العدد : ١٥٥٨٧ - الأربعاء ٢٥ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٨٧ - الأربعاء ٢٥ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

حول إنشاء قوة متعددة الجنسيات للتدخل السريع في المنطقة

بقلم: د. أشرف محمد كشك

الاثنين ٠٢ نوفمبر ٢٠٢٠ - 02:00

في الثامن عشر من أكتوبر 2020 نشرت الصحف المحلية خبرًا مفاده أن هناك محادثات يجريها كبار المسؤولين بالبحرية الأمريكية لتشكيل قوة متعددة الجنسيات للتدخل السريع في المنطقة، ووفقًا لمضمون الخبر يهدف التحالف الجديد للمساعدة في حالات الكوارث الطبيعية المفاجئة والأزمات الإنسانية ومواجهة التصرفات العدائية في البحر، ووفقًا لتغريدة على موقع تويتر للقيادة المركزية للقوات البحرية الأمريكية فإن التحالف الجديد «سيعمل على صيانة الأمن الإقليمي وأنه سوف يكون للقوة تدريبات وخطط مشتركة لضمان الأمن والاستقرار والدفاع عن المنطقة بمختلف المجالات».

أثار هذا الموضوع اهتمامي بشكل كبير لثلاثة أسباب الأول: الطابع النوعي للآلية المقترحة وهي قوات التدخل السريع، والثاني: الدول المحتمل مشاركتها في تلك الآلية وتضم دولاً إقليمية بالإضافة للولايات المتحدة الأمريكية، والثالث: طبيعة المهام التي سوف تضطلع بها تلك الآلية وهي العمل كقوة طوارئ خلال الأزمات ولكن في المجال البحري.

وبداية فإن التفسير الاستراتيجي لتلك الخطوة يتمثل في أن التحدي يخلق الاستجابة، صحيح أن كافة تنظيمات الأمن الإقليمي بها آليات للتعاون الدفاعي والأمني ومنها حلف شمال الأطلسي «الناتو» والاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، إلا أن بعضًا من تلك التنظيمات قد وجد ضرورة لتأسيس آلية للتدخل السريع، ليس لمواجهة التهديدات الأمنية الجديدة فحسب بل لكون تلك الآلية هي الأنسب للعمل إبان الكوارث الطبيعية والأزمات الإنسانية التي تحتاج لتدخل سريع للحيلولة دون تفاقمها، ففي الخامس والعشرين من يونيو عام 2018 أعلنت 9 دول أوروبية وهي فرنسا وألمانيا وبلجيكا والدنمارك وإستونيا وهولندا والبرتغال وإسبانيا بالإضافة إلى بريطانيا تأسيس قوة عسكرية لمواجهة الأزمات خارج منظومة الاتحاد الأوروبي وأطلق عليها «مبادرة التدخل الأوروبية»، أما حلف الناتو فلديه آليتان الأولى هي قوة المسعى النشط التي أطلقها الحلف عام 2001 ضمن ثماني إجراءات صدرت عن الحلف ردًا على اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر في العام ذاته وتتمثل تلك القوة في سفن تتبع حلف الناتو وتعمل في مياه البحر المتوسط من أجل اعتراض وتفتيش أي سفن يشتبه في أنها تحمل أسلحة دمار شامل أو جماعات إرهابية، أما الآلية الثانية: فهي إعلان دول الحلف عن تأسيس قوات رأس الحربة في قمة ويلز 2014 والتي تتضمن قوات من كافة أفرع القوات المسلحة ومنها القوات البحرية ولديها القدرة على الانتشار والعمل خلال 24 ساعة.

