العدد : ١٥٥٨٦ - الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٨٦ - الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

تعليم ريادة الأعمال.. خيار استراتيجي

بقلم: د. بسام الحمد {

الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ - 02:00

لماذا نرى أبناء رجال الأعمال والتجارة يكونون تجارا؟ وكأن مهارة ريادة الأعمال تسيل في عروقهم. هل تم توريث مهارات التجارة أم أنها التربية على ريادة الأعمال. مررت بابني يوما وهو يشاهد أحد البرامج في اليوتيوب والمعروف باسم (Shark Tank)، إذ يقوم صاحب المشروع بعرض مشروعه الخاص على مجموعة من المستثمرين، وفي حال اقتناعهم بالمشروع يقدم كل مستثمر عرضه على رائد العمل متضمنا رأس المال ونسبة المساهمة وتقسيم الأرباح أو حتى بيع المشروع برمته. وفوجئت أن ابني وهو في سن الثانوية يعرض علي مشاريع تجارية بشكل مستمر. 

تلك المشاهدات جعلتني أتساءل: هل من الممكن تدريس ريادة الأعمال؟ وهل من الممكن تعليم أو تعلم مهارات تنظيم المشاريع؟ هناك نقاش طويل حول إمكانية تدريس ريادة الأعمال، إذ ينقسم العلماء إلى مدرستين فكريتين مختلفتين؛ يجادل أحد الأطراف بأن رواد الأعمال يولدون لا يصنعون، وينص آخرون على العكس تماما بأن تعلم ريادة الأعمال مهارة ولها أصولها في التعلم. وللتوفيق بين الرأيين فقد ذكر مجموعة من العلماء أنه بجانب أن تكون بعض مهارات ريادة الأعمال ملكة لدى الشخص فإن هناك مجموعة من الصفات والمهارات ممكن تطويرها من خلال التعليم والتدريب ليصبح الشخص رائدا للأعمال (Fayolle and Gailly 2008؛ Rasmussen and Sorheim 2006). بجانب ذلك، لا يقتصر تعليم ريادة الأعمال على بدء مشروع أو إدارة شركة، بل إنه نشاط شامل وهدفه الرئيسي هو تزويد الطلاب بعقلية ريادية تتضمن مجموعة من المهارات مثل القدرة على حل المشكلات، وخبرات العمل الجماعي، والإبداع، والقدرة على التعامل مع المسائل المعقدة.

أجرت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية دراسة عام 2018؛ لتقييم شامل لنظام الابتكار في البلدان، وأوصت بمجموعة من التوصيات حول سياسة الابتكار وريادة الأعمال ودورها المؤثر والحساس في تنمية الاقتصاد الوطني. ولقد شهدت الكثير من الدول زيادة في دخلها القومي بسبب ريادة الأعمال. ألا تلاحظون أن الشركات العملاقة بدأ معظمها من مشاريع ريادة الأعمال مثل مايكروسوفت، وأبل، وفيس بوك، وجوجل، وتويتر، وهواوي.. إلخ. وقد أسهمت تلك الشركات العملاقة في زيادة الدخل القومي وحل أزمة البطالة وبناء علاقات وطيدة بين الجامعات والمؤسسات التجارية. بل قد أنشأت شركات صغيرة ومتوسطة كثيرة على جميع المستويات في العالم. في طور الانتقال إلى دولة صناعية، أصبح لزاما إدراج ريادة الأعمال في المناهج الدراسية، وقد لاحظنا ذلك في الدول الصاعدة مثل كوريا الجنوبية وماليزيا. في دارسة حديثة، وجد أن إدخال فكر ريادة الأعمال في المناهج التعليمية يؤدي إلى زيادة في الدخل القومي ما بين 3% و10%. ونحن بصدد شرح أمثلة من هذه النماذج الخاصة التي تتميز بوجود استراتيجية شاملة تتضمن دور المؤسسات العامة والشركات الخاصة وغرف التجارة في إنجاح ريادة الأعمال. 

