلامية تجاه الأزمات

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٠٩ نوفمبر ٢٠٢٠ - 02:00

في ظل ثورة الاتصال التي يشهدها العالم في الوقت الراهن فقد أصبح العالم بمثابة قرية صغيرة، ومن ثم فقد أضحى بإمكان الأفراد في دول العالم كافة ليس فقط متابعة وقوع الحدث لحظة بلحظة بل التفاعل معه من خلال وسائل التواصل الاجتماعي العديدة. وعلى الرغم من أن ذلك يعد تطورا مهما إذ يرسخ لمفهوم الشفافية بين دول العالم فإن الأمر لا يخلو من سلبيات، منها إمكانية بناء رأي عام أو توجه في هذا المسار أو ذاك وربما يؤسس ذلك الرأي على معلومات غير صحيحة، وهو الأمر الذي يثير تساؤلا مهما حول الدور الذي يتعين أن تلعبه وسائل الإعلام إبان الأزمات والتي تمثل تحديا لوسائل الإعلام، وهو ما أكدته جائحة كورونا إذ كانت هناك معضلة أمام الإعلام بمختلف أنواعه في كل دول العالم من حيث التوازن بين توخي الدقة والموضوعية وتحقيق السبق، بل الجدل حول كيفية العمل في ظل سرعة الأزمة وتعدد جوانبها: هل يجب أن يكون إعلاما تقريريا أي الاكتفاء بسرد المعلومات وتحديثها أولا بأول؟ أم يجب أن تكون التوعية هي الهدف؟ ولا يمكن القول إن هناك مسارا واحدا اتخذته كل وسائل الإعلام في دول العالم إذ لا يرتبط ذلك بطبيعة الأزمة فحسب بل بأمور أخرى عديدة؛ منها القوانين التي تنظم العمل الإعلامي في كل دولة، والقدرات الاحترافية لممارسي مهنة الإعلام، ومدى تطور وسائل الاتصال، وجميعها عناصر مهمة للأداء الإعلامي، إلا أن الأمر الذي بدا جليا هو التحام وسائل الإعلام مع الجهود الرسمية للدول، بل تجاوز الأمر ذلك في محاولة لتوظيف وسائل الإعلام ضمن الحروب الكلامية إبان احتدام أزمة كورونا، ويثير ذلك تساؤلا مهما مؤداه: كيف تسهم وسائل الإعلام في تعزيز المصالح الحيوية للدول إبان الأزمات؟ وهذا هو جل ذلك المقال.

فعلى الرغم من أن كل الدول -حتى تلك التي تضع ضوابط على أداء وسائل الإعلام- ليس بإمكانها السيطرة بشكل كامل على تدفق الأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي تعد منافسة لوسائل الإعلام فإن هناك حالات تم خلالها توظيف الإعلام لتعزيز المصالح الحيوية للدول؛ فبتحليل مضامين وسائل الإعلام الأمريكية خلال الأشهر التي تلت الغزو العراقي لدولة الكويت عام 1990 لوحظ أنها استهدفت تهيئة الرأي العام الأمريكي من أجل تحرير دولة الكويت عام من خلال تحالف دولي قادته الولايات المتحدة عام 1991 ويعكس ذلك أمرا مهما هو أنه مهما بلغت درجة الحرية الممنوحة لوسائل الإعلام في أي دولة في العالم إلا أنه خلال الأزمات التي تهدد الأمن القومي للدولة فإن وسائل الإعلام تتماهى مع التوجهات الرسمية للدولة وتصبح مهمتها تفسير وتبرير توجه الدولة في هذا الاتجاه أو ذاك، ومما يؤكد ذلك أنه عندما تعرضت باريس لهجمات إرهابية دامية في عام 2015 وعرضت وسائل الإعلام استطلاعات رأي لعدد كبير من المواطنين فقد لوحظ أن 60% من المستطلعة آراؤهم قد رأوا أن الأمن مقدم على ما عداه من حرية التعبير.