إن التدخل في الأزمات والكوارث ليس بالأمر اليسير، فبعض المنظمات مثل حلف الناتو حدد شروطًا لذلك التدخل وهي ضرورة وجود قرار أممي ثم إجماع الدول الأعضاء على أن تلك الأزمة تمثل تهديدًا لمصالح دول الحلف، بالإضافة إلى إمكانية الطلب من الدولة المعنية طلب تدخل الحلف، وفي الإطار ذاته فإن تدخل الاتحاد الأوروبي في أزمة ما يرتبط بالتوافقات داخل الاتحاد وآلية اتخاذ القرار، وتكمن المعضلة الأكبر بالنسبة لمنظمة الأمم المتحدة، صحيح أن الفصل السابع يتيح إصدار قرار يجيز التدخل العسكري حالة تهديد أزمة ما للأمن والسلم الدوليين ولكن المعضلة تكمن في أنه لا جيش لدى المنظمة الأممية بما يعنيه ذلك من أن تفويض الأطراف المعنية والمنظمات الإقليمية يكون حاضرًا بشكل دائم دون تخصيص دولة أو تنظيم بذاته وهو ما حدث في القرارات الأممية لمواجهة القرصنة في القرن الإفريقي عام 2008 أو حرب تحرير دولة الكويت عام 1991 والأزمة الليبية عام 2011, إلا أنه إذا كانت هناك أطر وترتيبات للتدخل الدولي في الأزمات فإن الكوارث الطبيعية المفاجئة والأزمات الإنسانية بحاجة لآليات مختلفة، وتوجد أمثلة عديدة أسهم فيها حلف الناتو في مواجهة تلك الكوارث ومنها على سبيل المثال لا الحصر في الثالث عشر من أكتوبر 2005م أقام حلف الناتو جسرًا جويًا لنقل إمدادات تبرعت بها الدول الأوروبية لباكستان نتيجة الزلزال الذي تعرضت له في ذلك العام وراح ضحيته 70 ألف قتيل وعدد مماثل من الجرحى، بالإضافة إلى نزوح حوالي 3 ملايين فرد من مناطقهم. وقد تمثل دور الحلف في إرسال طائرات عمودية وقوة عسكرية بلغت 1000 جندي من قوات الرد السريع احتوت على كتيبة هندسية وعناصر إدارية أخرى الأمر الذي مكن الحلف من الاضطلاع بدور مهم على الصعيدين العملياتي والجغرافي، بالإضافة إلى نشر 11 طائرة في قاعدة إنجرليك التركية تمثلت مهمتها في نقل إمدادات الإغاثة جوًا إلى كشمير وبنهاية عام 2005م كان الحلف قد نقل ما يزيد عن 1000 طن من تلك الإمدادات.

وإقليميًا نجد أن مخاطر الكوارث المحتملة تفوق آثارها الأزمات الراهنة، ليس أقلها أزمة ناقلة النفط صافر المتهالكة والتي ترسو على بعد خمسة أميال من السواحل اليمنية وعلى متنها 1.14 مليون برميل نفط خام وحال تسرب ذلك النفط إلى مياه البحر الأحمر سوف تواجه المنطقة أخطر الكوارث البيئية على مستوى العالم وهو ما يعيد إلى الأذهان الآثار البيئية التي ترتبت على الغزو العراقي لدولة الكويت عام 1990. من ناحية ثانية فإنه في الوقت الذي يزداد فيه اعتماد كافة دول العالم على البحار بنسب تتراوح ما بين 80 و90% من حجم التجارة العالمية تتنامى تهديدات الأمن البحري والتي تجاوزت القرصنة لتطال ناقلات النفط والتجارة غير المشروعة وهي عديدة.

 وفي تصوري أنه حال إقرار تلك الآلية سوف تعد تطورًا مهمًا لأسباب ثلاثة أولها: أنها سوف تكون صيغة وسط ما بين التحالفات التقليدية الدائمة المعروفة ومنها حلف الناتو بما لها من مواثيق يكون الدفاع جوهرها وما بين التحالفات المؤقتة التي يتم تأسيسها لغرض ما مثل التحالف الدولي لتحرير دولة الكويت أو التحالف الدولي لمحاربة داعش، ويعني ذلك أن القوات المقترح تأسيسها سوف تتسم بالمرونة التي تتلاءم والطبيعة المفاجئة للكوارث، وثانيها: أن إقرار مثل هذه الآلية سيكون نموذجًا لتفاعل أطراف الأمن الإقليمي مع نظيره العالمي في ظل التداخل الشديد في المصالح ويقدم الصراع في شرق المتوسط مثالاً على ذلك، وثالثها: أنه في ظل ما تم الإعلان عنه من أنه ستكون هناك تدريبات مشتركة فإن هذا سيكون مرتكزًا أساسيًا لإمكانية إجراء تمرينات محاكاة بين القوى البحرية لأطراف تلك القوات على كيفية التعامل مع كارثة طبيعية أو أزمة إنسانية وخاصة ضحايا الهجرة غير المشروعة التي تعد أحد نتائج الأزمات الإقليمية الراهنة.

ومجمل ما سبق أنه ليس بمقدور أي دولة الحيلولة دون وقوع الكوارث وخاصة الطبيعية منها إلا أن وجود آلية للتعامل معها تتسم بالقدرة والمرونة يعني فعالية إدارتها والحد من آثارها التدميرية.

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news