هناك عديد من الخطط لبدء تشغيل ريادة الأعمال، وكلها تعتمد على مبادرات من منظومة متكاملة ecosystem. تشير الدراسات الحديثة إلى أن هناك ثلاثة عناصر رئيسية لتحقيق ثقافة ريادة الأعمال، هي: تدريس ريادة الأعمال كوسيلة للتغيير الاقتصادي؛ وتدريس ريادة الأعمال كمجال موضوعي؛ وأخيرًا تدريس ريادة الأعمال لإنشاء مشروع جديد (Gibb 1987؛ Caravan and O’Cinneide 1994؛ Klofsten 2000). 

من هذا المنظور، نطرح النموذج الأول من النمسا، إذ تم إدراج ريادة الأعمال ضمن استراتيجية التعليم العالي، كما تم إدراجها في استراتيجية وطنية لتعزيز الروابط بين العلم والصناعة. ولكونه جزءا من استراتيجية وطنية، تم اتخاذ مبادرات بأشكال مختلفة في تخصصات مختلفة من التعليم العالي. على سبيل المثال، تم دعم جامعات العلوم التطبيقية Universities of Applied Sciences (UAS) لتكون مجهزة لتعزيز أجندة ريادة الأعمال والابتكار، كما تم تصميم برامج بجامعات العلوم التطبيقية (UAS) للتفاعل مع الشركات وأصحاب المصلحة من أجل تعزيز مهارات ريادة الأعمال. لم يقتصر الأمر على الجامعات التطبيقية، ولكن بدأت الجامعات بشكل عام تطوير البرامج الأكاديمية وتأهيل الأساتذة الأكاديميين والطلبة في تعلم مهارة ريادة الأعمال. على سبيل المثال قامت جامعة غراتس بالنمسا بتحديد كفاءات التعلم لريادة الأعمال KLUG-Learning. يتمتع هذا النموذج بالحراك الاستراتيجي والشمولي الذي يشمل جميع القطاعات وخاصة التعليم العالي، ومن ثم قد أثمر زيادة الدخل القومي بـ3.1%.

وسنرى أن الباحثين قد أكدوا أهمية وجود استراتيجية وطنية شاملة لتكون منظومة متكاملة ecosystem؛ فقد عملت غرفة التجارة ومؤسسات مالية بالنمسا على توفير الدعم اللازم لإنشاء المشاريع الصغيرة والمتوسطة لرواد أعمال نجحوا في طرح أفكار ريادية ناجحة.

إن وجود البنية التحتية والدعم المالي واللوجستي والخبراتي ضروري لنجاح المشروع. ونشير هنا إلى أن هناك أمثلة جيدة في البحرين؛ إذ عملت مؤسسة تمكين على دعم حاضنات الأعمال التي تحول الكثير منها إلى مشاريع ناجحة. 

نطرح النموذج الثاني المطبق في منظومة دول الاتحاد الأوروبي التي تضع تعلم وتعليم ريادة الأعمال في سياق جامعي، وذلك بتحديد السمات الرئيسية لمؤسسة التعليم العالي الريادية. فمثلا، يتم إدخال طرق تربوية جديدة في المراحل الأولى من الدراسة تتمحور حول الطالب وتكون متعددة التخصصات لتعزيز التعلم القائم على الممارسة. فيقوم الطالب بممارسة مجال الالكترونيات أو الروبوتيكس ويقوم بصناعة الأجهزة الالكترونية من صنع يده، ثم يقوم بعمل جدوى اقتصادية وعلى أثرها يبدأ بعملية البيع ليحصل على المدخول المخطط له. ثم يتعلم الحساب والمحاسبة عن طريق عمل دفتر الحسابات والتدقيق الداخلي لإغلاق الحسابات وتوزيع الأرباح. يركز النموذج الثاني على المناهج المدمجة لتنمية مهارات ريادة الأعمال من الناحيتين النظرية والعملية، من خلال مجموعة من المبادرات: 

- تقديم الدعم والتدريب للموظفين بهدف إنشاء مناهج جديدة تتعلق بريادة الأعمال.

- السماح للطلاب بالمشاركة في تقييم الدورات وتزويدهم بإمكانية تقديم الملاحظات.

- إشراك رواد الأعمال في الفصول الدراسية، حتى يتمكن الطلاب من الحصول على وجهات نظر جديدة في تعليمهم الصفي.

