العدد : ١٥٥٨٦ - الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٨٦ - الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

انتظار ولا قرار

تعرفت قبل فترة قصيرة على شاب سوداني تخرج في كلية الطب في العام 2003, وأكمل مستلزمات الحصول على الرخصة الطبية من اختبارات ومعاينات، بما في ذلك العمل ببلاش سنة كاملة كطبيب امتياز، وقام بتقديم طلب لوزارة الصحة في انتظار توظيفه طبيبا في مستشفى حكومي، وما زال صاحبنا ينتظر (استدراك: وصفته بأنه شاب.. لم أسأله عن عمره ولكن بافتراض انه قضى ست سنوات في دراسة الطب فالراجح انه أكمل دراسته وعمره 24 سنة وفوقها11 سنة في انتظار الوظيفة! يعني عمره الآن نحو 35 سنة، وبالتالي فهو شاب فقط بلغة فن الغناء الجزائري، فلو كنت جزائريا اسمه دياب، وصرت مطربا وعمرك 22 سنة فسيصبح اسمك الشاب دياب، وبعدها بـ 35 سنة سيكون اسمك الشاب دياب)، ما زال الطبيب الشاب الذي يعيش في بلد فيه الخدمات الطبية مأزومة، يراجع وزارة الصحة بانتظام وعلى وجهه سيماء الابتسام ليعرف متى سيتم تعيينه مديرا لمستشفى باعتبار انه تخرج قبل سبع عشرة سنة، وكي لا تسيئوا الظن بصديقي الطبيب فقد كان تجاهل وزارة الصحة له «خيرا عليه وبركة»، لأنه غامر بدخول سوق المنتجات والأدوات الطبية ونجح فيه وصار صاحب ملايين ولكنه يراجع الوزارة بين الحين والآخر ليسمع التطمينات: طلبك في أيدي أمينة، وإن شاء الله سنتين أو ثلاثة تستقر الأوضاع في دارفور ويتم رفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية عن البلاد ويتم تعيينك طبيبا تحت التمرين. (من المؤكد أنه وعندما تتهيأ جميع الظروف لتعيينه سيفاجأ بالقول بأن صلاحية شهادته الجامعية قد انتهت).

تذكرت صاحبي بعد ان عثرت على قصاصة من جريدة اليوم السعودية التي تصدر من مدينة الدمام بالمنطقة الشرقية بالسعودية، وهي صحيفة بيني وبينها ود عميق لأنها أول مطبوعة حملت اسمي عدة مرات في وقت لم اكن فيه قد مارست الصحافة متفرغا لها، وبالتالي فتجربتي مع «اليوم» وان كانت تقتصر على ترجمة مواد من مطبوعات أمريكية وبريطانية هي التي فتحت شهيتي للعمل الصحفي، المهم أنه وعلى ذمة صحيفة اليوم (ولا أعرف متى كان ذلك تحديدا لأن القصاصة التي أنقل منها الوقائع مهترئة)، تم تحويل طالبة في المرحلة الثانوية إلى عيادة الأسنان في مستشفى الدمام المركزي، ودارت الأيام والسنوات وتزوجت تلك الفتاة وصارت أما لطفلين، ولكن عيادة الأسنان لم تعطها موعدا محددا، ولكنها أبقت على اسمها مسجلا في العيادة، وظلت تتابع الأمر وتستفسر عن الموعد الذي يتعلق بتقويم الأسنان، وفي كل مرة يقولون لها: طولي بالك.. العجلة من الشيطان.. رب ضارة نافعة.. صبرت يا بنت الناس 8 سنوات وش فيها لو صبرت كم سنة زيادة.. عندما توجهت «الآنسة» الطالبة إلى عيادة الأسنان قالوا لها إن ترتيبها في قائمة الانتظار هو 10047.

بسبب ضعفي المعلن في علم الحساب فقد توقفت عن كتابة المقال، واستعنت بصديق كي يجري الحسبة: 10047 شخصا في قائمة الانتظار في عيادة أسنان بها نحو عشرة أطباء.. «قول» 3 أطباء.. كم شخصا يستفيد من خدمات العيادة في السنة استنادا إلى تلك القائمة؟ لا أدري، ولكن دعونا نقسم 10047 على سنوات الانتظار الثمانية، يكون الحاصل 1259 مريضا في السنة، أي 104 مريضين في الشهر أي 3 مرضى في اليوم الواحد.. بينما يستطيع طبيب الأسنان الكسول معالجة 10 أشخاص في اليوم، ونحو 250 في الشهر ونحو 3000 في السنة أي لو أن تلك السيدة كانت مدرجة في قائمة الانتظار الخاصة بطبيب أسنان كسول ولعبنجي لما انتظرت أكثر من 3 سنوات.

طيب ما التفسير لمعاناة هذه السيدة؟ هنالك احتمالان وتفسيران وهما إما أن العيادة تلك لا تعالج أكثر من حالة واحدة في اليوم!! أو أن الغرض من قوائم الانتظار هو الزحلقة «التوزيع» لأن المريض يمل الانتظار ويكف عن زيارة العيادة ويبحث عن بديل في الطب الخاص، وربما هناك تفسير ثالث وهو أن العلاج متاح فقط لـ«الواصلين».. أو كل هذه الأشياء مجتمعة: يعني تسيب على مجاملات على استخفاف بشؤون المرضى.. والله أعلم.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news