وتأسيسا على ما سبق فإن بعض الدول قد أولت دور الإعلام خلال الأزمات اهتماما كبيرا فيما عرف بـ«إعلام الأزمات»، وهو المصطلح الذي حظي باهتمام العديد من الباحثين والأكاديميين المهتمين بحقل دراسة الأزمات عموما، وقد سعى بعضهم للربط بين الإعلام وطبيعة الأزمة كالقول «الإعلام الأمني» أو «الإعلام الحربي»، وما تعنيه تلك المصطلحات من تخصص ومهنية لممارسي الإعلام في هذين المجالين، بالإضافة إلى حرص العديد من الدول على تعيين متحدث إعلامي خلال الأزمات على أن يكون ذا مؤهلات متميزة ولديه قدرات علمية وعملية للعمل في ظل الظروف الضاغطة للأزمات والتي لا تتيح الكثير من الوقت وتتطلب تحديثا سريعا للتطورات بأسلوب علمي يتسم بالإقناع والارتكاز على معلومات موثقة.

ومع أهمية ما سبق ففي تصوري أن دور الإعلام خلال الأزمات يحتاج إلى صياغة استراتيجية مسبقة من خلال دورات تدريبية بدأتها الدول بشأن إعلام الأزمات، بل إن منظمات دفاعية على غرار حلف الناتو قد جعلت ذلك الأمر جزءًا لا يتجزأ من تدخل الحلف في الأزمات إذ لم تكتف دول الحلف بأن وسائل إعلام دول الحلف تتناول الحدث كل على حدة بل تم تحديد استراتيجية إعلامية تعمل فور تدخل الحلف في أزمة ما لإدراك الحلف مخاطر الشائعات وتأثيرها على جوهر عمل الحلف وهو التضامن، وهو ما أشار إليه صراحة ينس ستولتنبرج الأمين العام للحلف إبان جائحة كورونا، وما أعنيه هنا بتلك الاستراتيجية التي بالطبع سوف تتباين من دولة إلى أخرى وفقا لظروفها هي أنها يجب أن تتضمن ثلاث مراحل؛ الأولى: مرحلة ما قبل الأزمات من خلال تسليط الضوء على المخاطر التي من شأنها أن تؤدي إلى أزمات وذلك بشكل دائم وليس بشكل موسمي مؤقت، فقبل جائحة كورونا كانت القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية هي محور اهتمام وسائل الإعلام في كل دول العالم مع اهتمام ضئيل بالقضايا الطبية سوى نشر معلومات طبية بشكل أسبوعي، إلا أن تلك الجائحة قد أظهرت مدى الحاجة إلى الإعلام الطبي لما له من دور توعوي مهم، والثانية: مرحلة خلال الأزمة ذاتها من خلال صياغة استراتيجية متكاملة لعمل وسائل الإعلام الرسمية للدولة إبان الأزمات، سواء من خلال تحديد المتحدث الرسمي في كل المجالات أو كيفية إدارة الأزمة في ظل التنافس المحتدم مع وسائل التواصل الاجتماعي التي ربما تروج شائعات قد تزيد من حدة الأزمة بما يزيد العبء على وسائل الإعلام سواء لمتابعة مستجدات الأزمة وتقديمها للجمهور أو التصدي للشائعات التي أضحت جزءًا من الحروب النفسية بين الدول، بل إن هناك دولا تخصص قنوات وميزانيات لتلك الحروب، وثالثها: ما بعد الأزمة، إذ لوحظ أن وسائل الإعلام في بعض الدول ينتهي عملها بانتهاء الأزمات، وإذا كان ذلك يعد أمرا جيدا لأنه من مهام الإعلام عدم التهويل فإن ما أعنيه هو كيفية استثمار وسائل الإعلام لنتائج الأزمة، وربما قدمت وسائل الإعلام الصينية نموذجا لذلك من خلال الترويج للمساعدات التي قدمتها للعديد من دول العالم خلال جائحة كورونا، بل حتى على مستوى الرأي العام الداخلي في الصين من خلال إرسال صور وشهادات موثقة وتقارير شاملة عن وحدة الشعب الصيني في مواجهة تلك الجائحة.

ومجمل القول إن التطور الذي طرأ على طبيعة الأزمات وتداعياتها يتطلب استراتيجيات وخططا إعلامية في الدول كافة تتوازى مع ذلك التطور ومتطلباته.

‭{‬  مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز 

البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news