يصف Klofsten (2000؛ 2008) ثلاثة مناهج مشتركة تنفذها مؤسسات التعليم العالي لتعليم ريادة الأعمال في جامعات ريادة الأعمال بالدول الأوروبية.

- تعميم روح المبادرة: يتميز هذا النهج الشامل (بجامعات ريادة الأعمال) التي تهدف إلى خلق ثقافة ريادة الأعمال وتعزيزها. ولا يتم تمييز ريادة الأعمال كموضوع محدد ولكن يتم ربطه بجميع أنشطة الجامعة المتعلقة بدورات البكالوريوس والدراسات العليا وأنشطة البحث والتوعية.

- تدريس ريادة الأعمال: تنظم مؤسسة التعليم العالي دورات محددة في ريادة الأعمال، إذ يمكن للطلاب معرفة المزيد عن ريادة الأعمال كموضوع في حد ذاته. تركز الدورات على إنشاء الأعمال والأطر القانونية والتنظيمية وتطوير الأعمال والجوانب المالية المتعلقة بتطوير الأعمال.

- دعم رواد الأعمال: تنشئ مؤسسات التعليم العالي برامج تدريبية محددة للأفراد الذين يرغبون في بدء شركاتهم الخاصة أو تطوير أعمالهم التجارية. كما تشمل برامج ريادة الأعمال مرافق الحاضنة وبرامج النمو. هذه الأنشطة عملية أكثر من كونها نظرية، وغالبًا يتم وضعها خارج المناهج الدراسية التقليدية. كما أن التعلم اللامنهجي جزء تكميلي مهم في توفير تعليم وتعلم ريادة الأعمال لإلهام الأفراد للعمل بشكل ريادي. هناك طرق مختلفة لتحقيق هذه النتيجة، بما في ذلك: دعم الوصول إلى نوادي المشاريع الطلابية والفائزين بجائزة ريادة الأعمال والجمعيات الخاصة بريادة الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة؛ وتنظيم فعاليات التواصل بين الطلاب ورجال الأعمال؛ وإشراك الطلاب في مسابقات فكرة العمل وخطة العمل كجزء من فرصهم اللامنهجية.

هناك تحديات في جميع الاستراتيجيات التي ذكرت أعلاه، ونلخصها في مجموعة من النقاط؛ فمثلا، تنتهج الكثير من مؤسسات التعليم العالي نهج دمج تعليم ريادة الأعمال بشكل جزئي في المناهج لبعض الطلبة أو لبعض التخصصات. وسنلاحظ أن أعداد الطلبة الذين يمكنهم الوصول إلى الدورات التدريبية المصنفة لتعليم ريادة الأعمال قليلة ولا تزيد على 2%. كما أن إعادة تصميم البرامج الأكاديمية لإدراج ريادة الأعمال ليست بالأمر الهين، كما لا نتوقع أن يكون الجميع روادا لاختلاف مهاراتهم وشخصياتهم. كما أن الفجوة بين الجامعات والقطاع الخاص تعرقل تحول مشاريع الطلبة إلى مشاريع تجارية. قد يكون التحدي هو عدم وجود البنية التحتية المناسبة، أو عدم وجود رأس المال أو نظام مؤطر للوصول إلى رأس المال، كما أن عمل كل جهة من دون النظرة المتكاملة الشمولية يضعف من تحقق ثقافة ريادة الأعمال. 

ختاما، نجاح التجارب الحديثة في النمسا وماليزيا وكوريا الجنوبية في صناعة ثقافة ريادة الأعمال يشير إلى تكاتف جميع أجهزة الدولة بقطاعيها العام والخاص في استراتيجية وطنية. كما أن محور النجاح لريادة الأعمال هو مؤسسات التعليم العالي ومدى تكاملها بشكل تنظيمي وقانوني في استراتيجية وطنية مشتركة مع القطاعين العام والخاص. وبذلك تتكون لدينا المنظومة البيئية ecosystem بوجود القيادة في استراتيجية وطنية، والإدارة في التعليم العالي، والتحديات التي تحتاج إلى حل من واقع العمل من القطاعين العام والخاص، والتمويل من القطاعات نفسها أو من المؤسسات المالية مثل تمكين أو غرفة التجارة. 

‭{‬ الخبير الدولي في جودة التعليم العالي 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news